العروي يتتبع تاريخ الضرتين

العروي يتتبع تاريخ الضرتين
الإثنين 13 أبريل 2009 - 00:04

مرت عشرون سنة على توقيع معاهدة تأسيس اتحاد المغرب العربي بمراكش عام 1989، منذ ذلك التاريخ، جرت مياه كثيرة تحت الجسور وفوقها، بل هناك مياه جرفت جسورا بكاملها في مناطق كثيرة من العالم. بنيت بدلها جسور جديدة واستأنف التاريخ حركته… في الحركة بركة، وهذه قيمة كبيرة في الثقافة العربية، يقول الشافعي منوها بأهمية الحركة والتغيير:



إني رأيت وقـوف المـاء يفســده ** إن سال طــاب وإن لم يجر لم يـطِـبِ


والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ** لملّها الناس من عُجم ومن عَربِ



في شمال غرب إفريقيا، وقفت الشمس وهرمت الأجيال وملت انتظار الوحدة، أما مجرى المياه تحت الجسر فقد أصبح بركة تنتن يوما بعد يوم، ولا يبدو في الأفق أن الجسر سيعرف ماء جديدا، المنطقة تسبح في نفس النهر منذ عقود، وهي تتوغل في أضيق المنعطفات باستمرار، وهي منعطفات متباعدة، وأمام هذا الوضع، ما من عزاء إلا في التاريخ، وقد صدر عن المركز الثقافي العربي كتاب “مجمل تاريخ المغرب” 2007 في مجلد بعد أن صدرت الأجزاء الثلاثة متفرقة.



في هذا الكتاب العميق ، يكشف المؤرخ عبد الله العروي أن انقسام المغرب الكبير، أن الصراع بين الضرات قد مس مستويات كثيرة: التاريخ والسياسة والاقتصاد والدين. وقد كان لذلك تبعات تجعل المصالحة صعبة.



على المستوى الأول اشتكى العروي من أن التاريخ لم يسْلم من الصراعات الآنية بدليل أن كل دولة قطرية في المغرب الكبير “تسعى لفرض نظرتها المنحازة إلى الماضي المشترك” ص 644، أي تقسيم الماضي ليناسب انقسام الحاضر، والنتيجة “على رأس ضحايا الوطنية القطرية الضيقة يوجد بالطبع مشروع كتابة تاريخ المنطقة كوحدة”، وفي ظل هذا التوجه الذي تسيطر عليه أحادية النظرة القطرية والأبحاث الجامعية المتخصصة والتي تفتقد النظرة الشمولية لتاريخ المنطقة، يعتبر العروي أن “مشروع كتابة تاريخ عام لبلاد المغرب كان في حد ذاته رهانا على المستقبل” ص 644 وقد أنجز هذا الرهان.



على المستوى الثاني، وفي إطار تنافسهم المدمر على زعامة سياسية وهمية، تحالف قادة الأقطار المغربية مع البعيد ضد الجار القريب، وقد روجوا – يقول العروي – للأصالة والوفاء والخصوصية الثقافية وهكذا أضرموا نار التشدد، وحين اندلعت النار حولهم عمدوا إلى العنف لمواجهة التطرف. تنافسوا في خلق المشكل، ثم تنافسوا في الحل، والآن يتنافسون في البديل.



البديل المطروح ثانية ديني لا سياسي، وهذا هو المستوى الثالث، ويظهر بوضوح في التسابق على من سيبني أكبر مسجد في العالم على البحر، فعلها الملك الحسن الثاني وسيتجاوزه الرئيس بوتفليقة قريبا، مع أن سكان المنطقة مجتمعين في حجم سكان مصر… وآخر طبعة من هذا التنافس هو من يملك ماضي وبالتالي مستقبل الزاوية التيجانية، فالجزائر تستضيف مؤتمرات المريدين والمغرب يعين شيخ الزاوية بظهير ملكي… وسبب هذا التنافس هو كسب عمق إفريقي في نزاع الصحراء، لان النسيج الاجتماعي هناك يتجاوز حدود الدول، لذا يتم تدبير استقطاب شيوخ الزوايا لإكرامهم بدل التعاون مع قادة مالي وموريطانيا والسينغال والنيجر…



وتجد الوصفة الصوفية نجاحا في التطبيق وزخما في التنظير مادام معهد كارنجي قد نصح امريكا بدعم التصوف من خلال إعادة إعمار المزارات والأضرحة، ونشر الكتب الصوفية، ودعم الطرق والمدارس الصوفية. بحجة أن الصوفية متسامحة مع العلمانية ويمكن أن تزاحم الحركات الإسلامية الراديكالية.



