الظاهر والخفي في قضية دفتر تحملات الخلفي

الظاهر والخفي في قضية دفتر تحملات الخلفي
الثلاثاء 15 ماي 2012 - 11:17

من المعلوم أن ضعف القنوات التلفزية المغربية أمر مسلم به ولايجادل فيه أحد، ولولا استفادتها من البث الأرضي لحققت أرقام متابعة مخجلة جدا، خصوصا أمام ازدحام المجال الفضائي بالقنوات التلفزية المتنوعة التي تتيح للمتلقي المغربي إمكانيات متعددة للفـرجة والمتعة والتثقيف أكثر من تلك التي يوفرها الإعلام العمومي الرسمي على الرغم من أنه يمول من المال العام المقتطع من جيوب دافعي الضرائب، وهذا يعني أن مسألة الإصلاح أصبحت تنطرح بملحاحية شديدة خصوصا نحن نعيش أجواء الربيع العربي.

ولقد كان للمواطن المغربي، لأول مرة في تاريخه، منذ أوائل شهر يناير إمكانية تتبع نقاش حاد شبه عمومي حول ما أصبح يعرف ” بقضية دفاتر تحملات الإعلام العمومي” التي أطلقها مصطفى الخلفي المنتمي لحزب العدالة والتنمية المكلف بحقيبة وزارة الاتصـال. هذه الدفاتر كانت تمرر في السابق بهدوء تام دون أن يهتم بها أحد، حيث كانت تصاغ بواسطة لجنة مصغرة مكونة من موظفي وزارة الاتصال والثقافة وبعض المهنيين. و يشاع آن دفاتر تحملات الفترة الممتدة من 2009 إلى 2011 صادقت عليها الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري دون أن يطلع عليها الوزير الأول آنذاك الاستقلالي عباس الفاسي ولم تعرض أمام أنظار المجلس الحكومي، و ظلت تراوح مكانها في رفوف خزانة الأمانة العامة للحكومة لم تنشر في الجريدة الرسمية إلا بشكل متأخر في نهاية السنة الماضية (2011) على الرغم أنه تم التأشير عليها منذ سنة 2009 .

إلا أن مشروع الدفاتر الذي أعدته وزارة الاتصال هذه السنة أطلق هذه المرة نقاشا واسعا، وتمت مواجهته بمقاومة شديدة من طرف صقور القطب الإعلامي العمومي (الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، مدير القناة الثانية، ورئيسة قسم الأخبار بنفس القناة)، بدعوى أن المشروع لم يسلم للمهنيين قبل المصادقة عليه، و أنه يمس استقلالية الإعلام العمومي، وأن الإمكانيات المالية المتوفرة لا تسمح بأجرأة بنود المشروع المقترح .وهي اعتراضات يتضح أنها تجانب الحدود الدنيا منالمعقولية والموضوعية ؛ فبالمقارنة مع ما كان يتم في السابق فإن المشروع الحالي تمييز باعتماد مقـاربة (الأكــثر) تشاركية فتحـت نقاشـا عمـوميا واسـعا، سـاهم فيه العديد من المتدخلين وعرف مسلسلا من الأخذ والرد، و تم عرضه في لقاء عمومي علني بالمكتبة الوطنية، مما يعني أن الوزير تصرف بشفافية في تعامله مع هذه القضية، عـلى خـلاف الطـريقة المستترة التي كـان يتـم بها الأمر في الماضي، فيـما بين أطـراف غير معنية بالموضوع بحكم القانون، ولم يكن يثير حينها كل هذه الزوبعة من القيل و القال ، و ليس من باب المبالغة في الشئ الحكم على الطريقة التي اتبعت حاليا بأنها كانت الأحسن تاريخيا.

أما فيما يخص مسألة المس باستقلالية الإعلام العـمومي فهـي مـن النـقط التي تثير الكثيـر مـن الاستغراب باعتبـاره لم يسبـق له قط أن كان إعلاما مستقلا ، بقدر ما كان أداة للبروباغندا ووسيلة للدعاية للسلطة وخنق التعدد وقمع الاختلاف وبواسطة هؤلاء اللذين ينصبون أنفسـهم اليـوم مدافعين عن حـريته، والإعـلام العمـومي من المفروض أن يكون جهازا خاضعا وتابعا للشعب وللمؤسسات المنتخبة الممثلة له، وبالتالي فإن أي حديث عـن الاستقلالية فهو من باب المزايدة لا أكثر ، و لا يوجد رد عن مسألة الاستقلالية أبلغ من رأي المهنيين الحقيقيين الذين يشتغلون في القطب العمومي ، حيث جاء في بلاغ أصدره اتحاد نقابيي التلفـزة و الإذاعـة أن مضـامين دفـاتر التحمـلات عكست عـدة إجـراءات يمكنها أن تسهم في بناء مشروع إصلاحي طموح على الرغم من أنه تعوزه آليات التنفيذ و يؤكد الاتحاد على أن المشروع الذي أعدته الحكومة لابد و أن يثير نقاشا عموميا نظرا لمسطرته التشاورية و يضيف نفس البلاغ أن هذا النقاش صحي و من المفروض أن يعكس الدينامية التي يعرفها المغرب و التي أسس لها الدستور الجديد ، و لا يجب أن يتخذ حملة إعلامية ممنهجة ظاهرها مهني و باطنها سياسي، و هــدفهــا تقــويض مشــروع إصـلاحي ، و أن اسـتقلالية الإعـلام العـمـومي ليسـت شـعارا يطلـق للاسـتهلاك الظرفي ، كما أنها لا تعني الاستفراد بمؤسسات عمومية، تمول من جيوب المواطنين، و تحويلها إلى أجهزة للدعاية للسلطة. و فيما يخص ضعف الموارد اللازمة لبلورة الحد الأدنى من الالتزامات فالوزارة الوصية التزمت في لقائها مع كبار موظفي القطاع بتوفير كل الإمكانات الضرورية لتنزيل هذه الدفاتر على أرض الواقع.

ومن النقط الخلافية التي أفاضت الكأس و أججت الجدل بشكل حاد مسألة تنصيص دفتر تحملات القناة الثانية على ضرورة بث النشرات الإخبارية باللغة العربية في وقت الذروة حيث أنها كانت تبث الأخبار العربية في ما بعد الحادية عشرة ليلا دون أيما اعتبار لمشاعر الجمهور الذي يضطر للبحث عن أخباره الوطنية من خلال الشبكات الدولية ، و هو الإجراء الـذي تمت معـــارضته بشـدة من طرف صقور القطب العمومي مدعومين من طرف اللوبي الفرنكوفوني المرتبطة مصالحه وجودا أو عدما بمصالح فرنسا و قد اتضح ذلك بالملموس من خلال العديد من المنابر الإعلامية على مختلف أشكالها الناطقة باللغة الفرنسية ، هذا اللوبي الـذي يخـوض صـراعـا في كـل الميـادين مـن أجـل تكريس الهيمنة الثقافية قصـد ضـمان التبعية الاقتـصادية لفرنسا و استدامتها ، و يقف حجر عثرة أمام كل الصفقات التي قد تذهب لغيرها .

إن لب القضية في مشاريع دفاتر التحملات هو سعيها لتنزيل بعض مضامين الدستور الجديد خصوصا فيما يتعلق بالهوية الوطنية وربط المسؤولية بالمحاسبة بإخضاع القنوات التلفزية لقواعد الحكامة والشفافية والنزاهة، ولأنها تسير بأموال عمومية فقد اقترحت الوزارة إرساء آلية جديدة من خلال تنصيب لجان يتم انتقاء نصفها من المهنيين والنصف الأخر من المجتمع، و هو الإجراء الذي سيسمح للمواطن الإطلاع على صفقات بالملايين كانت تتـم في الظـل، وهـذه هي نقـطة قوة الدفاتر الجـديدة الـتي أغضـبت المـدراء الذين كانوا يتصرفون بيد مطلقة في القطاع وأصبحوا الآن خاضعين للمحاسبة والافتحاص بموجب الإصلاح الجديد، فتلفزة مثل القناة الثانية صرفت الملايين على أتفه السلسلات الكوميدية في شهر رمضان وعلى برامج لم يتم بثها، وهي الآن تعاني من الإفلاس الذي كان من المفروض أن يجعل مديرها يتعرض للتحقيق والمتابعة القضائية بدلا من أن يكون أحد الصقور الرافضة للتغيير.

واضحا إذن أن المسألة تتجاوز قضية دفاتر التحملات ، فالمفارقة الجلية أن موظفين كبار داخل القطاع من المفروض أنهم مرؤوسون من طـرف وزير الاتصـال هم مـن تزعم الحمـلة الممنهجة ضــد إصـلاحات الوزارة دون أن تكـون للوزير الوصي و لا رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران عليهم سلطة ، مما حدا بهذا الأخير التصريح أنه ” هناك قلاع في الدولة لازال يطبعها التحكم واشتكت منها الحكومات السابقة… هذه القلاع تتحرك في وجه الحكومة التي تعمل على القيام بإصلاحات بسيطة يحركها أشخاص ليست لهم الصفة السياسية لمواجهة التعديلات “، و هذا دليل على أن رئيس الحكومة اكتشف عمليا وبشكل متأخر أن الدستور الذي احتفل به وروج له ودعـا قواعده للتصويت عليه بنعم لا يوفر له من هوامش لتحمل المسؤولية وممارسة السلطة سوى الفتات .

‫تعليقات الزوار

5
  • حسن
    الثلاثاء 15 ماي 2012 - 20:59

    اخط هذه الاسطر من باب معرفتي الدقيقة بموضوع الاعلام العمومي السمعي البصري ببلادنا.صدقوني اذا قلت لكم ان من يسير هذا الاعلام لاعلاقة لهم بهذا المجال بتاتا.هي اسماء جاءت من هنا وهناك.وهي لاتفقه شيئا.ان اي دفتر للتحملات ينبغي ان يضع في عين الاعتبار الجمهور المغربي الذي يعنيه بالضرورة.فهل اجري في يوم من الايام استطلاع للراي لمعرفة رغبات هذا الجمهور ابدا لم يتم ذلك.وهذا هو السبب الحقيقي في فشل اعلامنا العمومي.لان خريطة البرامج يجب ان تعتمد هذا النهج.حتى تضمن له نسبة كبيرة من النجاح.وهذه هي المنهجية التي تعتمد في الدول المتقدمة كفرنسا مثلا.اما ان يقال كانت هناك مشاورات قبل اعداد الدفاتر.فهذا غير مقبول.لان بعض الذين شاركوا في المشاورات ليست لديهم الاهلية الكافية.وهمهم الوحيد الحفاظ على مصالحهم الخاصة ليس الا.ما اتمناه هو اجراء تحقيق معمق بخصوص طريقة تسيير وتدبير الشركة الوطنية للاذاعة والتلفزة .والنظر بعمق في الوضعيات الادارية المزرية للعديد من المهنيين الذين ناضلوا وضحوا في هذه المؤسسة.دون ان ينصفوا.ومن هنا الخلل والمشاكل التي تتخبط فيها دار البريهي.مع الاسف.

  • mohamed aqachtoul
    الثلاثاء 15 ماي 2012 - 22:48

    ما يتير الانتباه في ملف دفاتر التحملات هو خروج موظفي القطب العمومي بتصريحات نارية تنتقد وزير الاتصال وهو أمر مخالف للقانون لأن الانتقاد من اختصاص السياسيين أما الموظفين فمهمتهم هي تطبيق القانون. والغريب أن الوزير الأول لم يقدم على إقالة هؤلاء الموظفين الذين تجاوزوا صلاحياتهم.
    والآن بعد كل هذه الضجة أسندت مهمة رئاسة لجنة المراجعة لوزير الاتصال السابق الذي لم تكن له أية بصمة على القطب العمومي مما يثير الخوف والتساؤل حول مصير دفاتر التحملات الجديدة خاصة بعد إعلان الحكومة عن الرجوع بالعمل إلى دفاتر التحملات القديمة.

  • محمد العلوي
    الأربعاء 16 ماي 2012 - 01:44

    أعتقد أن السيد مصطفى الخلفي في محاولته ممارسة بعضا من صلاحيته يواجه طواحين الهواء في معركة معروف نتيجتها مسبقا , و مهمة شبه مستحيلة كهذه تتطلب أكثر من النوايا الطيبة و الإرادة الحسنة بل جرأة سياسية و شجاعة أكبر و هو الأمر الذي لم نره لحد الان , على العموم الكاتب كان موفقا إلى حد كبير في تشخيصه للموقف و تحليله للحدث

  • nizaroo
    الأربعاء 16 ماي 2012 - 02:48

    مقال رائع شكر الخاص لصاحبه ،ما خفي كان أعظم (المشكل لدي ما دخل سيد نبيل عبدالله في شؤون وزارة الإتصال مع العلم أنه كان وزيراً لنفس لوزارة،وهو لأن يتحمل مسؤولية كبيرة في وزارة الإسكان والتعمير وشكراً

  • azrou ajsf
    الخميس 17 ماي 2012 - 00:30

    ce j'arrive pas à comprendre comment des fonctionnaire on plus d'autorité que le premier ministre .

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 113

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50 1

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 3

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 10

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 45

الفرعون الأمازيغي شيشنق