الـتـعـاقـد قـبـل الـتـقـاعـد

الـتـعـاقـد قـبـل الـتـقـاعـد
الجمعة 27 شتنبر 2013 - 14:37

تـعـانـي منظومة التقاعد في بلادنا، كما هو معلوم، من اختلالات عديدة، تهدد توازنها المالي وفعاليتها الاجتماعية، بل ومستقبلها برمته؛ فمن جهة، نجد الاختلالات البنيوية العميقة، من قبيل تراجع النمو وتفاقم البطالة وتقلص فرص الشغل وشيخوخة المجتمع، وبالتالي تزايد عدد المستفيدين من تعويضات المعاش. ومن جهة أخرى، هناك الاختلالات الظرفية الشكلية، كتعدد الأنظمة وسخائها المبالغ فيه – مقارنة مع باقي دول العالم،وحتى المتقدمة منها – وتنوع معايير اشتغالها وضعف أو بالأحرى سوء تدبير أصولها و تقلص احتياطاتها،وذلك بسبب الانخفاضات المتتالية لمعدلات الفائدة وكذا تضريب فوائد التوظيفات المالية.

إن أزمة التقاعد هذه تعتبر في العمق أزمة تعاقد؛تعاقد اجتماعي تحديدا، عندما عجزت الدولة الراعية عن الوفاء بالتزاماتها في تجديد هذا التعاقد بين الأجيال، حيث فشلت في وضع وسائل و آليات جديدة، مبتكرة وغير تقليدية، لإنعاش النمو وتقنين الحماية الاجتماعية، و انشغلت في تدبير الصراعات الآنية وأهملت الإصلاحات الهيكلية والمستدامة، والتي تعد وحدها الكفيلة بالإجابة عن الإشكالات الإستراتيجية الكبرى، من قبيل السياسة أو الاقتصاد، الاقتصاد أو الديمقراطية، الدولتية أو الليبرالية، الليبرالية أو الحماية الاجتماعية.

إن سبل الإصلاح عديدة ومتنوعة، إذ ليس هناك نموذج واحد ووحيد للإصلاح، كما أن لكل إصلاح تكلفته، المالية والسياسية والاجتماعية …. تكلفة تكبر كلما تعلق الأمر بإشكالات معقدة و متعددة الأبعاد، مثل إشكالية التقاعد، التي ترتبط في آن واحد بالاقتصاد والديموغرافيا، وبالنمو و العمالة، وبالميزانية والحماية الاجتماعية ، وبالمؤسسات والتوافقات، وبالتوازنات والتعاقدات.

و للحكومات في جميع دول العالم أن تختار بين الإصلاح المعياري والإصلاح المؤسساتي.أما الإصلاح المعياري، فيعتبر إصلاحا هامشيا، وهو في الحقيقة الحل السهل والاختيار البسيط وغير المكلف، إذ في ظل هذا الإصلاح، يتم الاحتفاظ بالنظام الحالي الذي يقوم أساسا على مبدأ التوزيع،مع إدخال بعض التغييرات الطفيفة عليه وعلى معايير اشتغاله، كالرفع من سن التقاعد مثلا أو الزيادة في نسبة المساهمة أو في السنوات المرجعية لاحتساب التعويضات، وذلك بهدف تعزيزه وتقوية ديمومته، على المديين القصير والمتوسط، وفي أفق الإصلاح الشامل.

وأما الإصلاح المؤسساتي، فيعتبر مبدأ التوزيع الذي يقوم عليه النظام الحالي هو سبب الأزمة، بل هو الأزمة ذاتها. ولذلك يتبنى هذا الإصلاح إلغاء النظام الـقائم جملة وتفصيلا ووضع نظام آخر بديلا مكانه، يقوم على مبدأ الرسملة.

هذا الإصلاح الأخير يعد مغامرة بل ويمكن أن يشكل تمرينا سياسيا محفوفا بالمخاطر، الأمر الذي دفع بوزير أول فرنسي سابق وهـو ميشيل روكار إلى القول سنة 1991 بأن التقاعد ملف ملغوم، بما فيه الكفاية، حتى يعصف بخمسة أو سـت حـكـومـات حاولت اتخاذ قرارات ضرورية لإصلاحه.

إن الإصلاحات الأساسية والهيكلية تحتاج إلى زمن كاف، وإلى إرادة سياسية و توافق وطني ، بل وإلى تعاقد اجتماعي، لأن الرأي العام لا يقبل بسهولة بالإصلاحات الجدرية و العميقة، و التي تقطع نهائيا مع الموجود أو السائد، كما أن هذه الإصلاحات غالبا ما لا تظهر ثمارها على المديين القصير والمتوسط، و إنما بعد انقضاء الولاية السياسية للمبادرين بها. ولذلك نجد الحكومات تفضل دائما الإصلاحات الشكلية على الإصلاحات البنيوية .و حكومة السيد بنكيران لم تخرج طبعا عن هذه القاعدة.

لقد جعلت هـذه الحكومة، منذ البداية، من إصلاح أنظمة التقاعد إحدى أولوياتها الأساسية، إلى جانب إصلاحات أخرى كانت قد بشرت بها، مـثل إصلاح صندوق المقاصة وإصلاح المالية العمومية وإصلاح منظومة التربية والتكوين وإصلاح العدالة وإصلاح القطاع السمعي البصري، إلى جانب محاربة الفساد والاستبداد وتفعيل آليات الحكامة الجيدة وغيرها من الطموحات الكبيرة و النبيلة ، و المشروعة على أي حال. ولقد كان لبعض وزراء العدالة والتنمية النصيب الأوفر من هذه الطموحات والتي مـا فـتـؤوا يعبرون عنها بقوة منذ تنصيبهم، و حتى قبل إتمام مسطرة تنصيبهم النهائي، بل وحتى قبل الإعلان عن النتائج النهائية للاستحقاق الانتخابي.

قد لا نشك في صدق نوايا هؤلاء الوزراء ولا في نفس الإصلاح لديهم، ولكن أي إصلاح يحتاج من بينما يحتاج إليه إلى التشاركية أولا وقبل كل شيء، وإلى منهجية عمل واضحة وإلى اليات تنفيذ واقعية، كما يحتاج في الوقت نفسه إلى خبرات وكفاءات وطنية وإلى مستشارين حقيقيين وفاعلين، لا يكونوا بالضرورة حزبين أو حركيين . وهو لعمري المسار الطبيعي للإصلاح، في ظل أي نظام ديمقراطي.

إن حل القضايا والإشكالات لم ولن يكون فقط بالنوايا و المتمنيات ولا بالمظلومية ودغدغة المشاعر العاطفية، كما لا يكون بالشعبوية والخرجات الإعلامية والخطابات الدينية.

لقد اعتقد بعض الوزراء، ربما لطيبوبتهم أو سذاجتهم أو لهوايتهم وقلة خبرتهم أن بمقدورهم لوحدهم دون غيرهم حل كل إشكالات المغرب العالقة، وفي زمن قصير جدا، حتى قبل أن تصل إليهم ملفاتها ويطلعون على خباياها، فيعرفون حقيقتها ودرجة تعقدها و الآثار الجانبية التي قد تخلفها بمجرد الاقتراب منها والشروع في التعاطي معها.

ولأنهم أسرى مرجعيتهم الدينية والأخلاقية الصارمة والملتزمة والملزمة، والتي تعتبر بطبيعتها مرجعية منغلقة غير منفتحة ومتقادمة غير متجددة وفي تناقض تام مع قيم الحرية والانفتاح والتطور والتنمية، فقد ظلوا حوالي سنة تقريبا من حكمهم حيارى تائهين، يتخدون القرارات تلو القرارات، سالكين مسلك الإقصاء بدل التشاركية والمحاباة بدل الشفافية والتسرع بدل التؤدة والتدرج، والاتجاه نحو فرض الأمر الواقع بدل التوافق و التعاقد. لذلك كانت الحصيلة متواضعة ولم يكن لها لتكون، في ظل تلك الظروف، إلا كذلك.

ولكن مع مرور الوقت واحتكاك هؤلاء الوزراء بالواقع؛ بالحساب الجاري والميزان التجاري، بالبورصة والمالية ،بالمقاولة والإدارة العمومية والسوق العالمية، بالتضخم والعجز ، بالاقتصاد والنمو ، بقضايا الإجهاض والاغتصاب وزواج القاصرات والأمهات العازبات، بالمساواة والمناصفة، وبالتسول وأطفال الشوارع، حتى توارت مرجعيتهم واعتدلت خطاباتهم وتوازنت شخصياتهم، حتى أكاد أقول أننا اليوم بصدد ربح رهان كبير، نشهد من خلاله تحولا نوعيا لحزب ظل لأكثر من 15 سنة يمارس معارضة دينية وأخلاقية، كما نشهد في الوقت نفسه ميلاد نخبة من القادة والمسيرين استطاعوا الاندماج بسلاسة، وفي وقت قياسي، في طاحونة الحكم بواقعية وبراغماتية وتفاعل جميل مع إكراهات تدبير الشؤون العمومية .

‫تعليقات الزوار

3
  • marocain
    السبت 28 شتنبر 2013 - 00:00

    برافو و لكن لا تنسى نقد ذاتك و اصدقاؤك اكبر المنتقدين

  • أبو منير
    السبت 28 شتنبر 2013 - 11:36

    تحليل واقعي أشاطر وجهة نظر أستاذ مبرز كما وردت في هذا المقال:
    – التشاركية
    – منهجية عمل واضحة
    – اليات تنفيذ واقعية
    – خبرات وكفاءات وطنية
    – مستشارين حقيقيين وفاعلين، لا يكونوا بالضرورة حزبين أو حركيين

  • أحمد
    السبت 28 شتنبر 2013 - 14:19

    L'avis de l'auteur est comme toutes les interventions qui ne cessent d'intimider le nouveau gouvernement, je pense que les intellectuels marocains doivent contribeur au perfectionnement des solutions et réformes mises en ouevre, aprés tout l'intéret des marocains reste le plus important et la couleur du gouvernemet n'est que secondaire
    Dernier mot:Je n'arrive pas à comprendre comment un prof qui n'a jamais publié un article sur la réforme de la retraite sur un magazine scientifqiue , ait l'audace de le
    faire sur ce site qui est tant consulté par les marocains.

صوت وصورة
نداء أم ثكلى بالجديدة
الإثنين 25 يناير 2021 - 21:55 3

نداء أم ثكلى بالجديدة

صوت وصورة
منصة "بلادي فقلبي"
الإثنين 25 يناير 2021 - 20:45 6

منصة "بلادي فقلبي"

صوت وصورة
ورشة صناعة آلة القانون
الإثنين 25 يناير 2021 - 19:39 4

ورشة صناعة آلة القانون

صوت وصورة
انطلاق عملية  توزيع اللقاح
الإثنين 25 يناير 2021 - 17:02 20

انطلاق عملية توزيع اللقاح

صوت وصورة
الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:31 20

الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت

صوت وصورة
تخريب سيارات بالدار البيضاء
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:05 36

تخريب سيارات بالدار البيضاء