تنضاف إلى هذه المنافسات منافسة طريفة حول من يفسر أفضل ويدافع أكثر عن المذهب السني الأشعري المالكي التيجاني الوسطي ضد “المذاهب الدخيلة”… وهكذا تتحول كل مسألة إلى اختبار يعمق التوغل في منعطفات اليأس.



أخيرا، فالاقتصاد أيضا لم ينج من المنافسة الميركانتيلية لا الرأسمالية، لم تسد منافسة التحرير والتعاون، بل منافسة مدمرة، ففي سبعينيات القرن العشرين، حين تضاعفت أسعار النفط قررت الجزائر أن تدخل في برنامج تنموي طموح بمعزل عن جيرانها، ولم تعدْ تقبل أن تعامل على قدم المساواة معهم وقد ذكر الحسن الثاني أن الجزائريين كانوا يسخرون منه لأنه يزرع الطماطم بينما يستوردون المصانع جاهزة. وقد قرر ماركس أن “التكنولوجيا أكبر وأوسع من مجرد آلة”.



حاليا المبادلات التجارية المغاربية البينية ضعيفة جدا، ولو فتحت الحدود بين المغرب والجزائر وزاد التبادل التجاري لارتفع الناتج القومي لأقطار المنطقة.



يستنتج العروي أن هذه المنافسات “تركت آثارا سلبية عميقة في النفوس لا نعلم هل ومتى نستطيع أن نتحرر منها” ص643



إذا أضفنا إلى هذا التنافس المركب غصات حرب الرمال 1963 وحرب الصحراء 1975-1991، تتضح الأسباب العميقة التي تجعل المشهد سرياليا، مشهد يتحدث فيه القادة عن الأخوة والتعاون بين الأشقاء ووو… بينما تحتاج الجزائر طماطم المغرب ولا تفتح الحدود لاستيرادها “إلى حين تسوية القضايا العالقة”، فورا يرد المغرب ويطالب أولا “بفتح الحدود ومناقشة القضايا العالقة”. وحينها تتورط الشعوب في فخ السوفسطائيين، منْ سيسبق البيضة أم الدجاجة؟



ولتعميق الجراح، تشتد المهاترات الإعلامية وكيل التهم ونشر الغسيل وطبعا التسابق لشراء الأسلحة، وحينها يتبدى الأفق رماديا خطرا، ويحمد العقلاء ربهم لأن لون الطماطم لا يسيل على الرمال مرة أخرى. ومن هذه الزاوية يصبح استمرار الوضع الحالي مكسبا هائلا.



لكن العروي لا يحمل الأنظمة وحدها المسؤولية، يقول “دلت التجربة المطردة أن عبث الحكام يرتكز على يأس المحكومين” ص640، وهنا يظهر الفرق بيننا وبين جيراننا الأوروبيين الذين “قرروا طي صفحات التاريخ الملطخة المؤلمة مع أنهم تقاتلوا لمدة أطول وبصفة وحشية أكثر مما فعلنا نحن المغاربة” ص644.



طبعا ما أبعد صراع المغرب مع الجزائر عن اقتتال ألمانيا وفرنسا، الديمقراطيات تجنح إلى السلم والتعاون لتخفض الكلفة على شعوبها، بينما الدكتاتوريات تقتات من النزاعات لتصنع شرعيتها، مما يهيء الظروف لتلقى الدروس المهينة، وآخر درس قدمه مدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستروسكان الذي طالب دول المنطقة أن تتعامل فيما بينها كما تتعامل مع دول الاتحاد الأوربي.



الحد الأدنى هو معاملة القريب كالغريب بدل معاملته كالعدو، وحتى هذا غير متاح، يقول العروي أنه عند المغاربة “عجز مخيف عن اختراع آليات أصيلة لفض النزاعات أو على الأقل التخفيف من حدتها” ص646. يرفض استمرار هذا الوضع، ويقترح “آن للمغربي أن يصالح نفسه، وأهم من ذلك أن يهادن أخاه” ص642.



كيف؟ أولا بإذابة الانقسامات العشائرية في بوتقة التنافس السياسي، وبإضفاء الشرعية على السلطة عن طريق تقديم مبدأ الخدمة على مفهوم القهر ص 638، وطبعا بتصفية النفوس من الأحقاد الموروثة ليدرك كل بلد أنه لن ينجو بإغراق جيرانه بل بانتشالهم، يقول إرنيستو تشي غيفارا “أنت لا تنقذ نفسك إلا بالسعي لإنقاذ الآخرين”.



[email protected]

‫تعليقات الزوار

5
  • Hard Talk England
    الإثنين 13 أبريل 2009 - 00:06

    Al Aroui est un grand historien et penseur Marocain et je suis tout a fait d’accord avec lui.

  • الحسيمى
    الإثنين 13 أبريل 2009 - 00:12

    ولمادا اهملت ان الصراع بين الضرات قد مس الثقافة ايضا؟من قال لك ان الاتحاد المغاربى هو عربى؟؟واين ستضع الامازيغ يا لصوص التاريخ والثقافات؟؟

  • فؤاد
    الإثنين 13 أبريل 2009 - 00:08

    يتعلق الامر بمؤسسة راند وليس كارنجي حين نصحت بتشجيع الاسلام المعتدل و الصوفية و اللبيرالية بالعالم الاسلامي لمحاربة السلفية الجهادية.على اعتبار ان التدخل المباشر يقوي السلفية الجهادية

  • خالي تاتي
    الإثنين 13 أبريل 2009 - 00:10

    تحليل جيد لكنني لا أتفق معه لكون الساعي لهذا الوضع هم حكام جمهلكية الموز التي أقامها عسكر سائد على دمية المرادية و سبق لي شخصيا أن تتبغت تصريحات بوتفريقة على شاشات تلفزية عديدة و من خلال ردوده يتبين مدى افتتانه بالملك الراحل الحسن الثاني و بلغت به الوقاحة إلى التنقيص من وريثه , للأسف الشديد حتى الساسة من الدرجة الثانية و الثالثة يحدون حدوه و الساسة الجزائريون الذين لهم موقف صادق و أخوي من المغرب سرعان ما يتم إبعادهم عن مراكز القرار على غرار تنحية أحد رؤساء مجلس الأمة الجزائري لعلاقاته التاريخية بزعماء الحركة الوطنية المغربية ، و كيف تم قتل المرحوم بوضياف لموقفه الثابت من قضية الوحدة الترابية للملكة , سياسات بوتفريقة ما هي إلا إستنساخ لسيسات تخلى عنها المغرب إلى الأبد و الملك الحالي مد يده هرارا للإخوة في الجزائر ليس لأنه في حاجة إليهم بل لقناعة بكون أن لا موقع للدول القطرية بالشكل المتداول بل للتجمعات الإقتصادية القوية و للأسواق الواسعة التي يمكن لها ان تكون موضع جدب لكبار الإقتصاديات ، إقتصاد البلدين إقتصاد متكامل يمكن أن يكون في مصلحة المواطنين في البلدين و يمكن أن يساهم في رفع القدرة الشرائية لمواطني البلدين , كما يمكن أن يكون فتح المجال الإقتصادي للبلدين في مصلحة المتكمين في رقاب العباد و البلاد عبر توفير إمكانيات الإستثمار (كما يفعل أغلب المغتربين عن الدزاير) خصوصا أن للبلدين مؤهلات لم يتم استغلالها بعد ,
    غير أن رهان العسكر على إضعاف المغرب عبر استنبات ورم خبيث في جسمه ، يسمح لها بالسطوة على المنطقة ,,,ألم يقم بومدين و بوتفريقة بانقلابهما فقط نظرا لأن الحسن الثاني رفض استقبالهما حين استقباله لبنبلة خلال زيارة للمغرب حتى يظهروا له من يكم الجزائر؟؟؟؟
    شخصيا لم أعد أؤمن بأي أمل في جار السوء اللهم إذا فعلت المنية شيئا ربما قد يكون فقط مدخلا للحل ,,,ربما ، لكنني أشك فيه,,,

  • بنعزيز
    الإثنين 13 أبريل 2009 - 00:14

    وردت دراسة واقتراح تشجيع التصوف في
    Carnegie papers
    وهي بعنوان
    Sufism in Central Asia a Force for Moderation or a Cause of Politicization
    للكاتبة
    Martha Brill Olcott
    للإشارة،الزوايا حل مغربي، كنت طفلا مريضا وذهب جدي عند ضريح ونذر ذبح جدي إن شفيت، حين شفيت أخذ جدي الجدي وذبحه من باب شكر الولي الميت.
    المخزن سبق المعهد بسنوات، وهو لم يهدم الزوايا بالجرافات كما فعل بومدين عام 1978

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 113

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50 1

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 3

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 10

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 45

الفرعون الأمازيغي شيشنق