الفرنسي "أولوج" .. مستكشف خبايا المغرب العميق

الفرنسي "أولوج" .. مستكشف خبايا المغرب العميق
صورة: أ.ف.ب
الخميس 11 فبراير 2021 - 07:21

المستعرب والمتمزغ روني أولوج مستكشف فرنسي الجنسية من جذور يونانية، ومن طينة الأدباء والفنانين الكبار، استكشف المغرب العميق بجباله ووديانه، ولقب بأب البربر، وكان يحلو له أن يسمي نفسه الشلح العجوز أو المتجول في الجبال؛ رغم رحيله عن عالمنا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، مازالت مؤلفاته ذات أهمية وراهنية قصوى لمعرفة جوانب خفية من التراث والثقافة الأمازيغية.

متعدد الأبعاد

رأى أولوج النور يوم 02 يونيو 1900 بلونس لوسونيي بمنطقة الجورا الفرنسية.. كاتب وشاعر ومترجم، وفي استراحة المحارب مارس هواية الرسم والتصوير الفوتوغرافي؛ تخرج من المدرسة العليا للمعلمين، ودرس بمعهد اللغات والحضارات الشرقية بباريس العربية والروسية، إضافة إلى الأمازيغية، وكان له إلمام، أيضا، بالألمانية والإنجليزية، علاوة على الإيطالية.. زار عدة مناطق باليونان قبل أن يستقر في ألمانيا للعمل صحافيا.

وخلال سنة 1920، شد روني الرحال إلى مراكش، حيث فتح مدرسة أبناء الأعيان، وفي سنة 1926، أسس بدمنات مدرسة الأهالي، التي تسمى الآن المدرسة المركزية، والتي تعتبر النواة الأولى لمختلف المؤسسات التعليمية بهذه المنطقة؛ وبعد حصوله على التقاعد من مهنة التدريس، استقر، مرة ثانية، بمراكش، وفي سن السبعين من عمره، أصيب بالعمى.. وبعد حياة متميزة ومسار أدبي وفني حافل، توفي يوم 07 أبريل 1985 بمراكش، حيث دفن بالمقبرة الأوروبية.

ومن أبناء أولوج، يعتبر ريمون من الذين ورثوا عنه رهافة الحس، والسير على نفس الخطى، خصوصا في مجال الرسم والاهتمام بالثقافة الأمازيغية، إذ دأب هذا الفنان على رسم مناظر طبيعية ومشاهد يومية مألوفة لأبيه بالأطلس الكبير، مثل: وديان آيت بوكماز وآيت بوولي ومشاهد من حياة القرويين البسطاء والشعراء المتجولين.

من المحلية إلى العالمية

يعتبر ديوان “أغاني تساوت” الذي ترجمه أولوج من الأمازيغية إلى الفرنسية من أشهر إصداراته الأدبية. وهذا المتن الشعري يضم حوالي 120 قصيدة للشاعرة الشفاهية مريريدة نايت عتيق أو “تنظامت” من بلدة مكداز، كانت تسكن حي تقات بأزيلال، وتنشد الشعر بسوق هذه المدينة؛ تعرف عليها أولوج ذات لقاء بالسوق، فأغرم بها ومهد لشعرها الطريق نحو العالمية، عبر ترجمته من الأمازيغية إلى الفرنسية، وإصداره ضمن منشورات تيغرمت بمراكش سنة 1963، لتتم بعد ذلك ترجمته تباعا إلى اللغتين العربية والإنجليزية، من طرف الروائي والمترجم المغربي عبد الكريم جويطي، والباحث والمترجم الفرنسي ميكائيل بيرون، إضافة إلى ترجمة منتخبات منه من الباحث المغربي في التراث والمخطوط مصطفى الطوبي.

إن مريريدة شاعرة مجددة، ولتفادي التكرار والرتابة كانت لا تلقي القصيدة دون أن تغير فيها، فكل إنشاد شعري، بالنسبة لها، هو نسيج وحده، إذ تتصرف فيه حسب مزاجها وأحوالها الآنية، مستلهمة أشعارها من المعيش اليومي والذاكرة الجمعية الأمازيغية، مع تضمينها شحنة انفعالية مليئة بالأحاسيس الجياشة.

وعن علاقته بهذه الشاعرة، يقول أولوج: “وجدتني متوحدا روحيا مع هذه الفتاة المتوحشة التي اكتشفت في دواخلها روحا مفعمة بالحماسة والكرم، وهو شيء استثنائي في قلب الأطلس الكبير، مما عمق اندهاشي”.

وعقب الحرب العالمية الثانية، وتحديدا سنة 1946، توارت مريريدة عن الأنظار، بسبب تنكر أسرتها وأقاربها لها جراء نمط عيشها المتحرر الذي يخدش الأعراف والتقاليد الأمازيغية السائدة، في ذلك الوقت. وبعد سنوات من البحث والتقصي، علم أولوج، عبر إحدى صديقاتها، أن هذه الشاعرة هجرت بدون رجعة سوق أزيلال وبضاعة قرض الشعر لتعيش حياة الاستقرار والزوجية، رفقة أحد الجنود المغاربة، دون أن يتمكن أولوج من ملاقاتها، مرة ثانية، وسبر أغوار اختفائها الفجائي والغامض.

لقب أولوج هذه الشاعرة بسافو البربرية، ونظر إليها آخرون على أنها شهرزاد الأمازيغية. ومهما يكن الأمر فإنه، بفضل هذا المترجم المتمرس، اكتسبت هذه الشاعرة صيتا عالميا، وخرجت من زاوية الظل إلى عالم الأضواء، وأصبحت حياتها الاستثنائية ومسارها الشعري المتميز مصدر إلهام لعدة مبدعين عالميين، مثل المخرج والكوريغرافي المغربي لحسن زينون في فيلمه “موشومة”، والمخرج المغربي الفرنسي كمال هشكار في فيلمه الوثائقي “مريريدة نايت عتيق” والموسيقار المغربي والعالمي أحمد الصياد في إبداعه الأوبرالي الموسيقي “مريريدة”، إضافة إلى الروائي الفرنسي بيير دابيرنات في روايته “مريدة وطوق الوجود”.

 مستكشف المغرب العميق

يعد أولوج رجل ميدان، أحب الأمازيغ واهتم بثقافتهم وقضاياهم؛ كما يعتبر أول أجنبي يستكشف مجاهل مناطقهم القصية والعصية على الولوج، مشيا على الأقدام أو ممتطيا صهوة الدواب، وفي هذا الصدد يقول: “أحب الجبل، أحب سكان الجبال الأشداء الذين قضيت بينهم عدة سنين، وإذ كان لا بد من إعادة رحلة الحياة فإني سأختار المغرب لذلك”.

لقد تأثر أولوج، في المجال الإبداعي، بالأدب الواقعي والطبيعي للأدباء الفرنسيين بلزاك وفلوبير وزولا، علاوة على موباسان، واستعان في إنجاز أبحاثه بأدوات الأنتروبولوجيا الوضعية التي من رموزها، وقتئذ، كونت ودوركهايم وموس، إضافة إلى ليفي بروهل.

وعن زياراته وجولاته الاستكشافية لجبال الأطلس الكبير، ترك لنا هذا الباحث كتبا لا محيد عنها للدارسين والمهتمين بالقضايا الإثنوغرافية والسوسيولوجية الأمازيغية، من أبرزها: أبناء الظل، رعويات بربرية، القمم والوديان العليا للأطلس الكبير، أولئك القاطنون بالأدوية العليا، قصص الحياة المغربية وأغاني تساوت. وإضافة إلى هذه المؤلفات، خلف ألوج أشعارا متميزة، نشرها خلال الفترة الممتدة ما بين 1929 و1938 بمجلة “الأرض المغربية”، التي أصبحت تسمى في ما بعد مجلة “الحياة المغربية المصورة”.

كان أولوج يؤمن بتكافؤ الفرص بين الشعوب من أجل التقدم، رافضا نظرية الأجناس لكوبينو، ومشيرا إلى أن جميع الشعوب في مختلف بقاع العالم لها القدرات نفسها، ويمكن أن تقوم بالأخطاء نفسها؛ وكانت مقاربته في تعامله مع الأمازيغ هي الحيطة والحذر، ما أهله للاندماج والقبول في عالمهم الصعب.

موقف أولوج من الحماية الفرنسية

يعتبر أولوج من المناهضين للظهير البربري بالمغرب سنة 1930، ويرجع ذلك إلى معرفته العميقة بالبلاد، وبطبيعة الإنسان الأمازيغي على الخصوص. وهذا ما جعل سلطات الحماية الفرنسية تمنع إصدار كتابه الموسوم بـ “أبناء الظل”، في ذلك الوقت، الذي لم يعرف طريقه إلى النشر إلا سنة 1932، وذلك بسبب مقدمته الثورية والمناوئة لسياسة الحماية، التي كانت تعتقد في ضعف تدين الأمازيغ، وتراهن على إمكانية إبعادهم عن الدين الإسلامي وجعلهم أوروبيين، من خلال تلقينهم تربية خاصة تكون في خدمة مصالح الحماية. وفي هذا السياق، يؤكد أولوج أنه من الخطأ الفادح التفكير في خلق صدام بين العربي والبربري بإعطاء هذا الأخير تربية أوروبية تبعده عن القرآن وتجعله قوة مناهضة للإسلام.

لقد كان أولوج يؤمن بحماية منسجمة مع الذات والآخر، في مصلحة الحماة والمحميين، ما جعله متحفظا جدا بخصوص إيجابيات الحماية، وجعله يخلص إلى صعوبة الحوار بين الحضارات وإلى سيادة عدم التفاهم الحتمي بين دعاة الحماية والمغاربة، وكذا إلى التنبؤ، ابتداء من سنة 1928، بقيام ثورة شعبية ضد أبناء جلدته في المغرب.

أكثر من ذلك، كان الراحل يشعر بتعاطف كبير نحو حركات التمرد الأمازيغي ضد الوجود الفرنسي بالمغرب، كما كان يتساءل ماذا سيجني الأمازيغ بالدخول في رقصة الشعوب وركب الحضارة الكبرى؟..وفي هذا الإطار، يقول على لسان أحد شيوخ الأمازيغ، موجها الخطاب للمحتلين الفرنسيين: “تعتقدون أنكم جلبتم لنا النور، ولكن في الواقع تريدون حملنا معكم إلى عتمتكم”.

إن أولوج باحث متنور واستشرافي خلف إرثا ثقافيا غنيا ومتنوعا يحتاج للتمحيص والدراسة، وكذا لإعادة طبعه وتوزيعه، على الصعيد العالمي، حتى يكون في متناول الدارسين والمهتمين بالأنتروبولوجيا والإثنوغرافيا، وخصوصا بتاريخ الأمازيغ السياسي والثقافي، خلال النصف الأول من القرن المنصرم.

استكشاف التراث والثقافة الأمازيغية المغرب العميق روني أولوج

‫تعليقات الزوار

13
  • محمد ج
    الخميس 11 فبراير 2021 - 07:42

    كانت فرنسا تستخدم هؤلاء ليتغلغلوا في المجتمعات ليسهل عليها استعمار الدول.

  • ملاحظ
    الخميس 11 فبراير 2021 - 08:35

    المستعربون الفرنسسون مجرد جواسيس خدام بلدهم ،لإحتلال و تخريب البلدان،ومازال ذلك لحد اليوم.

  • نعمان
    الخميس 11 فبراير 2021 - 09:13

    و مازال الغرب يثير النعرات القبلية و الإثنية و الدينية بين أفراد الشعب الواحد في جميع الدول غير المتقدمة عملا بمقولة فرق تسد (المغرب الحالي و الجزائر و موريطانيا كانوا يشكلون دولة واحدة هي المغرب و عاصمتها فاس أو مراكش)، فعد أت تقسيم الشعب الواحد إلى عدة دول بحدود موروثة عن المستعمر و إيمانا بتفوق العرق الأبيض و الدين المسيحي، اليوم يفرقون بين مكونات الدولة لتقسيم المقسم باسم حقوق الإنسان و هي منهم براء، يشجعون عل الإنفصال و على إثارة النعرات بينما يحاربون أي نزعة قومية أو إنفصالية في بلادهم (كل الدول الأوروبية رفضت إنفصال الكتلان أو الباسك عن إسبانيا، انفصال كورسيكا عن فرنسا مثلا) ، يتغلون تشبث الحكام بالكرسي و يبتزونهم و يبتزون الشعوب المقهورة ليحققوا أهدافهم الإقتصادية و التجارية و حتى الدينية، قنابل موقوتة يتحكم فيها عن بعد كما قال السيد حسن أوريد

  • سفيان المرابطي
    الخميس 11 فبراير 2021 - 11:15

    لعدد من المفكرين والباحثين الأجانب، الأوروبيون والأنكلوسكون خصوصا ، دور مهم في إشعاع الثرات والثقافة المحلية لعدد من الشعوب، كما اسدوا خدمات جليلة للتعريف بالتراث والحضارة العربية الإسلامية ، وهذا نابع من انفتاحهم على الغير و إيمانهم العميق بأن الانسان في كونيته ، اذا توفرت له نفس الظروف و المؤهلات ، بإمكانه تحقيق نفس النجاحات

  • تاربخ عميق للجد المجهول !!!
    الخميس 11 فبراير 2021 - 11:38

    وسننتظر مئة سنة أخرى كي يطل علينا جد MUTANT من مجرة كدا …. ليكتسف ان في مدينننا بشر خالص كدا…. ومن حجم… كدا ويتكلم اللهجات المنشورة والمذكورة في متاحف كدا …ويفتح له مخيمات وكانتينات ويزوده ببطاقات في ربوع المدينة ونحن نائمون لانعرف مايروم حولنا كمخلوقات كأننا ليس لنا لاعقل ولاعيون ولا فكر عميق .

  • نور
    الخميس 11 فبراير 2021 - 12:40

    مقال طويل وغني معرفيا وتاريخيا. لكنه يفتقد لصورة الشخص موضوع المقال.

  • عبد الحفيظ
    الخميس 11 فبراير 2021 - 13:32

    سنة 1912، وقع الوزير الفرنسي المفوض أوجين رينيو والسلطان عبد الحفيظ على معاهدة فاس، والتي تنازل بموجبها هذا الأخير عن سيادة المغرب لصالح فرنسا. توقيع على معاهدة الحماية بقي سرا، إلى حين إيجاد ترتيبات للوضعية الجديدة.وحتى في المقررات الدراسية،عن استقلال المغرب من المستعمر الفرنسي، لا تتم الإشارة إلى الكيفية التي تم بها استعمار البلاد إلا نادرا، وان تم الحديث عنها فإنه يتم دون استحضار خلفيات وطريقة دخول المستعمر إلى البلاد.

  • محمد الروداني
    الخميس 11 فبراير 2021 - 15:53

    إن اولوج يتعلم لغة الآخر للاستفادة منه ، وكأني به يتمثل ويعمل بتعاليم ديننا الحنيف الواردة في القرآن الكريم ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ” ، وكذا في السنة النبوية الشريفة ” اطلبوا العلم ولو في الصين ” ، هذا هو العلم، في بعده الكوني، المتسامح والعابر للحدود والقابل لمختلف الروافد و التقاطعات وليس العلم المتعالم ، رهين الانغلاق و شرنقة محورية الذات ….

  • أمين العمراني
    الخميس 11 فبراير 2021 - 17:36

    ما يميز الغرب و من اسباب قوته و تقدمه هو الاهتمام بثقافات الشعوب كيفما كان عرقها أو دينها

  • ابتسام الركراكي
    الخميس 11 فبراير 2021 - 17:50

    شكرا لاولوج على مروره الجميل من الاطلس الكبير الذي أعطى لنوع من الثقافة المحلية بعدا دوليا .

  • خرافة تاريخ 2971
    الجمعة 12 فبراير 2021 - 13:16

    الى الذي يدعي انه ينتمي الى سلالة عمرها 2971 ويعتبر كل باقي المغاربة مهاجرين وغزاة الا سلالته الطاهرة القادمة مجرة طامسكا .ومع ذلك انت غير قادر على كتابة تاريخ دوارك قرب ايسافن فها انت تتابع تاريخ صور بعض الدواوير كتبه اغريقي فرنسي . انت تجهل تاربخ ربع گرن وتدعي معرفة 3000 سنة .

  • امازيغي حر
    الإثنين 15 فبراير 2021 - 19:58

    اولوج باحث و أديب كبير قدم الشيء الكثير للثقافة الأمازيغية ، درس أعراف وتقاليد الامازيغ و سبر خبايا بلدانهم ، فتحية تقدير و اجلال لهذا الهرم الاجنبي على المجهود غير المسبوق الذي قام به من اجل التعريف بتراث الاخر …..

  • من أجل حفظ الذاكرة
    الثلاثاء 16 فبراير 2021 - 09:32

    تراث الامازيغ مجال خصب يحتاج للدراسة ، لا زالت فيه جوانب غير معروفة ، نتمنى إجلاء الغبار عنها كما فعل اولوج

صوت وصورة
حماية الطفولة بالمغرب
الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:10

حماية الطفولة بالمغرب

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59 1

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 14

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 7

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 15

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع