الفكر العربي المعاصر ... المأسوف عليه

الفكر العربي المعاصر ... المأسوف عليه
السبت 10 يناير 2009 - 23:58

سأتناول موضوعا في غاية الدقة والحساسية .. رغم أن العنوان يدخلنا لأول وهلة في باب التشاؤمية والعدمية المطلقة…لكن بضدها تتميز الأشياء — كما يقال – فالفكر الأوروبي له من الإيجابيات، ما يغطي على مجمل سلبياته. و المنحصرة خصوصا في تغليب الجانب المادي، وتأليه الإنسان ،والفردانية المطلقة، وتهميش الروحانيات . وهذا طبعا من منظرونا الخاص المتسم بالنظرة الميتافيزيقية للأشياء .. فالفكر الغربي (الأوروبي خصوصا) هو بامتياز فكر تنويري، ثوري ، علماني، عقلاني تأسس على شكل حركة نقدية تفكيكية للواقع السياسي ، والاقتصادي، والثيولوجي والإيديولوجي للكنيسة، و النظام الفيودالي المهيمن، إبان العصور الوسطى . ولازال صداه مدويا عبر العالم برمته . بل إن ما يميز هذا الفكر أنه كان مرتبطا ومواكبا للحركات الثورية ، التي اكتسحت الساحة الأوروبية.. يغذيها وينميها ، ويبارك خطواتها .. .فتشبعت به الجماهير وقلبت العالم رأسا على عقب .. الفكر الأوروبي لم يكن فكرا متعاليا عن الواقع . بل كان مهمازا لهذه الثورات السياسية و الاجتماعية ..يزودها بالفكروالعقل والإديولوجيا..


لقد استطاع هذا الفكر خلق قطيعة معرفية ابستمولوجية مع الماضي العطن .. وعلى كل ماهو متوارث.. والمشدود بألف وثاق بحمولة أسطورية تكبل حرية الإنسان . وتعطل فكره، وعقله، وروحه، في قوالب ثيولوجية وميثولوجية..


ولضيق الحيز الزمكاني فإني أقول بصفة موجزة –حتى يتأتى لنا عقد مقارنة سريعة بين الفكر العربي والغربي – إن الفكر الغربي قاد معركة شرسة لاهوادة فيها ولاخوف – لامن الماضي ولا من الحاضر ولا من المجهول – ضد الواقع المعيش سياسيا واجتماعيا وإيديولوجيا.. فحقق قفزة نوعية ، أدت به إلى خلق حضارة إنسانية عالمية.. أثرت في سائر المعمور بما فيه عالمنا العربي ..
إنها رؤية تاريخية موضوعية لسياق هذا الفكر .. لاتشوبها عاطفة أو ذاتية ..فبين أيدينا عمالقة الفكر الغربي لا يتزحزحون قيد أنملة عن بروجهم ، وعروشهم الفكرية التي تربعوا عليها ،.. شاهدون على عظمة إنجازاتهم وإبداعاتهم وعلى مساهماتهم في تحرير الفكر والعقل من الترهات والأباطيل، التي علقت به مدة لايستهان بها في الأزمنة السحيقة. فيكفينا جميعا ذكر ديكارت لنستحضر ( شكه المنهجي ) وروسو ( في عقده الاجتماعي )و ون لوك (شروط الحكم المدني ) وفولتير وهيجل و كانط وماركس وسارتر. وس.توماس إليوت. ورامبو. والقائمة طويلة وطويلة.. وأنا هنا لست أتبجح بذكر هؤلاء ، كما لو أنني أتماهى في ذواتهم ..أو أنني مستلب بالفكر الغربي .. فهؤلاء قد أثروا طوعا أو كرها في مفكرينا وشعرائنا ومثقفينا وأدبائنا ونقادنا.. كما أثرو بمنهجهم العقلي حتى في بعض رجال الدين السلفيين ( أمثال جمال الدين الأفغاني وأبو الأعلى المودودي ، و محمد عبده ، وعلي عبد الرازق ورفاعة الطهطاوي و غيرهم ..) الذين وظفوا طريقة تحليل بعض القضايا الدينية والاجتماعية والسياسية بالمناهج الغربية. وحققوا ما حققوه من منجزات فكرية صبغت الفكر العربي بنوع من التجديد والحداثة ..


ولكنني ، حين أراجع، وأستلهم ، وأتذكر، ما كتب منذ عصر ” النهضة العربية” أي منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم .. وحين أستحضر أغلب المفكرين والمثقفين والأدباء العرب ، فإنني لم أجد ولم أسمع ولم أستنتج أن مفكرا عربيا واحدا من كل هؤلاء ، أحدث خلخلة ولا زعزعة في الفكر والواقع العربيين . كما أنه لم يخلق بلبلة ولا هزة في الواقع السياسي والاجتماعي والإديولوجي .. بل إن الواقع العربي يشهد على نفسه بنفسه ، فليس إلا التخلف الضارب أطنابه في سائر الميادين .. أين فكر هؤلاء من الفكر العربي الإسلامي والفلسفي في العصر الوسيط ..الفكر آنئذ أحدث فعلا خلخلة ورجة في جبين التاريخ . فشهدت الأمة العربية ما شهدت من تقدم وازدهار، مس البنية الفكرية و السياسية والاجتماعية للواقع والفكر العربيين..
شأنه شأن الفكر الغربي الذي بينت باقتضاب بعض ملامحه..


الفكر العربي منذ عصر النهضة وإلى اليوم ، رغم تأثيره فينا، وتأثر أغلب أقطابه بالفكر الغربي.. أو نهلهم من ينابيع التراث العربي .. فإنه لازال قاصرا على تأدية مهامه التاريخية ..المهمة المتجلية في غربلة وتفكيك البنى الأسطورية المتخلفة المنغرسة في الوجدان العربي .. وتغيير الواقع السياسي والعربي نحو الأفضل .. بل لا أبالغ إذا قلت إن القليل القليل من المثقفين العرب المناضلين الذين ناضلوا بفكرهم وروحهم من أجل محاربة الاستبداد والطغيان بكل أنواعه.. أو حتى الاحتلال الاستيطاني من الأراضي الفلسطينية .. ومحاولة تبيان تهافته وتعرية إيديولوجيته الصهيونية المتطرفة .. بل العكس هو الصحيح ، فبعض المثقفين يهادنون المحتل ويكرسون إيديولوجيته سواء في كتاباتهم أو عبر وسائل الإعلام..


والبعض الأخر يعيش انكماشا وتقوقعا فكريين.. بعيدا عن الواقع المادي المعيش ..يخاطب الناس من عالم آخر .. عالم طوباوي .. مثالي .. حالم.. أما الأزمات السياسية والفكرية والاجتماعية فتراوح مكانها.. ولا من مغيث ..


هناك هوة سحيقة .. عميقة تفصل الجماهير العربية عن المثقفين والمبدعين .. أصبحت الثقافة العربية المعاصرة ، تعيش على الهامش بشكل طفيلي على صفحة الواقع المهترئ ..المتأزم ..المشتت .. المتشردم..


خلاصة القول إن الفكر العربي المعاصر – لازال يعيش معركة الوجود واللاوجود .. فالركود والخمود والجمود .. أصبح طاغيا على الساحة الفكرية ..رغم وفرة الإنتاجات في جميع الميادين .. ورغم كثرة الكتاب والمؤلفين .. ورغم تشجيعات الدول العربية في هذا المجال .. إلا أن مايطلب من هذا الفكر ، وهذه الثقافة ، من مسؤوليات تاريخية لازال دون المستوى المطلوب من الثقافة العربية أن تحمل مشعل الحضارة الإنسانية باسم العقل .. لا باسم الخرافة ..عليها أن تحدث ثورة معرفية وابيستيمولوجية ، في البنى الفكرية والعقلية المتسمة بالفكر الثيولوجي والميثولوجي والإيديولوجي المتخلف ..عليها أن تحدث مراجعة تمحيصية ونقدية وتفكيكية للفكر والواقع على السواء..وذلك من أجل خلق معالم جديدة .. متسمة بالعقلانية الشاملة لكل مناحي الحياة والوجود ..

‫تعليقات الزوار

6
  • زكرياء الفاضل
    الأحد 11 يناير 2009 - 00:08

    أيها الأخ المحترم و لكأنني بك كنت نائما طويلا و استيقظت بغثة. ما كتبته هنا أعتبره كتابة من أجل كتابة واستعراض العضلات الاصطلاحية و اللغوية. لماذا؟ لأنك لم تقل شيئا جديدا و لم تكشف لنا أمريكا. إن النقد أسهل بكثير من تقديم البديل. و ما يحتاجه مجتمعنا هو البديل. فهل لك أن تعرض علينا بديلا فكريا نتزود به؟

  • كاره محبي الظهور
    الأحد 11 يناير 2009 - 00:02

    لا أخفيك سرا أنك لا تملك وجها تخجل عليه منذ السطر الأول من مقالتك ذات الأسلوب المكرور صرحت بأنك ستتناول موضوعا بالغ الدقة والحساسية وهذه الجمل لا يطلقها الا المبتدئون في الكتابة وأنت منهم أما من أوتي علما فعلمه يتحدث عنه ولا يحتاج الى الاشهار المبتذل على أي تابعت القراءة فوجدت تمطيطا لا يصدر الا من شخص ليس لديه ما يقول شخص وجد أسماء مجموعة من المفكرين الغربيين وبدا يلصق الجمل والتراكيب بأسلوب انشائي مبهرج يظهر بجلاء أن فاقد الشيء لا يعطيه لصاحبنا أقول فعلا انك تناولت موضوعا كبيرا عليك واثار فينا الحساسية أو الربو أو الضيقة كما تعرفها

  • Hamrabt
    الأحد 11 يناير 2009 - 00:06

    للأسف مقال فارغ لايفيد. كنت أتوقع مقالا تحليليا ل”الفكر” العربي. لكن لم أجد شيئا. تكلمت أصلا عن الفكر الغربي أكثر منه عن الفكر العربي وانتقلت من المقدمة إلى مابعد الخاتمة لتقول لنا كيف يجب أن تكون الأمور. للأسف.. هذا المقال ليس على شيء

  • ابن الشعب
    الأحد 11 يناير 2009 - 00:04

    شكرا للسيد الطاهر كردلاس على هذا المقال،الذي حاول لمس المعضلة الفكرية والمعرفية والتأخر التاريخي للعرب على كل المستويات مقابل السرعة التي يشهدها الغرب.
    لدي سيدي العزيز ملاحظة،وهي انك تكلمت وأطلقت أحكام على الفكر العربي بدون فهم تاريخية الفكر العربي،لان النخبة الثقافية لحول لها ولا قوة في مجتمع آمي ،وسلطة استبدادية تجهد كل محاولة للإصلاح الأوضاع،بالإضافة للاستعمار الذي لعب دورا في تكريس التخلف،سيدي العزيز الإصلاح والتغيير يكون من الأعلى من السلطة السياسية،كما فعل المأمون في العصر العباسي حين ترجمات الفلسفة والعلوم،وكما قام بيه لويس 14 قس مساهماته في ترجمة الكتب بايطاليا في عصر النهضة الاروبي.
    أما بالنسبة لبعض التعليقات التي تنم عن قصور معرفي لا تهتم بها،فهي ضحية التجهيل المؤسس على حد تعبير المفكر محمد اركون.
    أحييك سيدي العزيز مرة أخرى على هذا المقال،ما أحوجنا إلى النقاشات الفكرية في مجتمع بدأ يغص بالأمية والدوغمائية في جهة الأصولية الاسلاموية،وجهة الأصولية الماركساوية.
    ارجوا أن تعلنوا على بريدكم الايكتروني،نريد أن نفتح نقاشا فكريا بين شباب المغرب.
    حظ سعيد سيدي.

  • المفكر الحائر
    الأحد 11 يناير 2009 - 00:10

    بادئ ذي بدء أحيي الكاتب على هذا المقال ،الذي يفتح شهية النقاش والحوار، في موضوع بالغ الحساسية. كما ذكرت فعلا في مقالك. ويؤسفني ما جاء في بعض المداخلات الأولى . التي تهدف إلى الإحباط والنقد الهدام. وتمس الشخص أكثر مما تمس المقال . فمثل هؤلاء مع الأسف الشديد أصبحوا كثرا في مجلتنا الغراء: هسبريس الإلكترونية هاته.
    وهم بهذا يريدون منذ البداية تشكيك القارئ في أي موضوع جاد وهادف . مما يجعله ينساق معهم
    ورغم هذا فإني أقول إن الموضوع
    يلامس قضايا راهنة، لازالت مجموعة من الأقلام تتناوله بالتحليل والتمحيص . ومنهم الجابري ومحمد أركون وغيرهما .ففكرنا المعاصر لازال يحتاج إلى الكثير من الغربلة والدراسة العلمية . وإبعاده عن التقليد ةالنظرة السلفية وتقديس الثراث . فعلى الفكر المعاصر أن يحدث قطيعة معرفية .كما قال الجابري مع النظرة التراثية للتراث
    شكرا للكاتب على هذا المقال الجاد.
    فقد عهدنا في أغلب مواضيعه” في مجموعة من المجلات الإلكترونية وخصوصا هسبريس ” هذه الجدية والعمق في التحليل. فمزيدا من العطاء

  • خالد الشابي
    الأحد 11 يناير 2009 - 00:00

    أخي هذا النوع من الجدال الفكري الدسم يالكثير من المصطلحات الرنانة لم يعد مجدي على الاطلاق .. هو ترف فكري يدخل ضمن خانة قل كل شئ ولا تستوعب اي شئ .. اشكالية النحن والاخر التي كانت مسار نقاش طويل عريض منذ الستينات وحتى أواسط الثمانيات هي اشكالية متجاوزة ابستومولوجيا وحضاريا ويكفي أننا عشنا لذتها الفكرية مع العروي وغيرهم من المختصين في السفسطة والجابري الذي حاول ان ينبش في ما اسماه العقل العربي لتبرير الذات .. على كل نحن اليوم بصدد نقلة نوعية على مستوى الحضارة الانسانية تجاوزت هكذا طرحات للاسف ..

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 1

مطالب بفتح محطة ولاد زيان

صوت وصورة
منع احتجاج موظفي التعليم
الأربعاء 20 يناير 2021 - 13:32

منع احتجاج موظفي التعليم

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 5

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40 1

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور