المثلت التعليمي

المثلت التعليمي
الأربعاء 25 يونيو 2014 - 21:00

إن أشد الأماكن التي يبدو فيها وضع التعليم مُهلهلا و “قروسطويا” أو حتى بدائيا ، يظهر جليا في موضعين اثنين : في الوسط القروي أي في الجبال و السهول و المناطق البعيدة المنتثرة في السهوب البعيدة، وأعالي المرتفعات. ( كثير من الأماكن لا ترقى إلى مرتبة “قرية ” بشروطها الدنيا الضرورية للعيش ، وإنما هي تجمعات عشوائية لصيقة بسفوح الجبال، وقيعان الأودية وبعض التربة الندية في فيافي الصحراء) . نظير هذا الوسط ، يبدو التعليم في المدن كئيبا شاحبا في الأوساط الشعبية ذات الكثافة العالية و المنسوب المرتفع من الفقر والأمية والجهالة.

في هذين الوسطين نعثر على الطفل المغربي المتمدرس، على حقيقته العارية، ويظهر معها المستوى الشفاف للوزارة المسؤولة ، دون رتوش وتزويق، رغم ما تحاول خلقه من استثناءات ، تُجيش لها المسؤولين ووسائل الإعلام.

الطفل المتمدرس في هذين الوسطين ، تتقاذفه أركان ثلاثة لمثلث تعليمي لا يجد منه فكاكا ،عوامل ثلاثة تعمل مجتمعة لتحدد مساره ، و بالتالي مصيره الذي سيكونه بعد ردح من الزمن …وإن حدث استثناء ، فالشاذ لا يقاس عليه.

الزاوية الأولى تمثلها الإدارة أو الوزارة الوصية على القطاع، بالنسبة لهذا النوع من التعليم ،تكتفي الدولة بتوفير حجرة نسميها “دراسية” تجنيّا، حجرة تكون في الغالب من النوع المفكك بجدران بعرض أوراق الكتابة ، لا تقي ولا تعزل ، شديدة البرودة شتاء و تتحول إلى علبة صفيح ساخنة صيفا، حجرة جرداء منفرة وحيطان مقروحة، ولوح خشبي كبير تتناوب عليه عمليتا المسح و المحو ، تماما كما في الكتاب القرآني.

إلى جانب ذلك ، توفر الإدارة كتبا مدرسية ، نصفها جديد و نصفها الآخر متهالك، كتب مدرسية عجفاء لا رونق فيها و لا ماء ، تنفر التلاميذ أكثر مما تجذبهم .

الركن الثاني الأهم في هذا المثلث، يشغله الأستاذ ( لا ندري لم تم التخلي رسميا عن تسمية المعلم ، رغم ما للكلمة من حمولة نفسية ودينية قوية ،كانت تكفي حاملها أي معادل )، الذي يبدو ظاهريا أنه يمثل الإدارة ، هذه الأخيرة تكتفي بإرسال عميلها التربوي (بورديو) مزودا افتراضا بقدر معين من المعرفة ، عند هذا الحد تنسحب الوزارة لتترك المدرس وحيدا أمام مصيره ، فإننا لهذا السبب نعتبره ركنا مستقلا من أركان المثلث التعليمي الأخرى.

تكتفي الوزارة بتسليم ورقة صغيرة ، ترسل بها الأستاذ إلى أصقاع الأرض البعيدة ( يبقى مدرسو الابتدائي أشد الناس اكتواء بمأساة التعيين من غيرهم رغم المعاناة المشتركة عموما ) لتقع على كاهله ، كل التبعات الأخرى من نقل و سكن وضروريات الحياة ، فيحرق الأستاذ كل طاقاته الكامنة، من أجل توفير ضروريات العيش البسيطة ، فلا يتبقى للتلميذ إلا النزر اليسير ، ينتزعه من جوفه عصرا و تدميرا لقواه الروحية والجسدية ( طبعا قوى الأستاذ) .

في الغالب يطوي الأستاذ كشحا عن كل هذه الإكراهات المحبطة ، فينبري لأداء رسالته خوفا من الله وحده ، و تنازعا مع الضمير “الحي” اليقظان، واستجلابا لأنواع الهموم و العلل، فيقضي ما تبقى من عمره القصير ( ابراهيم طوقان) في ترميم أجزاء معطوبة من كينونته ، تكسرت خلال رحلة التطهر هذه.

ثالثة الأثافي ، هي حضن الطفل و قاعدته التي منها ينطلق لاكتشاف العالم المحيط به ، الأسرة المعنية في هذا الوسط حاضرة غائبة ، يقطع الطفل المتمدرس مسافات ضوئية ) حقيقة و مجازا) كي يعود إلى البيت حيث يختفي كل أثر أو منبه يذكره بالمدرسة و رموزها .

عندما يعود الطفل إلى المدرسة ، يلقي بــ”شكارته” عند مدخل الدار، لينغمس في جو الفوضى و اللهو والعنف، فيتكلم لغة أخرى و يفكر تفكيرا آخر، و يمتح من قيم أخرى غير تلك التي توجد مطوية بين دفات الكتب، بين الأم المقهورة حينا والمتواطئة أحيانا أخرى، و الأب الشارد المتسلط المغبون ، وقد طحنته الحياة ولوت ساعده.

في الصباح يلملم الطفل وريقات مبعثرة هنا و هناك، مثل شظايا الرغيف المتكسرة، و يتجه صوب البناية الغريبة عنه دائما، لا يدري لمَ أحدثوها !، ولم هو مأمور بالذهاب إليها كل يوم! ، وما الجدوى من مصاحبة أهلها ، في سنه الصغيرة تلك ، سن اللعب و اللهو والابتهاج.

إلى جانب الدور المحبط لهذا النوع من المحيط الأسري ، يتضافر عاملان ، يعصفان بشخصية الطفل و يمحيان كل أثر للتنوير فيه، حيث تمارس وسائل الإعلام ( التلفزة بالخصوص ، والأنترنت بنسبة قليلة نظرا لزحفها البطيء في هذه المنافي)

و المحيط الخارجي ( الزقاق أو الشارع أو الدوار…) أثرا تدميريا على المستوى النفسي و العقلي للطفل ، يمحيان بموجبه النزر اليسير الذي التقطه فوق مقاعد الدراسة ، ويحلان محله قاموسا هائلا من الألفاظ المستحدثة و طرق التفكير المعوجة البعيدة عن المنطق البشري و القيم السلبية ( الجشع و النفاق و الكذب والعنف …)بعيدة كل البعد عن الدور النبيل المفترض أن تقدمه المدرسة ، و تتعقد ازدواجيته الفكرية و النفسية فينفصل المتمدرس عن عالم المدرسة ، ويظهر له جليا لاجدواها و عبثها فتتسع الهوة بين العالمين.

داخل هذه الأسرة، يقبع جهاز مستحدث ( التلفزة) ، يمارس دورا تدميريا لما تبقى من شخصية الطفل المهزوزة ، يمطر الطفل الصغير بحكايا قادمة من بيئات غير بيئته (المسلسلات المدبلجة ) ،تلقَّن للأسرة جميعها في طقوس يومية شبه مقدسة فيجدّ الطفل في تعلمها و ترديد أسماء أصحابها ، ولغات( منحطة في كثير من الأحيان) كان يعتقد أنها حبيسة المنزل و الشارع ، فإذا هي تطل عليه من داخل بيته و من جهاز كان يعتقده نموذجا للأفضل والأقوم .

بين هذا و ذاك ، يضيع “بطلنا ” الصغير ، في عالم اللامعنى هذا، و لا يستفيق منه ، إلا و هو يعود إلى مقعده ، تماما كاليوم السابق ، كأنما نزل من السماء.

و مع هذا التدحرج تكبر كرة الثلج و تتضخم العاهة، وينفرط العقد الذي يربط الطفل بالمدرسة، و تتكسر قطعة الجليد، لينعزل صاحبنا الذي سيصبح “راشدا” عن نفسه و عن الحياة كما ينبغي أن نعيشها.

وباستثناءات قليلة ، يضيع تلاميذ هذا الوسط فيتسربون مهدورين ، تلفظهم المدرسة والإعدادية والثانوية، ليكونوا احتياطيا من اليد العاملة ،يرضى بقليل الأجر إن وجده ، يؤثثون فضاء الحياة العامة من مقاه و أوراش بناء و حقول…

[email protected]

‫تعليقات الزوار

3
  • المعدب في الارض
    الخميس 26 يونيو 2014 - 08:19

    والله انك صدقت في كل كلمة كتبتها.

  • yassine
    الخميس 26 يونيو 2014 - 12:36

    الانكى و الادهى والامر ان الخطاب الرسمي يروج دائما عكس ماتفضلت به, اين الوزارة من معاناة الاستاذ ? اين الدولة من قساوة ظروف الاسر ?بل و اقول اين غيرة مسؤولينا عن هذا الوطن? لا حول ولا قوة الا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل

  • الدادسي
    الخميس 26 يونيو 2014 - 12:39

    لقد شخصت الواقع المرير للتعليم بأماكن مهمشة في المغرب . عندما قرأت الموضوع وجدت ما ذكرته يعكس تماما صورة واقع التعليم في هذه الأصقاع بعيدا عن عمليات التجميل التي تقوم بها الوزارة الوصية على هذا القطاع الحيوي

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 7

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 11

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 9

مطالب بفتح محطة ولاد زيان