الغش المدرسي: نحو مقاربة صحيحة للظاهرة.

الغش المدرسي: نحو مقاربة صحيحة للظاهرة.
الجمعة 7 يونيو 2013 - 14:14

لا شك أن المتتبع للشأن التربوي والتعليمي بالمغرب، يرى كيف أن الدولة عازمة على اتخاذ عدة إجراءات و تدابير زجرية لمحاربة الغش المدرسي، حرصا منها على ضمان مبدأ تكافؤ الفرص، وإعادة الاعتبار لشهادة البكالوريا (كما جاء على لسان محمد الوفا: وزير التربية الوطنية).. غير أن هذه الخطوة، وبرغم ما يمكن أن تحمله من نوايا حسنة، إلا أنها تطرح عدة تساؤلات منها:

_ أولا: هل نحن أمام سلوكيات عادية أم أمام ظاهرة مركبة و متداخلة أبعادها؟

_ثانيا: هل هكذا مقاربة كافية لمحاربة ظاهرة الغش المدرسي؟

_ ثالثا: ألا يستدعي منا ذلك اتخاذ مقاربات علمية للوقوف عند أسباب الظاهرة ومعرفة الحلول المناسبة للحد منها أو التخفيف من وطأتها على الأقل؟

_ رابعا: هل لجوء وزارة التربية والتعليم إلى سلاح الحراسة المكثفة و الزجرية و ما يليها من عقوبات، كفيل بإيقاف نزيف هذه الظاهرة؟

_خامسا: أي دور يمكن أن يلعبه السوسيولوجي و عالم النفس، وعالم النفس_ الاجتماعي، في دراسة وتدارس هذه الظاهرة المشينة؟

_ سادسا: أليس حري بالوزارة أن تطرق باب هؤلاء لكي تتكاثف الجهود و نصل بالتالي إلى الهدف المنشود؟

لا يختلف اثنان في أن أول شيء ينبغي أن يتوفر لدى الوزارة “الوصية” هو الإرادة الحقيقية_ الحديدية في تكوين و تربية الإنسان المواطن الفعال القادر على تنظيم نفسه بنفسه..المواطن الذي يساهم بكل إيجابية في تسيير شؤون وطنه..وإرادة كهذه تتطلب تضافر كل الجهود لأجل تهيئ إنسان_مواطن سليم معافى من جميع النواحي الفكرية و النفسية و العلمية…الخ.

إننا والحالة هذه نتكلم داخل إطار مدرسي مؤسساتي تتداخل فيه عدة مكونات وعناصر لا يمكن إغفالها، بدءا بالمحيط والمدرسة والتلميذ، ثم المدرس، فالإداري…لذلك، فنظرة شمولية كلية عميقة، تكون ضرورية قبل البدء بعملية التشريح و التفكيك..

قد يتساءل متسائل كالتالي: لماذا التركيز على الفضاء المدرسي؟ إن الإجابة تأتي سريعة وهي أن فضاء المدرسة هو المكان الذي نعلم فيه و نربي الإنسان قبل التلميذ الذي سيخرج إلى الشارع، وسيلج الإدارات و المؤسسات و المرافق العامة…فالدولة مجبرة على التفكير في هذا النطاق (لا جعجعة بلا طحين كما يقال) بشكل جدي..ونحن نعتقد أن الإمكانيات لذلك متوفرة، اللهم إلا إذا غابت الإرادة الحقيقية لإصلاح جاد و بناء…

إننا نريد إنسانا مواطنا سويا قادرا على تحمل مسؤولية أفعاله، إنسانا لا يرمي الأزبال حسب هواه، بل حسب ما تعلمه في المدارس من حسن التنظيم و الاهتمام بالبيئة..إنسانا يحترم إشارات المرور سائقا كان أم راجلا..إنسانا يقوم بواجبه على أكمل وجه بدون تماطل و تكاسل…إنسانا على وعي بكافة حقوقه، وبمتطلباته جيله والأجيال القادمة..

إن هذه الرؤية المستقبلية البناءة غير موجودة، وإن وجدت فإنها غير واضحة المعالم تحتاج لفاعلين حقيقيين، علماء وخبراء قادرين على تتبع برنامج متماسك لا يغفل أي نقطة بإمكانها أن تساهم في تحقيق الغرض الذي نريده…

إذن، فنحن أمام ظاهرة مركبة وشديدة التعقيد لا يمكن محو آثارها السلبية بين عشية و ضحاها..قد يدخل الأمر في نطاق الممكن، إذا كنا نملك عصى سحرية..من يدري؟ لا أعتقد أن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها ستحل المشكل، وأن خطوة كهذه مثلها مثل من ارتدى ملابس جديدة وهو لم يستحم بعد..أو هي موجة عابرة نحني رؤوسنا حتى تمر ثم نرفعها دون أن نغير في الأمر شيئا…إلا أن قولنا بعدم إجرائية المقاربة الأمنية والزجرية لا يعني بأي حال من الأحوال أننا نميل إلى كفة الغش المدرسي، بل إن مسعانا كان و سيبقى رهان المواطن المستقبلي الذي نريده..و تحقيق مسعى كهذا يتطلب الانطلاق من القاعدة و الأساس الذي لن يكون سوى التربية و لا شيء غيرها… و التراث الغربي يحمل العديد من الأفكار الهامة في مجال التربية، فهذا الفيلسوف الفرنسي الشهير جون جاك روسو ( 1712_1778) أكد أن هدف التربية هو تكوين الإنسان المتكامل المتصل بمسائل الحياة وبمعضلاتها، و تربيته ليكون مواطنا حرا و فاضلا…وهذا الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط (1724- 1804) يصرح بأن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية..فلماذا لا نحذو حذو هؤلاء و نساهم في إعداد مواطنين مستقبليين قادرين على تكملة المسير إلى بر الأمان وتسليم الشعلة للأجيال الصاعدة، و هكذا دواليك…

إننا لا ندعي تشريح الظاهرة و سبر أغوارها، فهذا أمر يفوق عدد هذه الأسطر القليلة..و لا نقول بأننا قدمنا نظرية في التربية، بل إن مرمانا الأساس هو محاولة إزالة اللبس و التبلبل الذي يمكن أن يغلف تصورنا حول ظاهرة الغش المدرسي، والتنبيه قدر الإمكان إلى ضرورة تدقيق زاوية النظر إلى هذه الظاهرة اتجاه ما هو علمي بعيدا عن الارتجالية و”الحلول الترقيعية” التي لا تزيد الظاهرة إلى رسوخا يوما بعد آخر..ولا شك أن المهمة تزداد ثقلا على عاتق أصحاب الاختصاص من علماء نفس،اجتماع..وخبراء تربية الذين أصبحوا مطالبين بالتدخل الفوري لمعاينة ورصد الظواهر الأكثر تأثيرا على المجتمع، وتكثيف الجهود لأجل إيجاد الحلول القمينة بإنقاذه من كل تفكك أو انحلال يمكن أن يرمي به في هاوية الضياع..

*كاتب من المغرب

‫تعليقات الزوار

6
  • ابو حمزة
    الجمعة 7 يونيو 2013 - 17:11

    نص جميل تشوبه بعض الأخطاء اللغوية ربما لسرعة الرد والتوضيح بعد صدور القانون الجديد او بعد تصريح وزير التربية…
    ….إننا والحالة هذه نتكلم داخل إطار مدرسي مؤسساتي تتداخل فيه عدة مكونات وعناصر لا يمكن إغفالها، بدءا بالمحيط والمدرسة والتلميذ، ثم المدرس، فالإداري…لذلك، فنظرة شمولية كلية عميقة، تكون ضرورية قبل البدء بعملية التشريح و التفكيك..
    اين دور الكتاب المدرسي والتفاعل الناتج عن كل هذه المكونات’’؟؟؟
    ثم ألا يمكن توسيع ظاهرة الغش في الامتحان الى الغش في العمل…في الحياة العامة للناس والمجتمع؟؟؟ ام اننا نكذب على أنفسنا بضبط مثلا التلاميذ أثناء الامتحان ولايهمنا ما سيفعلون بعده في الشارع جهارا أو خفية أليست أزمة أخلاق بل قيم ومؤسسات……؟؟؟ ثم هل نحن جادون فعلا لمواجهة الظاهرة وما ترتبط به من ظواهر أخرى…؟؟؟

  • abdo fathi
    الجمعة 7 يونيو 2013 - 18:10

    تحياتي للصديق أروهان نعم كلما حل مواعد امتحانات البكالوريا وباقي الامتحانات الاشهادية إلا و أعيد الحديث في وسائل الإعلام و لدى الفاعلين التربويين عن استفحال الغش و تطور أساليبه بتوظيف تكنولوجيا المعلوميات الهواتف الذكية. إلا أن الجديد في ظاهرة الغش في الامتحانات هو استفحالها بشكل كبير و خطير و توسعها إلى كل الأسلاك التعليمية بما فيها التعليم العالي. و هذا ربما يعزى الى انقلاب المعايير الاجتماعية و القيم الأخلاقية المحصنة للمجتمعات ، إلى أضدادها السلبية ، فأصبح الغشاش و الانتهازي و اللص ، و المنافق ، و المتملق و الكذاب و المضارب و الاحتكاري و تاجر المخدرات و المرتشي و الاستغلالي ، أصبح هؤلاء يشكلون نماذج المجتمع المغربي المادي ، و أصبح الناس يتهافتون عليهم و يخطبون ودهم للتقرب منهم طلبا لمنفعة – و أي منفعة – أو قضاء حاجة باعتبار أن هذه الصفوة الملوثة تمكنت من أن تصبح مجموعة ضاغطة بفعل قوتها المادية غير المشروعة و نفوذها في المجتمع ، و بالمقابل توارث قيم الصدق ، و العفة و القناعة ، و التضامن و المروءة ، و رمزية ، الفقيه ، و المعلم … الخ

  • أستاذ متقاعد
    السبت 8 يونيو 2013 - 09:58

    قرأت المقال ثم بدأت في قراءة التعليقات، وأنا أتفق مع السيد "2 – abdo fathi" عندما يقول:
    "فأصبح الغشاش و الانتهازي و اللص، و المنافق، والمتملق، و الكذاب، والمضارب، والاحتكاري، وتاجر المخدرات، والمرتشي، والاستغلالي، أصبح هؤلاء يشكلون نماذج المجتمع المغربي… هذه الصفوة الملوثة تمكنت من أن تصبح مجموعة ضاغطة بفعل قوتها المادية غير المشروعة و نفوذها في المجتمع.."
    نعم، فمشكلة الغش ليست في الامتحانات وحدها، ولا تقتصر على الإطار المدرسي وحسب، بل هي عامة.. وهذا لا يعني أن وزير التربية مخطئ في قراراته؛ إنه يحاول قدر إمكانه، ولا يمكن إلا تشجيعه، ولكن تشجيع الغش والانتهازية والمحسوبية والرشوة وكل أشكال الفساد كان سياسة مارستها الدولة في العقود الماضية؛ وهذا التشجيع انقلب إلى "تربية للمواطنين" تسببت في انقلاب سلم القيم..
    ويبدو أن الدولة اليوم قد تكون عاجزة، حتى لو أرادت بإخلاص، أن تصلح شيئا..

  • lahcen Zagouri
    السبت 8 يونيو 2013 - 21:55

    تحياتي الخالصة اليك الصديق أروهان
    " إن الفشل الكبير في التربية اليوم يرجع إلى إهمال مبدأ أساسي هام أن المدرسة ما هي إلا مجتمع صغير….." الفيلسوف الأمريكي جون دوي
    لا يختلف اثنان ان الغش اصبح آفة من آفات المجتمع المغربي ، ولا يختلف اثنان كذلك أنه يجب أن نعلم أبناءنا الاعتماد على أنفسهم وأن الامتحانات يجب أن تمر في أجواء تتسم بالمساواة وتكافؤ الفرص . لكن كيف نطلب من ابنائنا التلاميذ الإعتماد على أنفسهم خلال يوم أو بضع يوم من الإمتحان في حين أنهم عاشوا سنوات في المقعد الدراسي وهم يعيشون التفرقة ويعيشون على مدار اليوم و الساعة التمييز في أقبح تجلياته ، فأمامه تعطى النقط لمن يدفع أكثر و على مرآى ومسمع منهم ومن أهاليهم يتردد رهط من الأساتذة من كل صنف ولون على بيوت زملائهم من ابناء الجيران لاعداده الإعداد الجيد ليوم الإمتحان ؟

  • بولمان
    السبت 8 يونيو 2013 - 22:51

    شكرا أستاذي الكريم على المقال الجميل والمفيد

  • lahcen Zagouri
    الأحد 9 يونيو 2013 - 00:38

    لماذا لا يلجأ التلاميذ الى الغش والحياة اليومية أمامهم غش في غش ، غش في الإنتخابات، غش في الوظائف, غش في أثمنة السلع . غش في جودة المواد ؟ أليست المدرسة، ، بتنوع وظائفها حلقة الوصل النموذجية،بين الفرد والمجتمع ، وهل يمكن عزل هذا الكائن / التلميذ عن وسطه وبيئته، ألا تتأثر المدرسة و تؤثر ؟ ألا تعتبر المدرسة آلية أساسية لترسيخ ثقافة وقيم المجتمع ؟ ألا تمثل المدرسة نموذج مصغرا للحياة الاجتماعية ؟
    نطلب من التلميذ أن يكون ديمقراطيا وهو يعيش ببيع الأصوات بالمزاد العلني ، نطلب منه ان يكون صادقا وهو يصبح ويمسي على الحقائق مزيفة تستعرض أمامه يوميا فى الإعلام وكأنها حقيقة ساطعة. مظاهر الغش بكل مظاهره ثابت ومستقر ومستشري من قديم الزمن فى كل مؤسساتنا وفى كل عملياتنا اليومية التى نجريها : الانتخابية والتعليمية والزراعية والاقتصادية والصحية والدينية والعدلية و هلم جرا الغش ليس سلعا استوردناها بل اننا ننتجها ونتفنن فيها ونطورها، وما غش التلاميذ أثناء الامتحانات الا بضاعتنا وقد رُدت إلينا، هى إنتاجنا و إنتاج مدارسنا وبيوتنا وشوارعنا، وهو المنتوج الوحيد الذى نكتفي منه ذاتيا ونصدر منه الفائض بامتياز.

صوت وصورة
أشهر بائع نقانق بالرباط
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:54 5

أشهر بائع نقانق بالرباط

صوت وصورة
انهيار بناية في الدار البيضاء
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:30 3

انهيار بناية في الدار البيضاء

صوت وصورة
مع بطل مسلسل "داير البوز"
الأربعاء 27 يناير 2021 - 10:17 7

مع بطل مسلسل "داير البوز"

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 11

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40 2

هوية رابطة العالم الإسلامي

صوت وصورة
تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 17:16 3

تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري