العطب الحكومي

العطب الحكومي
الأحد 27 أكتوبر 2013 - 00:00

لعل المتتبع لأعطاب حكومة بنكيران، يدرك منذ الوهلة الأولى أن أكبر عطب عانى منه المغرب بعد انتخابات 25 نونبر 2011 هو الحكومة نفسها، التي ظلت سجينة الارتباك والتصدع والارتياب، لم يحصد معها المغرب سوى الفشل والتعثر وهدر للزمن.

فبالرغم من دقة اللحظة السياسية، وارتفاع سقف الانتظارات، فضل رئيس الحكومة التحرك كسياسي مغمور غير مستوعب بالشكل الكافي لمسؤولياته كرجل دولة، باحثا عن انتصارات سياسية لحظية محدودة الأفق، معتمدا في ذلك أسلوب الاستقواء والتنطع والمزاجية، جعله غير قادر على التمييز بين العدو والصديق، بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، وهذا ما أنتج مناخا سياسيا مشحونا بالتوتر والتشنج سواء داخل الأغلبية الحكومية أو في العلاقة مع المعارضة، هذه الأخيرة بدل التعامل معها كفاعل متعاون وشريك، للأسف تم التعاطي معها كعبء على المؤسسات وكمعرقل لفعل حكومي غير موجود، مما أدى إلى غموض في الرؤيا وارتباك في القرار وهدر للزمن، وما نجم عن ذلك من تداعيات سلبية، فبدل أن يسود التعاضد والانسجام، ساد للأسف النزاع والتوتر، وبدل أن تكون لها أهداف واضحة، سارت في منحى التيه والتخبط، وبدل أن تقدم أجوبة ملموسة للقضايا المطروحة، افتعلت مشاكل مغلوطة لا صلة لها بانتظارات المغاربة.

والمفارقة الغريبة بدل أن يكون الهم الأول لرئيس الحكومة هو تلطيف الأجواء وتوفير المناخ الملائم للتباري والتنافس السياسي المنتج والمثمر، وأن تكون الحكومة أداة لتقوية اللحمة المغربية من أجل التطور والنمو، أصبحت في حد ذاتها عائقا ومنتجة للتوتر والتشنج.

وهكذا، بدل أن تنصب جهود رئيس الحكومة على تثمين النموذج المغربي المتميز بتفرده وتأكيد نجاعته نجده عكس ذلك، استسلم بسهولة لأنانيته الحزبية التي فجرتها نشوة الانتصار في جهل تام لقوانين الصراع، وعدم الإدراك بأن الانتصارات السياسية مهما كانت قوتها، فهي انتصارات ظرفية مؤقتة زائلة في مجال سياسي موسوم بالحركة والتحول لا يعرف قاموسه الثبات والسكون.

ومع الكشف عن النسخة الثانية لهذه الحكومة، نأمل أن تستكمل رشدها السياسي، وتقطع مع واقع التيه والتخبط والارتباك وما ينتج عن ذلك من هدر للزمن وتعطيل مسار الإصلاح، لأن حل الأزمة الحكومية الحالية هو أكبر من تغيير في هندستها وأشخاصها، مادام أنها لم تستوعب بعد أن نجاعتها مرتبطة بمدى قدرتها على التصدي لمنطق التنطع والاستقواء، فالنجاحات السياسية لا تتحقق بالتفاهة والتسطيح والثرثرة والاستخفاء بذكاء الآخرين وملأ الدنيا ضجيجا وصراخا، بل تتحقق بالابتعاد عن “التنطيع والاختلاف”، كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وبالسهر على تلطيف الأجواء وتوفير مناخ ملائم للفعل والتفاعل بين مختلف الفرقاء كل من موقعه، أغلبية حكومية كانت أو معارضة في إطار طبعا ما يتضمنه الدستور.

وفي الأخير، هل تتحمل الأغلبية الحكومية الحالية مسؤوليتها الكاملة لتصحيح العطب الحكومي الذي لازمها منذ نسختها الأولى، وتعمل على تدشين مرحلة جديدة تعيد للسياسة مصداقيتها وبريقها، وتعطي نفسا جديدا للحماسة والتوهج اللذان دشنهما خطاب 9 مارس ، فالحكومة الحالية مطالبة بتدارك الزمن الضائع والمضي مباشرة نحو العمل والفعل من خلال مبادرات ملموسة وواقعية لرفع التحديات دون تردد أو مواربة، لأن شرط استكمال المرحلة التأسيسية التي نخاف أن تطول أكثر، يستوجب من الحكومة تدشين ممارسة حكومية جديدة ملؤها الأهداف الواضحة والقرارات الحاسمة والتدابير الناجعة.

‫تعليقات الزوار

5
  • AGDIR
    الأحد 27 أكتوبر 2013 - 10:51

    ان ما يحز في النفس هو ان تجد شعبا باكمله يحكم على اية تجربة او اي اصلاح بالفشل والاخفاق قبل بدايته وهذا ان ذل على شيء فا نما يدل على الخوف على نجاح التجربة التي تقود الاصلاح لان ذلك ليس في مصلحة المعارضة التي ينتابها الخوف الشديد من ان يقطف الحزب الحاكم الثمار ومن ثمة يستحود على مجريات المستقبل السياسي المغرب ولهذا ينبغي علينا ان لا نكون مطية لدوي المصالح السياسوية والنوايا الجبيثة بل يتعين علينا ان نتحلى بالتعقل ونترك الذين يتولون امورنا يعملون وينفذون برنامجهم ثم نحاسبهم في النهاية

  • أنا مش إخوان
    الأحد 27 أكتوبر 2013 - 13:54

    "طاحت الصمعة علقو الحجام"، مثل مغربي غني في دلالاته، ففي الوقت الذي من المفروض أن تتحول الانظار إلى الأداء الحكومي وضعفه ورصد اختلالاته بغية تقوميمها، يفضل البعض من الــ " أنا مش إخوان"، إلى تعويض هذا النقص والفش على حائط أعذار لا عقلانية ولا موضوعية. .

    شكرا حسن التايقي، وشكرا لكل عاقل ذي ضمير حي غير مسستر

  • MOHA
    الأحد 27 أكتوبر 2013 - 14:01

    Le Gouvernement Benkirane est-il un destin ou une fatalité ? En tout cas, c'est un mauvais sort pour le Maroc à l'heure de la démocratie avancée et du changement. Que faisaient les islamistes pendant plus de 20 ans au Maroc ? Dans les rangs de l'opposition, ils ne faisaient que crier, dans leur parti ils n'ont rien appris, dans les mosquées ils ne font que laver entre leurs pieds. Ils constituent la mauvaise alternative au Maroc de la nouvelle constitution, un frein des avancées et des libertés : mais aussi contre les valeurs de la démocratie et de la modernité. Ce n'est pas étonnant, car le diablequ'ils ne font qu'incarner le diable qu'ils nous disent tenter de chasser par les cinq prières…Egalement, d'autres diables composent avec eux incapables de démasquer leurs visages…ce sont des échoués du maroc contemporain, assassints des temps passés. Combien d'entre eux sont atteints par la Rage ? Cette rage s'ettends à leurs fans sans cervelles

  • مصحح الإختلالات
    الأحد 27 أكتوبر 2013 - 15:58

    يا ديواني الحروف.
    أن من المتعارف عليه وما لا ينكره احد أن الحكومة الحالية هي أفشل حكومة عرفها تاريخ المغرب الحديث. وان لا اتفق مع السيد التايقي حين يشير إلى إمكانية الأغلبية الحكومية إصلاح العطب الحكومي لأن منهجية هته الحكومة تشبه طريقة قرأتك حيت تهتم بالشكل دون المضمون و تمر من المقدمة إلى الخاتمة دون الإهتمام بالعرض والمسار الفكري أو العلمي و انتهاءً تبحث عن المسؤول عن فشلها.
    إذا كان لك مؤاخذة على السيد التايقي الذي يقوم بعمل جبار في خدمة بلادنا فلا بأس أن تجيبه بمقال وازن تعارض فيه أفكاره دون قدف و السلام

  • كريم
    الإثنين 28 أكتوبر 2013 - 18:14

    تحية للاخ حسن التايقي على مقالتك القيمة التي تعبر عن القدرات الفكرية والتحليلات السياسية العميقة التي تتمتع بها. اما من جهة ثانية يجب الرد عن المضمون السياسي بدل الرجم و السب

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 11

تحديات الطفل عبد السلام

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 115

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد