'العَلْمانيّة' بين تحييد الدولة وتعطيل الدين

'العَلْمانيّة' بين تحييد الدولة وتعطيل الدين
الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:23

لا ريب في أنَّ “ٱلعَلْمانيّة” مَسألةٌ شديدةُ الإشكال، ليس فقط لأنَّ الذين يُوصَفُون (أو يَصِفُون أنفسهم) بـ”ٱلعَلْمانيِّين” يَختزلونها غالبًا في معنى «فصل ٱلدين عن ٱلدولة» باعتباره أحد مُقتضيَات “ٱلتنوير ٱلعقلانيّ” و”ٱلتحرير ٱلحَداثيّ”، وإنّما أيضًا لأنَّ الذين يرون أنَّ “ٱلدِّين” لا ٱنفكاكـ للإنسان عنه مُطلقًا يَجدون أنَّ ذلكـ المعنى الِاختزاليّ يَجعلُ “ٱلعَلْمانيّةَ” مُساوِيةً لـ”ٱللَّادِينيّة” (التجرُّد من “ٱلدين” بإطلاق)، مِمّا يَستلزم -بالتالي- أنَّها دِينٌ مُتنكِّر باسم “ٱلعقل” أو “ٱلحداثة” على النحو الذي يُوجِب رفضها في نظرهم. وإنَّ الأمرَ ليزداد إشكالا حينما تَصير “ٱلعَلْمانيّة” مُلتبِسةً بـ”ٱلعِلْم” كما يُوهِم شُيوعُ ٱستعمال لفظ “عِلْمانيّة”. تُرى، ما حقيقة “ٱلعَلْمانيّة” في علاقتها بكل من “ٱلْعِلْم” و”ٱلدِّين” و”ٱلدولة”؟ وهل من الممكن أنْ تقوم “ٱلعَلْمانيّة” في المجتمعات الإسلاميّة على غرار قيامها في المجتمعات الأخرى؟


يَجدُر، ٱبتداءً، أنْ يُلاحَظ أنَّ “ﭐلعِلْمانيّة” ٱسمٌ مُولَّدٌ بالنَّسَب إلى لفظ “ٱلْعِلْم” بواسطة لاحقة المُبالَغة “ـانِيٌّ/ـانِيَّة”، مِمّا يَجعلُه مُصطلَحًا يُؤدِّي معنى «ﭐلنَّزعة ﭐلفلسفِيّة ﭐلتي ترتبط بالوَضْعانيّة والتي تُبالِغ في تقدير قيمة “ﭐلْعِلْم” إلى حدِّ القول بأنّه قادرٌ على أنْ يَجعلَنا -عاجلًا أو آجِلًا- نُدرِكـ كل ﭐلأشياء، وأنّه يَستطيع وحده أنْ يُلبِّيَ كل آمال ﭐلإنسان»، فلفظُ “عِلْمانيّة” -إذًا- مُصطلَحٌ عربيٌّ يُقابِل اللفظ الأجنبيَّ (scientism/scientisme). و”ٱلعِلْمَانِيَّة”، بهذا المعنى، غير “ٱلعِلْميّة” (scientificity/scientificité) بمعنى «ٱلطابع ﭐلعِلْمي» الذي يَتحدَّد في ٱرتباطه بـ«مجموع ﭐلشُّروط ﭐلمطلوبة في ﭐلعمل ﭐلبحثي-الفكري ليكون عِلْميًّا»، وهي أيضا غير “ٱلعَلْمانيّة” التي هي ٱسمٌ مُولَّدٌ في العربيّة بالنَّسَب إلى لفظ “ٱلْعَلْم” (بواسطة لاحقة المُبالَغة “ـانِيٌّ/ـانيّة”، و”ﭐلعَلْم” ٱسمُ فِعْلٍ من “عَلَمَ ٱلشيءَ” بمعنى “وَسَمهُ”، أيْ «جعل له عَلامةً أو سِمَةً» و، من ثَمّ، بمعنى “ٱلعالَم” كمثل “ٱلطّابَع” الذي “يَعْلُم/يَسِمُ” الأشياء أو هو “ٱلعلامة/ٱلسِّمة” الدّالّة على “ٱلخالِق/ٱلصانِع”)، مِمّا يَجعلُ مُصطلَح “عَلْمانيّة” يُقابِل اللفظ الأجنبيّ («secularism/sécularisme, laïcisme») ﭐلذي يَدُلُّ على «ٱلنَّزعة التي تَذهب إلى أنَّ شُؤون هذا “ٱلعالَم ٱلدُّنيويّ” يَنبغي (بل يَجب) أنْ تُفْصَل عن “ٱلدِّين” في ٱشتغاله بـ”ٱلعالَم الأُخرويّ” (وٱنحصاره فيه)».


إنَّ لفظَ “ٱلعَلْمانيّة” ذاكـ وُضِع في الأصل لترجمة المُصطلَح الأجنبيّ الذي يُعرِّبه بعضُهم بـ”ٱللائكيّة” (ٱنطلاقا من اللّفظ الفرنسي « laïcité »). لكنَّ هذه ﭐلترجمة -رغم شُيُوعها- تَبقى مُلتبسةً، لأنّها لا تُمكِّن من إدراكـ معنى أنَّ «شُروط ﭐلوُجود وﭐلفعل في هذا “ﭐلعالَم” هي وحدها ﭐلحَكَم في تحديد ﭐلقِيَم ﭐلمُوجِّهة للسُّلوكـ ﭐلإنسانيّ»، ولأنَّ لفظ “ٱلعَلْمانيّة” يَختلط بـ”ٱلعِلْمانيّة” حتَّى عند بعض ﭐلمُتخصِّصين، على الرغم من تكرار التأكيد بأنّه يَنبغي فتح “ٱلعَيْن” في ﭐلأُولى وكَسْرها في ﭐلثانية. ذلكـ بأنَّ ﭐلمُصطلحَ ﭐلأجنبيّ يَعني «ٱلنّزعة ﭐلتي يرى أصحابُها ضرورةَ جَعْلِ كُلِّ مُؤسَّسات ﭐلمجتمع، التي تُعنى بالشّأن العامّ، خارج سلطة “ﭐلكنيسة” و”رجال ﭐلدِّين” و، من ثَمّ، جَعْل “ﭐلشّعب” بكل فئاته صاحب ﭐلسيادة في جميع شُؤون “ﭐلحياة ﭐلدنيا” وتركـ ﭐلحريّة للأفراد فيما يَتعلَّق بشؤون “ﭐلحياة ﭐلأُخرى”». إِذْ أنَّ لفظ «laïc»، ﭐلذي هو ﭐلأصل في ﭐلمصطلح ﭐلفرنسيّ، يرجع إلى ﭐللّفظ ﭐللاتينيّ “لَيْكُوس” («laïcus») ﭐلمأخوذ بدوره من ﭐللّفظ ﭐليُونانيّ “لَيْكُوس” («λαϊκός»)، ﭐلذي يَعني “ﭐلمُتَدَنِّي” أو “ﭐلمُدَنَّس” أو “ﭐلدُّنيويّ” أو “ﭐلعامّيّ” (كصفةٍ غالِبةٍ على ما له صلة بـ”ﭐلشّعب” الذي يُسمّى في اليُونانيّة القديمة “لَاوُس” [«laoV»]، أو كصفةٍ لِمَا يَأتيه “عامّة ﭐلناس”)، وذلكـ في تَعارُضه مع معنى “ﭐلخاصّ” أو “ﭐلكَنَسيّ” أو “ﭐلمُتعلِّم/ﭐلْعالِم” (الذي يَحمِلُه اللّفظ اليُونانيّ “كليريكوس” [«klhrikóV»] في معناه الأصليّ «ما له صلة بالحظّ» أو «النّصيب الذي يَرِثه المحظوظ» أو «النّصيب المُعطى لرَجُل الدِّين أو الكنيسة»، وهو الذي أعطى لفظ “كليريكوس” اللاتينيّ [« clericus »] الذي صار « clerc » في الفرنسيّة و«cleric » في الإنجليزية بمعنى “رجل ﭐلدِّين” أو “ﭐلدِّينيّ” أو “ﭐلكَنَسيّ”). وكذلكـ فإنَّ ﭐللَّفظين ﭐلإنجليزيَّ « secular » وﭐلفرنسي « séculier » يَرجِعان إلى ﭐللَّفظ اللاتينيّ “سَيْكُولَرِيس” [« sæcularis »] بمعنى “زمنِيّ/عَصريّ” في مُقابِل “كنَسيّ/دينِيّ” (والأصل في هذا ﭐللفظ ﭐللاتينيّ أنّه نَسَبٌ إلى لفظ “سَيْكُولُوم” [«saeculum»] بمعنى “عالَمٌ”). وهكذا، يَتضافر ذانِكـ ﭐللَّفظان الأجنبيّان (“لَيْكُوس” و”سَيْكُولَرِيس”) ليُؤدِّيَا معنًى ﭐصطلاحيًّا أساسيًّا: «كُلّ ما له صلة بإخضاع أُمور هذا “ﭐلعالَم” للعقل ﭐلإنسانيّ ﭐلذي يُفترَض أنّه مُشترَكٌـ بين ﭐلنّاس كافّةً، وإبعاد “ﭐلكنيسة” و”رجال ﭐلدِّين” من ﭐلِاستبداد بتدبير شُؤون “ٱلحُكم” و”ﭐلتعليم” و”ٱلإدارة” و”ٱلِاقتصاد” و”ٱلفكر” و”ٱلفن”».


ونجد أنَّ ذلكـ ﭐلمعنى يُؤدِّيه في “ﭐللِّسان ﭐلعربيّ” مُصطلحان: أوَّلُهما يُمكِن توليدُه من “ٱلدَّهر” بمعنى “ٱلزمان مُطلقًا” ويَستنِد إلى مُصطلح “ٱلدَّهْريّة”، كما عُرِف من قبل، ﭐلذي يَدُلّ على «مذهبِ مَنْ كانوا يقولون -كما ورد في “ﭐلقرآن”- ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حياتُنا ﭐلدُّنيا نَمُوت ونَحيا وما يُهْلِكنا إِلَّا ﭐلدهر﴾ (ﭐلجاثية: 24)». وبِما أنَّ ﭐلأمرَ يَتعلَّق بـ”نزعة” (أو “مذهب”)، فيجب أنْ تُسمَّى “دَهْرانيّةً” (باستعمال لاحقة المُبالَغة “ـانيّة”)، وٱسمُ “ﭐلتَّفعيل” منها هو “ﭐلتَّدْهير” في مُقابِل اللّفظ الأجنبيّ (« secularization/laïcisation ») من “دَهَّرَهُ” بمعنى «جَعَلهُ دَهْرِيًّا» أو «أعطاه صِبْغةً دَهْرِيَّةً» ؛ والمصطلح ﭐلثاني مَوجودٌ أيضًا في ﭐلآية السالِفة نفسها هو “ﭐلدُّنيا”، ومنه يُمْكِن توليدُ مُصطلَحِ “ٱلدُّنيانِيّة” للدلالة على تلكـ ﭐلنّزعة نفسها، وٱسم “ﭐلتّفعيل” منه هو “ﭐلتَّدْنِيَة” (من “دَنَّاهُ” بمعنى «جَعلَه دُنْيوِيًّا» أو «أعطاه صِبْغةً دُنيوِيّةً»، بحيث يكون “دَنَّاهُ” مثل “دَهَّرهُ”) الذي معناه مُساوٍ لمعنى “ٱلتَّدهير” عينه (وكل من “ٱلتَّدنِيَة” و”ٱلتَّدهير” يُؤَدِّيان معنى اللّفظ الأجنبيّ (« secularization, laïcisation/sécularisation »).


ومن حيث إِنَّ الأمرَ يَتعلَّق، أساسًا، بمُناهَضةِ سُلطان “ٱلدِّين” وٱلقَيِّمين عليه في مُجتمعٍ يُفترَض أنّه يَتحدَّد كـ”مجتمع مدنِيّ” (وهو ما قد يُؤدِّي إلى نوعٍ من التّطرُّف في إبعاد “ٱلدِّين” والعمل على تَعطيله تَمامًا، بحيث نَصِيرُ أمام نزعةٍ تَدَّعِي أنَّها “لادِينِيَّة” بإطلاق)، فإنَّ مُصطلَحَا “ﭐلدُّنْيوِيّة” و”ﭐلدَّهْرِيَّة” -في دلالتهما على «ٱلطابع الدُّنيوِيِّ/ٱلدَّهْرِيِّ للوُجود والفعل ٱلبشريَّيْن» (“ٱلدُّنْيويّة/ٱلدَّهريّة” في مقابل اللفظ الفرنسيِّ « la laïcité »)- يَدخُلان في تَقابُلٍ دالٍّ مع مُصطلحِ “ٱلدِّينيّة” (بمعنى “ٱلطابع ٱلدِّينيِّ” في مُقابِل « religiosity/religiosité ») الذي يُقوِّيه التقابُل المعروف بين “ٱلدِّين” و”ٱلدُّنيا” (على الرغم من عدم وجاهته في “ٱلإسلام”، لكونه -بما هو “دِينٌ”- يَشمَل “ٱلحياة ٱلدُّنيا” و”ٱلحياة ٱلآخرة” كلتيهما).


ومِنْ ثَمَّ، فإنَّ “ٱلدَّهْرانيّةَ” و”ٱلدُّنيانيّةَ” مُصطلحانِ يُعبِّران عن «تلكـ ﭐلنَّزعة ﭐلتي تُؤكِّد أنَّ أُمور “ٱلحياة ﭐلدنيا” يَنْبغي (بل يَجِب) ﭐلِاحتكامُ فِيها إلى “ﭐلعقل ﭐلبشريِّ” (في تَغيُّره ونِسبيّته)، وليس إلى “ﭐلوحي” و”ٱلدِّين” (في ثباته وإطلاقيّته)»، مِمّا يَجعلُ صفة “دُنيانِيّ/دَهرانِيّ” تَدُلّ على «ما/مَنْ يَستنِدُ إلى “ٱلدَّهْرانيّة/ٱلدُّنيانيّة” أو ما/مَنْ يَصدُر عنها»

‫تعليقات الزوار

7
  • ramzi
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:27

    السلام عليكم
    تعليق بسيط على بعض كلامك.
    اولا تفسيرك للعلمانية طويل و ممل و من الواضح انه صعب الفهم على عامة الناس من المواطنين ، لذلك من السهل قول ما لا يفهمه الغير و من الصعب اقناعهم بافكار كهذه.
    اما العلمانية اخي الكريم فهى ليست مفروشة بالورود كما تقول فمنذ سنوات و نحن نعمل بها في تونس فما زادتنا الا فسقا و خروج من قشرتنا و هروب عن الله .
    و الغريب العجيب ان هذه العلمانية الداعية مبا شرة الى فصل الدين عن الدولة فرقت بين الام و الاب و الا طفال بدعوى التحرر و الا نفتاح ابتداأ من مجلة الاحوال الشخصية التي تسجن الاب عند صفع ابنته . فمن احكم الله ام البشر؟
    من تتحدى عندما تنفي احكام الله و تضع احكام البشر؟
    العلمانية هي افساد في الارض عن غير حق .
    ماذا جنت العلمانية في اوروبا و امريكا؟ انحلال مجتمعات كاملة و توجهها نحو الفسق و الرذيلة المتفشية بشكل عام .
    لدي المزيد لكل ضيق الوقت يمنعني ادعوك الى التمعن قبل القول بما لا تعلم

  • عماد
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:29

    المعنى الحقيقي للعلمانية هي فصل الدين عن البلاد والعباد.

  • المهدي
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:31

    العلمانية في الحقيقة تعني إبعاد الدين عن الحياة أو فصل الدِّين عن الحياة أو إقامة الحياة على غير الدِّين؛ سواء بالنسبة للأئمة أو للفرد.
    أما أصل كلمة علمانية فهي ترجمة غير صحيحة للكلمة اللاتينية (SECULARISM) وترجمتها الصحيحة هي: اللادينية أو الدنيوية, بمعنى ما لا علاقة له بالدين ويؤكد هذه الترجمة ما ورد في دائرة المعارف البريطانية في مادة (SECULARISM) “هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها؛ وظل الاتجاه إلى الـ(SECULARISM) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية كما يؤكد أن ترجمة الكلمة اللاتينية هي اللادينية؛ ما أورده معجم أوكسفورد شرحاً لكلمة (SECULAR):
    (1) دنيوي أو مادي، ليس دينياً ولا روحياً مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.
    (2) الرأي الذي يقول إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية.
    هل الاسم العربي له صلة بالاسم؟
    ليس له صلة بالعلم لأنه كما ذكرنا أن أصل الكلمة باللاتينية ليس له علاقة بالعلم، والذين ابتدعوها لم يريدوا بها العلم من قريب ولا من بعيد. ولو أرادوه لاستخدموا ما يشير إلى النسبة إلى العلم هي (SCIENTIFIC) لأن العلم بالإنجليزية (SCIENCE) وأرى أن استخدام هذه الكلمة العربية كمصطلح لهذه الفكرة فيه تضليل وتعمية،ولو سموها باسمها لانصرف أهل الفطر السوية عنها ولحاربها أهل الغيرة على الدين.
    ولنا عودة إن شاء الله

  • المهدي
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:33

    بداية النشأة في أوروبا،وكان ذلك بسبب عبث الكنيسة بدين الله المنزَّل، وتحريفه وتشويهه،وتقديمه للناس بصورة منفرة دون أن يكون عند الناس مرجع يرجعون إليه لتصحيح هذا العبث وإرجاعه إلى أصوله الصحيحة المنزلة كما هو الحال مع القرآن المحفوظ بقدر الله ومشيئته من كل عبث أو تحريفٍ خلال القرون.
    إنّ ما نبذته أوروبا حين أقامت علمانيتها لم يكن هو حقيقة الدين ـ فهذه كانت منبوذة من أول لحظة ـ إنما كان بقايا الدين المتناثرة في بعض مجالات الحياة الأوروبية أو في أفكار الناس ووجداناتهم، فجاءت العلمانية فأقصت هذه البقايا إقصاءً كاملاً من الحياة، ولم تترك منها إلا حرية من أراد أن يعتقد بوجود إله يؤدي له شعائر التعبّد في أن يصنع ذلك على مسئوليته الخاصة، وفي مقابلها حرية من أراد الإلحاد والدعوة إليه أن يصنع ذلك بسند الدولة وضماناتها(3).
    ويمكننا تلخيص تسبب الكنيسة في نشأة العلمانية في الآتي:
    ـ عقيدة منحرفة: أن الله ثالث ثلاثة، وأنه هو المسيح ابن مريم.
    – حصر الدين في العبادة بمعناها الضيق فقط، وفي العلاقة الروحية بالخالق.
    ـ نفوذ رجال الدين على الملوك وعلى عامة الناس، بحيث لا يقع تصرف منهم فيكون صحيحاً إلا عن طريق رجال الدين؛ ولو كان ذلك وفق توجيه رباني صحيح ولمصلحة البشر لم يكن فيه إشكال؛ لكن لمصلحة رجال الدين.
    ـ قيام رجال الدين بالتشريع من عند أنفسهم تحليلاً وتحريماً, حسب أهوائهم ومصالحهم مثل: تحليل الخمر والخنزير، وإبطال الختان.
    ـ محاربة الكنيسة للعلم وقتلها للعلماء.
    ـ استغلال رجال الدين لمكانتهم في فرض عشور في أموال الناس، وتسخيرهم للخدمة في أرض الكنيسة، وفرض ما يعرف بصكوك الغفران.
    ـ الفساد الخُلُقي بكل أنواعه كان يمارسه رجال الدين.
    ـ مناصرة الكنيسة للمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواقعة على الناس.
    كل تلك الأسباب وغيرها أدت إلى نبذ أوروبا للدين وإقبالها على العلمانية باعتبارها مخلصاً لها مما عانته من سطوة رجال الدين، وسبيلاً للانطلاق والتقدم الذي كان الدين ـ بذلك التصور وتلك الممارسات ـ حجر عترةٍ أمامه.

  • المهدي
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:35

    ولكن البديل الذي اتخذته أوروبا بدلاً من الدين لم يكن أقل سواءً إن لم يكن أشد؛ وإن كان قد أتاح لها كل العلم والتمكن المادي يطمح إليه كل البشر على الأرض تحقيقاً لسُنَّةٍ من سُنن الله التي تجهلها أوروبا وتجهل حكمتها، لأنها لا تؤمن بالله وما نزَّل من الوحي: (فلما نسوا ما ذكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون) [سورة الأنعام: 44]، وإذا كان الغالب على ردود الأفعال هو الاندفاع لا التعقّل ولا التبصّر ولا الرويّة ولا الاتزان فقد اندفعت أوروبا في نهضتها تنزع من طريقها كل معلم من المعالم الإلهية –سواءً كانت إلهيةً حقاً أو مدعاة من قبل الكنيسة- وتصنع مكانها معالم بشرية من صنع الإنسان، كما تنزع من طريقها كل ما يتصل بالآخرة لتصنع بدلاً منه ما يتصل بالحياة الدنيا([4])، والحاصل أنهم وقعوا في أسوأ مما فروا منه حين نبذوا الدين كله ونقول إنّ ذلك ليس غريباً؛ فالعقائد الباطلة والتصورات المنحرفة، والممارسات الضالة لا تأتي بخير فالذي خَبُث لا يخرج إلا نكِداً.
    وإن كان ذلك قد جرى في أوروبا بسبب الكنيسة ورجال الدين، فليس ذلك موجوداً في دين الإسلام، ولا يمكن أن يقع مثل الانحراف الشامل ويغيب الحق والصواب عن الناس؛ لأن أصول هذا الدين معلومة ومحفوظة، ولا يزال أهل العلم وحملة الحق في كل زمان يُبيّنون ويُوضّحون للناس، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولو حصل شئ من الانحراف فإنه يكون معلوماً، ولن يتفق عليه أهل الإسلام وهو يعالج بما يؤدي إلى مصالح أكيدة، فالخطأ عندنا أمة الإسلام لا يُعالج بالخطأ، والخطأ الذي يقع إنما هو منسوب للبشر فهي ممارستهم واجتهاداتهم, ولا يصح أن يُحمل على الدين وأن يكون ذريعةً لرفض منهج الله.

  • المهدي هداه الله
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:37

    من آثار العلمانية: في مجال السياسة:
    ـ استخدام المبدأ الميكافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” من قبل الحكام، مما جرد السياسة من الأخلاق وأبعد عنها الدين، فأصبح استخدام كل وسيلة حلالاً كانت أو حراماً؛ أمراً عاديّاً، بل لم يكن سياسياً بارعاً من لم يفعل ذلك!!
    ـ استغلال الناس للوصول إلى الحكم، عن طريق الديمقراطية المزعومة، ثم تسليط السلطة على نفي الناس وظلمهم.
    ـ إبعاد الناس عن الحياة واستثناء النهج الإسلامي ذي التوجه الرباني من الوصول للحكم، بل ومحاربته والتنكيل بأنصاره، واتهامهم بالتطرف والإرهاب.
    ـ نشأة التيارات المغالية التي كانت ردة فعل للأنظمة العلمانية بظلمها وفسادها.
    ـ ولاء الأنظمة السياسية في بلاد المسلمين لدول الكفر، ولاءً كاملاً على حساب الإسلام والمسلمين.
    في الاقتصاد:
    ـ ترويج سلع العدو في بلاد المسلمين بما يقوي اقتصاده ويضعف المسلمين.
    ـ أصبحت الثروة دُولةً بين عدد محدود من الأغنياء الذين لا تستفيد منه بلاد المسلمين كثيراً.
    ـ أصبح المسلمون عالةً على غيرهم, معتمدين على عدوهم في كل شيء.
    في الاجتماع والأخلاق:
    تحرير المرأة وتحللها من كل القيود التي تعصمها وتحفظ كرامتها.
    ـ تفكك الأسر وضياع أفرادها.
    ـ انتشار جرائم الأطفال وفسادهم.
    ـ انتشار الخيانات الزوجية, وكثرة أبناء الزنا.
    ـ الترويج للشذوذ الجنسي.
    ـ ضعف الروابط بين الأقارب والأرحام؛ بسبب التركيز على الجانب المصلحي في الحياة والعلاقات بين الناس.
    ـ انتشار ثقافة التحلل والتفسُّخ والشهوة, مما أدى إلى كثرة الفساد الأخلاقي, وانتشار الأمراض الفتاكة.
    في التربية والثقافة: ـ تفسير الدين تفسيراً ضيقاً, وتحديد علومه تحديداً قاصراً.
    ـ التفريق بين نظام تعليم رسمي حكومي, ونظام تعليم أهلي ديني؛ مع إهمال الأول والاهتمام بالأخير.
    ـ إهمال اللغة العربية والتربية الإسلامية, مع إظهار الاهتمام بغيرهما من المواد العلمية والعصرية…ولنا عودة حتى نتم آثار العلمانية على التربية والثقافةوأخيراً : كيف نواجه العلمانية..

  • Abdelkader
    الأربعاء 25 ماي 2011 - 18:25

    لا شك وكما عبر عته من سبقني ،اخترت
    لغة الإطناب المتعالم لتصل إلى أن
    العلمانية ميدانها الحقيقي هو سوق
    العمل الذي يتأسس على المردودية
    والكفاءة والنجاعة والمصلحة العامة….فلا مجال لاعتبار آخر غير الأهلية والمروءة(اتظر قانون الوظيفة العمومية)
    ورغم أن المتطرفين الدينيين يسبون
    يوميا من يخالفهم الدين,فهم لا يتورعون من مطالبته بعلاجهم واستئصال أورامهم ومدهم بكل التكنولوجا والمعارف التي تسهل حياتهم.
    المشكلة لهؤلاء مع اللائكية هي حين
    يشرع في الحديث عن حرية التعبير
    والجهر بالأفكار في كل المواضيع.
    فنحن هتا مع من يعتبر أن الدين مصدره الإنسان ومن يعتقد بأن الدين وحي رباني .
    الإشكالية في الدولة التي يسكنها مسلمون،هي بالأساس إيمانهم الراسخ
    بأن
    كل شيئ مسطر في القرآن،وأن الإسلام
    دين ودولة وليس فقط عقيدة شخصية.
    وهذا يدخل في نطاق الفكر الشمولي الذي أظهرت كل التجارب التاريخية
    على مدى خطورته (النازية،الخمير الحمر،طالبان،الصهاينة……)

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 3

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 6

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 10

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار