الكون على الحافة..

الكون على الحافة..
الأحد 29 مارس 2020 - 03:27

قراءة في فيلم ميلوكوليا

لكل بداية نهاية. كل شيء يبدأ لابد أن ينتهي ولو طال الأمد. ولا شيء ينتهي إلا بعد أن يكون قد بدأ. ينطبق هذا على كل شيء في الكون قل شأنه أو عظُم: النباتات والحيوانات والإنسان والنجوم والكواكب، إلخ.

بشكل عام، إن الحديث عن البداية يكون في العادة جميلا، ويطبعه التفاؤل والأمل. إنها تبشر بميلاد جديد، أو حقبة جديدة، أو عصر جديد. ومعروف أن البداية، سواء كانت بداية إنسان في الوجود، أو بداية موسم فلاحي، أو بداية مملكة، أو بداية حضارة، أو غيرها، غالبا ما ترافق بالاحتفالات، التي تختلف طقوسها من بداية إلى أخرى.

على خلاف البداية تكون النهاية مأسوية، ويُتمنى لو تم تأجيلها ولو إلى حين. ولها أيضا طقوسها الخاصة التي تختلف أيضا من نهاية إلى أخرى. وتجلب النهايات، عادة، الهم والكمد والحزن والحداد كما في حالة الموت مثلا. وطبعا لا نعدم أمثلة على وجود بدايات حزينة ونهايات سعيدة. أحيانا نحتفل بالبداية والنهاية في آن واحد كما في حالة أعياد الميلاد، فنهاية السنة الحالية هي نفسها بداية السنة المقبلة.

شغل موضوع البداية والنهاية الإنسان منذ القدم، على اعتبار أن هذا الموضوع يهم المصير الإنساني. لقد كان السؤال الأهم الذي حاول الإنسان في مختلف عصور التاريخ، وفي كل المجتمعات الإنسانية، أن يجيب عنه يخص هذا المصير بالذات. أقصد من أين جاء الإنسان (ما بدايته)؟ وإلى أين يمضي (ما نهايته)؟

لم يدخر الإنسان جهدا في أن يجيب عن هذا السؤال، الذي يمكن أن يتفرع إلى أسئلة فرعية كثيرة. في الملحمات القديمة، وفي الأساطير، وفي الفلسفة، وفي الدين، وفي العلم، وفي الفن أيضا، نجد محاولات كثيرة للإجابة عن هذا السؤال، الذي بقي مفتوحا، وسيظل كذلك على الدوام.

في السينما تم تناول موضوع البداية والنهاية في أفلام كثيرة. أقتصر هنا على الحديث عن قصة الإنسان، عن بدايته ونهايته، عن حياته وموته. فيلم “الكتاب المقدس” (The Bible) الذي أخرجه “جون هوستون” 1966 وهو يتناول حياة الإنسان منذ خلقه. يصور الفيلم خلق الرجل من تراب في الجنة، وخلق حواء منه، وتناولهما لثمار الشجرة المحرمة بسبب الشيطان المتنكر في صورة أفعى، ونزولهما إلى الأرض عقابا لهما، وحياة أدم على الأرض، وصراع أبنائه وقتل أحدهما الأخر، وتوالي الرسل وصولا إلى النبي ابراهيم عليه السلام.

أما بخصوص النهاية فالسينما تحفل بأفلام كثيرة، ربما يصعب حصر عددها، أو يستحيل. وكل النهايات التي تفتقت عنها قريحة المخرجين السينمائيين هي، بشكل عام، نهايات مأساوية. فلم يسبق لي أن شاهدت فيلما يصور نهاية حياة الإنسان على الأرض بشكل يجعل هذه النهاية مأمولة. كل النهايات هي نهايات تثير الخوف والقلق.

وعلى العموم يمكن القول إن النهاية كما، تصور في السينما، قد تحدث نتيجة سبب من الأسباب الآتية:

أولا- هجوم كائنات فضائية غريبة: وهي كائنات تعيش في الفضاء الخارجي، ولسبب من الأسباب تنزل إلى الأرض، وهي حاملة لهمِ واحد يؤرقها، هو القضاء على الإنسان، كما لو أن بينها وبينه ثأر قديم، وحساب يجب أن يسوى. وتقدم هذه الكائنات في العادة على أنها وحشية، ولها هيئات وأشكال غريبة، وتتمتع بتطور تقني كبير.

في هذا الفيلم، الذي تدور أحداثه إبان الحرب العالمية الثانية، يتم اقتياد رجل إلى معسكرات الاعتقال الفاشية رفقة أسرته المشكلة من طفله وزوجته المحبوبة، بسبب ديانته اليهودية، فيضطر هذا الأب إلى إخفاء الحقيقة عن طفله الصغير، مدعيا أنه في مسابقة، ومن سيربح في النهاية، سيفوز بجائزة كبرى عبارة عن دبابة حقيقية. وتنطلي الحيلة على الصغير، ويستمر الأب في تمثيله حتى وهو يُقاد إلى الموت.

وينتهي الفيلم بدخول جيوش الحلفاء، فيجد الطفل نفسه أمام دبابة حقيقية، ويحمله جندي على متنها. وفي الطريق يتعرف على أمه، بعد أن تم التفريق بينه وبينها في المعسكر، حيث تم وضع الرجال وحدهم ووضع النساء وحدهن.

في فيلم ميلوكوليا الحماية التي يوفرها الكبان هي، في الواقع، “حماية نفسية” للصغير لا غير. الأختان ناضجتان ومطلعتان تماما على حقيقة الوضع، ولا يمكن لذلك الشيء البسيط الذي تم تشييده، أن يمنحهما ذلك الوهم الجميل، بأنه قادر على حمايتهما، وأن يحفظ لهم حياتهما. ذلك الوهم خاص بالصغير، ومن أجله وجد، ولذلك سيطلب منه وحده، حتى لا يفر منه ذلك الوهم، أن يغمض عينيه. إن فتحهما سيعرف أن ما قيل له هو مجرد وهم.

لقد كانت جوستين تعرف أن الموت قادم ولا دافع له. وفي الواقع، لقد كانت تعرف أشياء كثيرة، ولا نعرف من خلال أحداث الفيلم مصدر معرفتها. حتى “الطومبولا” التي تم إعدادها بمناسبة العرس، الذي لم يتم كما كان مخططا له، كانت تعرف أن العدد الرابح هو 678، وأن هذا الرقم لم يختره أحد، وبالتالي لم يفز أحد بالجائزة. وهو الأمر الذي أدهش كلير. لقد كانت تؤكد، وتكرر التأكيد، على أنها تعرف كل شيء !!.

لقد كان سلوك جوستين منذ البداية غريبا. وقد كان الجميع يخشون مما يمكن أن يترتب عنه من أشياء، ستؤثر سلبا على مسار حياتها. وقد نبهتها أختها كلير ما من مرة دون فائدة. وفي الأخير خسرت زوجها وعملها، ورفضت الدخول في علاقة حب وعمل جديدة. تلك العلاقة التي اقترحها عليها “تيم”. وهو الذي مارست معه الجنس في ليلة زواجها، بينما رفضت فعل ذلك مع زوجها، الذي ظلت تتمنع عليه طيلة ليلة زفافهما.

عندما ستخسر كل شيء نراها جالسة فوق كراسي حفلة الزفاف بعد تجميعها الواحد فوق الأخر. ولا نعرف بالضبط كيف استطاعت أن تصعد فوق ذلك العدد من الكراسي. يبدو كما لو أن أحدا رفعها وأجلسها هناك. المشهد رغم ذلك جميل. تبدو جوستين كشخص هدَم بيته بيده، وجلس فوق أنقاضه، يتأمل، بمشاعر متضاربة، في ما جنته يداه.

ما قامت به جوستين يبدو كما لو أنها كانت مدفوعة للقيام به. كانت تعرف أن سلوكها سيجلب لها المصائب. ستخسر أشياء كثيرة، وستجلب عليها غضب كلير، التي كانت تصارحها بأنها تكرهها أحيانا كرها شديدا. كانت المسكينة مرهوبة وخائفة، ولا أحد مستعد لأن ينصت لها.

جميعهم يطلبون منها أن تتصرف بشكل مقبول. حتى والدها ووالدتها فهما شخصان غريبا الأطوار فعلا، ولا أحد منهما كان على استعداد للإنصات لها، رغم أنها كانت بحاجة إلى من ينصت لها. حاولت التعبير عن خوفها لأمها، الكارهة للزواج، فطردتها من غرفتها، ووالدها كان مشغولا بحبيباته، ورحل تاركا لها رسالة فوق سرير الغرفة التي طلبت إعدادها له.

في ما يمكن اعتباره الجزء الثاني من الفيلم، وهو يحمل عنوان كلير، نعلم أن جوستين لم تبق مع أختها وزوجها في منزلهما بعد فشل الزواج، وإنما غادرتهما ولا نعرف إلى أين. ثم، لأسباب لا نعرف حقيقتها ستعود إليهما في سيارة أجرة سيتكلف جون بدفع ثمنها، وقد كانت في حالة جسدية ونفسية صعبة. جسدها كان متصلبا، وحالتها النفسية متدهورة. حيث إنها كانت تنام كثيرا، ولم تك تستطع أن تستحم دون مساعدة وإلحاح من كلير، وأُكلتها المفضلة أضحت تجد فيها مذاق الرماد، إلخ.

كل هذه التفاصيل تفضي بنا إلى القول إن ميلوكوليا الذي يهدد الأرض ليس كوكبا وإنما هو مرض. هو مرض نفسي-جسدي. الترجمة الحرفية لميلوكوليا هي السوداوية. اسم الكوكب ليس بريئا، ويحتمل أكثر من معنى. ومن هذه المعاني أن العالم سائر، بما يمور فيه من ظواهر وأحداث كثيرة ومتلاحقة، في اتجاه الغرق في السوداوية. إننا لا نواجه خطرا خارجيا وإنما خطرا داخليا. خطر نابع من الأرض ذاتها. من الناس أنفسهم، رغم أن أجواء الفيلم، تبدو ومند البداية، على أنها ترتبط بعالم السماء، وما يجري في ذلك الفضاء الشاسع من حركة لا تتوقف. حركة الكواكب والمجرات. حركة يمكن أن تفضي إلى اصطدامات مميتة.

قد يكون في هذا القول ليُ لعنق الفيلم، وخروج عن المعنى الذي كان المخرج يرمي إليه. إذا كان هذا صحيحا فإنه، على حد ما أعتقد، لا يمكن أن نفهم الكثير من الحوارات في الفيلم. كيف نفهم مثلا أقوال جوستين التالية: :إذا كنت تعتقدين أنني خائفة من كوكب فإنك مخطئة”، و”الحياة في الأرض قبيحة”، و”ليست هناك حياة في عالم آخر”، و”إننا وحيدون”، إلخ.

الشعور بالوحدة أمام المصير، وانقطاع كل حبائل الرجاء، شيء رهيب حقا. لا ينطبق هذا على جوستين وحدها، وإنما على الأسرة بكاملها. تعيش الأسرة في منزل كبير، مثل قصر، لكنها منعزلة عن الناس. الانعزال عن الناس يجعل الإنسان مهموما بذاته، وغارقا في شؤونها، ما قد يجلب له الشقاء. أما العيش مع الآخرين، وبالأخص العيش من أجل الآخرين، وهو ما لا نستطيع فعله الآن بسهولة، قد يجعلنا سعداء.

الفردانية شائعة حتى داخل الأسرة ذاتها. العلاقات الاجتماعية ليست متينة كفاية، والأمثلة على ذلك كثيرة. وعندما يصير الموت قريبا كل واحد يختار لنفسه مصيرا، ولا يعبأ بالآخرين. عندما كان الأب ينتحر، هل كان يفكر في شخص آخر غير نفسه؟ لقد أشفق على نفسه وانتحر تاركا كل الآخرين، بما فيهم زوجته وابنه، لمصيرهم الغامض. لقد كان أنانيا. الفردانية تقود، بشكل ما، وفي بعض الحالات على الأقل، إلى الأنانية.

ولا نعرف في الفيلم كيف تفاعل الناس مع هذا الحدث. كيف عاشوه، وكيف تصرفوا ازاءه، وماذا فعلوا بالضبط. أحداث الفيلم كلها كانت محصورة في رقعة جغرافية محددة، هي تلك التي تشغلها الأسرة. لكننا نستطيع أن نعرف مآل الناس، والعالم كله، من خلال مآل هذه الأسرة. فما فعله أفراد هذه الأسرة هو عينه ما يمكن لكل الناس أن يقوموا به، خصوصا في غياب اختيارات كثيرة. وبلغة العلماء يمكن القول إن هذه الأسرة تمثل “عيٍنة”. ما انطبق عليها ينطبق على كل الأسر الأخرى. حتى الحيوانات في الفيلم كانت تشعر بأن هناك خطب ما. مثال ذلك سلوك الأحصنة المتأرجح بين الهدوء والصهيل والحركة الزائدة.

الغريب في الأمر أنه بعد اقتراب الكوكب من الأرض، وبات اجتياحه لها مسألة وقت لا غير، وهو وقت قصير على أي حال، تغيرت حال جوستين كثيرا. صارت تتصرف بشكل يمكن أن نقول إنه “طبيعي”. أخذت تنام جيدا، وتستحم وحدها، وأضحت لها شهية في الأكل.

كلما اقتربت النهاية كلما صارت أكثر هدوء. على خلاف كلير التي صار سلوكها أكثر اضطرابا. معروف في الطب النفسي أن المريض في البداية يرفض المرض. والقبول بفكرة المرض هو الخطوة الأولى في العلاج. لقد قبلت جوستين وضعها أخيرا، فاستطاعت، أن تتغلب على الخوف الذي كان يعيقها، في السابق، من أن تعيش حياتها بشكل عادي. ذات ليلة، وأمام أعين كلير، ستستلقي على ظهرها وهي عارية، في مكان بعيد عن المنزل، وتشرع في التأمل في ذلك الكوكب الأزرق المخيف الآخذ في التجوال في السماء فوقها، وسمات الارتياح بادية عليها. تبدو أنها تحررت تماما من الخوف.

قد يطلب من محكوم بالإعدام في اليوم الأخير قبل إعدامه تمني شيء ما. جوستين كانت تفكر في الاحتفال قبل الموت. كانت تفكر في إعداد حفل من نوع خاص يحضره ثلاثة أشخاص: هي وكلير وطفلها ليو. اقترحت في مواد الحفل كأس خمر، والسمفونية التاسعة لبيتهوفن، أو ما شابهها، ورقص. من حقها أن تموت كما تشاء. ربما كانت تود لو تستطيع أن تصرخ في وجه الموت: “لست خائفة منك. تعال إلى هنا لنحتفل معا، وبعدها ليكن ما يشاء”.

وتأتي اللحظة المؤجلة ويصطدم الكوكب بالأرض اصطداما مروعا، ويغرق الكون في سواد لا أحد يعلم هل سينقشع النور فيه مجددا، أم أنه سيدوم. لعلها النهاية، أو ربما هي البداية: بداية عصر جديد. فقط الناجون هم الذين بوسعهم معرفة ذلك، لكن، على ما يبدو، لا أحد سينجو.

إن الفيلم من بدايته إلى نهايته هو فيلم متشح بالسواد. منذ البداية يطالعنا وجه جوستين الشاحب، ونرى خلف الصورة العصافير الميتة تتساقط تباعا. ثم إن التصوير في الغالب كان في الليل. وقد كانت الإضاءة تبعث على القلق والكآبة، وهو ما تعكسه حتى وجوه الممثلين. فباستثناء أب جوستين اللاهي، الضاحك والمضحك، نجد كل الممثلين قلقون للغاية. كل واحد منهم قلق من شيء معين، أو من شخص معين.

بعد مشاهدة هذا الفيلم لابد أن تشعر بالقنوط. لابد أن ترى الأفق غائما ومسدودا، ووجه الأمل تصير رؤيته في حد ذاته أملا. لكن رغم ذلك، فهذا لا يعني، وبالضرورة، الدعوة إلى اليأس، بل ربما العكس هو الصحيح، حيث قد يعني الدعوة إلى إحياء الضمائر، والوعي بأن الأمور قد انحرفت عن جادة الصواب. ما يستوجب العمل على تغيير الطريق الذي بدأنا في سلكه منذ بزوغ عصر الحداثة، ونحت طريق بديل يمكن أن يقود الناس إلى حياة صحية وآمنة ومستقرة على هذا الكون، الذي هو وطننا جميعا.

‫تعليقات الزوار

1
  • abou manal
    الأحد 29 مارس 2020 - 13:01

    شكرا على هذه الجولة الفنية الفلسفية السوسيولوجية السيكولوجية الرائعة..

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 11

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 6

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 12

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق