الشّاعر بشّار بن بُرد وغفلة خَال الخليفة!

الشّاعر بشّار بن بُرد وغفلة خَال الخليفة!
صورة : أرشيف
السبت 30 يناير 2021 - 23:43

تصف لنا كتب التاريخ، وتحكي لنا روايات الرّواة أنّ الشّاعر (الضّرير البَصير) بشّار بن بُرد كان رجلاً ضخم الجسم، طويل القامة، جاحظ العينين، حادّ المزاج، قبيح الخِلقة أعمى البصر. وتُروىَ عن فقدان بصره عدة روايات، منها ما يُقال إنّ أمّه ولدته أعمىَ، ومنها ما يُقال إنه أصيب بمرض الجدري في صغره ممّا تسبّب في فقدان بصره بعد ذلك، وممّا يؤيّد هذه الرواية الأخيرة أنّ الشاعر بشار كان بارعاً في الوصف حيث كان يصف الأشياءَ وصفاً دقيقاً في شِعره بشكلً يبعث على الإعجاب الشيء الذي يُبعد عن فكر القارئ أنّ ناظم هذا الشّعر لا يمكن أن يكون أعمىَ ولا يمكن أن يقوله إلاّ المُبصرون.

المزج بين القديم والحديث

كان بشار بن برد من الشعراء المُجيدين والمُجدّدين في العصرين الأموي العباسي (96 هـ – 168 هـ)، حيث تميّز شعرُه بسماتٍ من أبرزها الجمع ما بين القديم والحديث، والغضارة والحضارة، والحِكمة والخلاعة، والجديّة والمُجون، وكان شاعراً ميّالاً إلى استعمال بحور الشعر العربي القصيرة منها والطويلة كذلك على حدّ سواء، وقد حافظ بشّار على البنية المتوارثة للقصيدة العربية في شكلها التقليديّ المألوف والمعروف. كما استفاد بشار من امتزاج الحضارات، واختلاط الأجناس، وتعايش الملل والنّحل في عصره، حيث كان لذلك انعكاس واضح على أسلوبه في قرض الشعر، فحفلت أشعارُه بعمق الفكرة، وبعنصر المفاجأة. كما برع بشار بن برد كذلك في التصوير الفني الدقيق رغم أنه كان أعمىَ حيث كان يصف الأشياء وصفاً دقيقاً قد يعجز عن وصفها المبصرون، وذلك من أشهر ما قيل في حقّه في هذا الصدد. وكانت له قصائد غزلية فاحشة تخدش الحياء، كما كان شاعراً ماجناً مارقاً خليعاً.

يا شيخُ ما صناعتك؟

ومن أشهر الطرائف التي تُروىَ عن بشّار ساقها أبو الفرَج الأصفهاني في كتابه الشهير “الأغاني” حيث قال إنه كان ذات يوم في مَحضر الخليفة عبد الملك بن مروان يُنشده شعراً مع حاشيته ووزرائه فدخل عليهم خالُ الخليفة متهادِياً، مترنِّحاً، يمشي صَبَباً، وحسب رواية أبي الفَرَج الأصبهاني: “وكانت بخال الخليفة غفلة ” فلمّا كان بمحضره سأل خالُ الخليفة بشّارَ بن بُرد فقال له: يا شيخُ ما صِنَاعَتُك…؟؟!! فألتفت إليه بشّار وقال له: إنني أثقبُ اللّؤلؤ…! فغاضَ ذلك الخليفة، وصاح في بشّار قائلاً: وَيْحَك يا هذا، أتتنادر بخالي…؟! فقال بشّار للخليفة: وماذا تريدني أن أفعلَ به يا أميرَ المؤمنين، يرى شيخاً أعمىَ يُنشدُ الخليفةَ شعراً ويسأله عن صناعته..!!…. ومعروف أن ّالذي يعمل في صناعة اللؤلؤ، أو بالأحرىَ في ثقب اللؤلؤ، ينبغي أن يكون حادَّ النّظر، سليمَ البَصر. وعندما خرج بشّار مغتاظاً من عند محضر الخليفة، التقى به أحدُ أصحابه الذي كان حاضراً عند وقوع الحادثة، فقال له: لماذا كلّمتَ خالَ الخليفة بتلك اللّغة الاستخفافية، والاستهزائية، والاستهجانية بمحضر الخليفة؟ فقال له بشّار: تالله يَا صَاحِ إنّني لأحمدُ اللهَ الذي ذَهَبَ ببصري حتى لا أرى الوجوهَ الكالحة من أمثال هؤلاء “..!!

ليلٌ تهاوىَ كواكبُه

وتُروىَ هذه الطرفة كذلك عن بشّار نفسِه في مواضع أخرى وبصيغٍ مختلفة. وقيل إنّ بشّار كان من أكبر الوصّافين في الشعر العربي، فكان يصف ما يعجز عن وصفه المُبصرُون، ومن أشهر أبياته في الوصف البيت الذي يُضْرَبُ به المثل في علم البلاغة، حيث يُقال في هذا الصدد: إذا كان أصدق بيتٍ قالته العرب هو بيت لبيد بن ربيعة العامري:

ألاَ كلّ شيء ما خلا اللهَ باطلُ / وكلّ نعيمٍ لا محالة زائلُ

فإنّ أشهر بيت في الوصف يعود لبشّار: في قوله في وصف احتدام معركةٍ حاميةِ الوطيس ولقاء الجمعيْن حيث يقول:

كأنّ مُثارَ النّقعِ فَوْقَ رُؤوسِنَا / وأسْيافِنا ليلٌ تَهَاوَى كواكبُهْ

والشاعر بشّار بن بُرد الذي قال أجمل الأبيات كما رأينا في وصف المعارك والنّزال قال كذلك أعذب الأبيات في الغزَل والنّسيب والتشبيب فهو صاحب

الأبيات الغزلية التي ضربت شهرتها الأطناب وهي:

إنّ العيونَ التي في طرفها حَوّرُ / قتلننا ثمّ لم يُحينا قتلانا

يَصرعنَ ذا اللبّ حتى لا حراك به / وهنّ أضعفُ خلق الله إنسانا

يا قوم أذني لبعض الحيِّ عاشقةُ / والأذنُ تعشقُ قبل العيْن أحيانا

وعندما قيل له: لماذا تقول هذا الشعر على الناس العاديين الذي يحفل بالخصوبة والصعوبة طوراً، وبالفحولة والنعومة أطواراً أخرى قال لهم أبياتاً بسيطة مداعباً إيّاهم واصفاً جارةً له كان اسمُها ربابة في أبياتٍ تلقائيةٍ عفويةٍ موسيقيةٍ بسيطة حيث قال:

ربابةُ ربّةُ البيتِ / تصبُّ الخلَّ في الزيتِ

لها عشرُ دجاجاتٍ / وديكٌ حَسَنُ الصّوتِ

بشّار والمعرّي وطه حسين

ولا بدّ أن المرحوم طه حسين اقتفى آثارَ وتجربةَ وحادثة بشّار في هذا الأمر، فجاء جوابُه بنفس المعنى القديم ، إذ كان يروقه شعرَ بشّار، وكان يتبرّم من نزعته الشعوبية، إذ كان يرى أنه لولا اضطهاد الأموييّن للفرس لما كانت ولما قامت هذه المدرسة، وذلك لأنه كان يفاخر ويمجّد أصوله الفارسية كثيراً، خاصّة وأن بشار يتحدر من أصول فارسية، بل كان يفتخر دائماً بأنه من سلالة ملوك فارس، وكان يقابل من ينظر نظرة تحقير إلى نسبه العجمي بافتخاره بالعجم، ويقابل من يحقّره من العرب بافتخاره بولائه إلى مُضَر، وهو يقول في ذلك:

أنا ابن ملوك الأعجمين تقطَّعت /عليَّ ولِي في العامِرِين عِمادُ

أنا المرعَّثُ لا أخفى على أحدٍ / ذرَّت بي الشمسُ للقاصي وللدَّاني

وكان بشّار متقلّب المزاج يسير حسب مصالحه، وينساق وراء هواه فتراه تارةً يناصر الدولة الأموية، ويمدح آخر خلفائها، وطوراً نجده يمدح الدولة العباسية ويهجو دولة بني أميّة، ويعتبر بشّار إمام الشّعراء المولّدين. ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية، وأدرك بداية الدولة العباسية.

وكان طه حسين كثيراً ما يستدلّ، ويستشهد ببشّار مثلما كان يستشهد ويروقه بلديّه ونظيره في عالم (عمىَ البصر) وحدّة البصيرة خلّه الأثير أبو العلاء المعرّي الذي وضعَ عنه كتاباً رائعاً وشهيراً وهو (مع أبي العلاء في سجنه) حيث يحكي لنا طه حسين في هذا الكتاب عن رهين المحبسين.. عن سجونه الثلاثة.. فَقْدُ بَصَرِه، واعتزاله في بيته، وسجنه الفلسفي الذي يستفيض في الحديث عنه، كما يروي لنا بعضاً من شعره، ونثره في اللزوميات، والفصول، والغايات.. ويشرح بعضَه ويترك بعضَه دون شرح أو تفسير.. ويحدّثنا عن أفكار أبي العلاء وفلسفته في حياته، وحزنه، وألمه، وكآبته، ومعاناته، وعقيدته، وأشياء أخرى كثيرة، هذا الكتاب يتطلّب منّا وقتاً طويلا قد يستغرق أيّاما عديدة إذا أردنا هضمه وفهمه والاستمتاع به.!

‫تعليقات الزوار

3
  • ben Arabi
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 04:59

    Merci beaucoup le professeur Mohamed Khattabi pour cette manifique article sur Bachar ben Borde et Nous vouderont plus et plus….

  • مقبل مدبر .
    الإثنين 1 فبراير 2021 - 17:11

    رغم حلاوة البيان التي تتحدى قدرة البشر والجحر في شعر بن برد ، إلا أنه لم يذكر عنه أنه قال بإستحالة أن يأتي بمثله الإنس ولو كان له الجن ظهيرا . رهين المحبسين أبو العلاء المعري ولا هو الآخر تجرأ على الزعم المباشر رغم قوله الصريح في قصيدة ألا في “سبيل المجد” وإني وإن كنت الأخير زمانه .. لآت بما لم تستطعه الأوائل . في تلميح للقدرة على الإعجاز دون القول صراحة بذالك نظرا لتربص سندة المعبد بكل من زعم يناقض ما هم له عابدون .

  • عابر سبيل
    الخميس 4 فبراير 2021 - 10:47

    للتصحيح : يقول الكاتب ..”فهو أصحاب الأبيات الغزلية التي ضربت شهرتها الأطناب وهي:
    إنّ العيونَ التي في طرفها حَوّرُ / قتلننا ثمّ لم يُحينا قتلانا. يَصرعنَ ذا اللبّ حتى لا حراك به / وهنّ أضعفُ خلق الله إنسانا. يا قوم أذني لبعض الحيِّ عاشقةُ / والأذنُ تعشقُ قبل العيْن أحيانا..”.
    البيتين الأولين للشاعر جرير، وهما من أشهر أبياته. بشار أودعهما في قصيدته لأنه طلب من المغنية أن تغني أبيات جرير (وكان يحسده ويعضمه في نفس الوقت). يقول : “وذات دلٍّ كأن البدر صورتها / باتت تغني عميد القلب سكرانا. إن العيون …”.
    ولإعلاء قدره، تجيبه بأنها ستغني أحسن منهما : “قالت فهلَّ فدتكَ النفس أحسنَ من / هذا لمن كان صبّ القلب حيرانا. يا قومي أذني ..”.
    تحياتي

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 10

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 4

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 11

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق

صوت وصورة
ارتفاع ثمن الطماطم
الأحد 18 أبريل 2021 - 16:19 15

ارتفاع ثمن الطماطم