المخزن الصغير والمخزن الكبير

المخزن الصغير والمخزن الكبير
الأحد 20 مارس 2011 - 16:06

غياب الديمقراطية داخل المؤسسات الحزبية والنقابية أمر واقع. عدم التداول على المسؤوليات بين نخب هذه المؤسسات حقيقة لا يمكن أن ينكرها حتى مكابر. توجيه النقد للأحزاب والنقابات والجمعيات لتفعيل الممارسة الديمقراطية في أجهزتها، أمر مشروع ومطلوب ولا يجوز التوقف عنه. غير أن هناك فرقا بين أن يكون النقد للأحزاب والنقابات يهدف إلى الارتقاء بعملها وتجويده، لتتمكن من أداء مهامها في تأطير المجتمع على النحو الأفضل، طبقا للنص الدستوري، وبين أن يكون النقد من منطلق تكريس الاستبداد وانعدام الديمقراطية في جهاز الدولة..


الذي يبارك للجلادين أعمالهم، والذي لا ينطق بأي كلمة تجاه الدولة إلا ليمدح جميع الإجراءات التي تتخذها، مهما كان فيها من شطط في استعمال السلطة، والذي لا يقبل برأي الآخرين المختلفين معه، ولا يتحرج من الدعوة إلى استئصالهم واجتثاثهم من المجتمع، بدعوى أنهم ظلاميون أو عدميون.. مثل هؤلاء، يصعب أن يقبل منهم المواطن نقدهم لغياب الديمقراطية في الأحزاب والنقابات.


النقد الصادر عنهم لا يرمي إلى إشاعة مناخ الديمقراطية وترسيخ أسسها في المجتمع. نقدهم يهدف إلى تكريس الاستبداد المخزني والترويج له، بدعوى أنه جزء من استبداد سائد في البلد على كافة الأصعدة والمستويات..


إذا كان انعدام الديمقراطية قائما في الأحزاب وفي النقابات، فلأن هذه الأحزاب والنقابات تشكل امتدادا للنظام المخزني الموجود في بلادنا منذ زمن طويل. إنها الوجه الثاني لعملة النظام، فهو الذي يفرز نوعية سلوكها ويحدد له الملامح التي يظهر عليها. لو كان لدينا نظام ديمقراطي، وحداثي، ومنفتح ويمارس التداول السلمي للسلطة، ويعمم سلوكه هذا وينشره في المجتمع، لكانت لدينا نقابات وأحزاب ديمقراطية تتصرف على شاكلته وتسايره في تصرفه. إذا تلكأت في القيام بذلك، يمكن للنظام الديمقراطي سن القوانين التي تلزم جميع المؤسسات باحترام القيم الديمقراطية، ممثلة في عقد مؤتمراتها بشكل منتظم، وبتداول على سلطات التقرير في أجهزتها، وبكشف ماليتها، واحترام إرادة قواعدها..


النظام الذي يسكت على وضع حزبي ونقابي مترهل، والنظام الذي يقدم هدايا لقادة بعض النقابات في شكل ضيعات من ثروة الشعب، وتصبح ملكا لهم، النظام الذي تصبح في كنفه لزعماء وقادة الأحزاب السياسية مواطنة امتيازية، ويحظون في ظلها بخصوصية تفضلهم عن باقي المواطنين، النظام الذي لا يطبق فيه القانون على الجميع بشكل متساو.. هذا النظام هو الذي يتحمل في المقام الأول، المسئولية الكاملة عن وجود حياة حزبية ونقابية وجمعوية في المغرب خربة وهرمة ولا علاقة لها بالديمقراطية.


لو كان الدخول إلى العمل السياسي عبر العمل الحزبي والنقابي لا يعدو كونه نضالا وتطوعا لخدمة الشأن العام، دون رغبة مضمرة في الحصول منه على ريع مالي يلوح به النظام بطريقة أو أخرى، لما انخرط في الأحزاب والنقابات سوى المناضلون والشرفاء، ولما كان الوضع داخل هذه المؤسسات بهذا الشكل المعيب والمخجل.


العديد من أطر الأحزاب والنقابات دخلوا إلى مجالس قروية وبلدية واستشارية، وهم فقراء إلا من رواتبهم التي يحصلون عليها من الدولة، ولكنهم في ظرف سنوات معدودة ظهرت عليهم علامات الرفاهية والنعمة وأحيانا الثراء. ولقد تم التدقيق في مالية العديد من المؤسسات التابعة للدولة، وتحدثت تقارير المفتشين الماليين عن وجود فساد كبير في بعضها، ولكن لم يُتابع الذين عاثوا في المال العام فسادا من طرف القضاء، وُركنت التقارير التي تم إعدادها حول الفساد في الأدراج ليأكلها الغبار والرطوبة.. ألا تبدو الدولة بتصرفها هذا وكأنها تعمل جاهدة على إشاعة الفساد، وتخريب الأحزاب والنقابات والجمعيات من خلال السماح بعملية إفساد أطرها؟


الدولة ظلت منذ الستينات إلى اليوم تنشئ عشية كل انتخابات حزبا إداريا، وفي ظرف ساعات وأيام تحشد له الدعم وتجعله الحزب الأول من حيث عدد المقاعد التي يحصل عليها سواء في البرلمان أو في المجالس القروية والمحلية، والدولة عاشت وما زالت إلى حد الآن تحارب أحزاب بعينها، وتمنعها من أخذ ما تستحقه في الساحة الاجتماعية، فكيف ستكون الحياة الحزبية طبيعية وديمقراطية في وطننا؟


لدينا ظاهرة أسميناها الترحال السياسي بين الفرق النيابية، بفضلها تم حديثا تشكيل / أكبر/ حزب سياسي بأكبر فريق برلماني. في أي سياق تدخل هذه الظاهرة؟ هل تندرج في سياق تخليق الحياة السياسية، وتطويرها والرفع من مستواها، والحرص على التزام النائب بالبرنامج الذي تعاقد بموجبه مع ناخبيه، وبالتالي إكساب الفاعلين السياسيين احتراما، ومكانة، ووزنا اعتباريا لدى الرأي العام، أم أننا، من خلال الترحال، وما واكبه ونتج عنه، نمسح الأرض بالقيمة الرمزية للعمل السياسي، ونُدخل في ذهن الناس بأنه رديف للتسلق والانتهازية وقضاء المآرب الشخصية على حساب المصلحة العامة؟


الديمقراطية شبه معدومة في أغلبية الأحزاب السياسية والنقابات وحتى الجمعيات، هذا واقع لا جدال فيه، ولكن الصحيح أيضا والأهم هو أن هذه المؤسسات، ليست في واقع الأمر سوى ما يمكن أن نسميه ب / المخزن الصغير/ المغربي.


هذا المخزن الصغير يستمد مقومات وجوده من / المخزن الكبير/ الممثل في الدولة وأجهزتها. إنها هي التي تُعتبر علة وجوده ومصدر رزقه وتزوده بما يؤمن استمراره على قيد الحياة. الدولة هي التي يتعين أن تشكل قاطرة الإصلاح لتجر الباقي في ركابها، والشعب سيكون معها إن مضت فعلا في هذا الاختيار. تقاذف كرة الاتهام في وسائل الإعلام من هذه الجهة لتلك لن يفيد في أي شيء، يشوش على مسيرة الإصلاح، إن كانت هناك مسيرة للإصلاح فعلا..

‫تعليقات الزوار

5
  • طاطانت
    الأحد 20 مارس 2011 - 16:14

    نشكركم على هذا المقال التشخيصي لواقعنا السياسي والنقابي و الجمعوي حتى .الدولة تقوم بتدجين الأحزاب وهذه الأخيرة تجعل النقابات ذيولا لها ،الفاعل الجمعوي صار مفعولا به، يغرس ويسقي و يتعهد ويأتي السياسي بين قوسين أو بالأحرى الطفيلي و يجني ثمار غيره و بدون عناء . واقع مرير يستوجب وقفات للتأمل .حفظكم الله.

  • المهدي1
    الأحد 20 مارس 2011 - 16:16

    يجب ان نصلح انفسنا اولا الاحزاب نفسها تنتقد بعضها بعضا نحن اغلبنا راشين ومرتشين فاسدون في الادارات العموميه وغير العموميه في الشارع لا نحترم مثلا اشارات المرور في الجمعيات ننهب المال ونحتال بكل الطرق الممكنه ثم نخرج للشارع وننادي بمحاربة الفساد بربكم اين هدا الفساد اللدي ننادي بمحاربته هل هو عفريت ام مادا عساه ان يكون كلنا مفسدون ويجب ان نعترف بهدا وادا اعترفنا باخطائنا سنتقدم لا محالة اين يوجد هدا المخزن؟ المخزن لم يطلب منا ابدا لنعيث في الارض فسادا نحن فوضويون ونكره من ينظمنا المخزن اللدي تعنونه موجود في فرنسا وفي بريطانيا في العالم باسره

  • عبد الحفيض بن مجمد
    الأحد 20 مارس 2011 - 16:08

    والله أنامواطن عادي جداوبسيط!أحمدالله أنني لم أنتمي قط لحزب من الاحزاب،لكنني تعاطفت فقط لأنني كنت مجبراولاخيارلي،فتعاطفت
    وندمت،لانني كنت دائماأحس أن
    هؤلاءالمتحزبين،فقط يناضلون وأستسمح لاستعمال هذه الكلمة،
    لانهافي الحقيقةلاتنال إلاشيئاقليلا
    من النضال الاناني إنصح التعبير
    الدي يستعمله المتحزبون فقط
    لتخسين أوضاعهم المادية و الاجتماعية.فماأكثرهؤلاء؟!..
    فقط يجب تفعيل المحاسبةواللائحة
    طويلة..قدتعيدالسيولة لصندوق
    الدولةوينتعش..ولويبدوذلك شبه
    مستحيل.

  • alal
    الأحد 20 مارس 2011 - 16:12

    كلما نفشل نبحث عن احد نتهمه ونحمله اخطا ئنا هذا هو حالنا مند الصغر مش انا راه لآخر اخوانى المغاربة من فضلكم نحارب الفساد الذي نتكلم عليه في انفسنا وبعد ذلك في عائلاتنا وهكذا …الآصلاح من القاعدة الئ اعلا وسونرى التغيير ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم.

  • Ahmed Sweden
    الأحد 20 مارس 2011 - 16:10

    لست من المخزن ولكني عندما أكتب فإن هدفي هو المشاركة في الموضوع خصوصا إن كان ذا أهمية وإبراز حجة مغايرة قصد النقاش. الكاتب يرى في هذا المقال بأن “المخزن الصغير” يستمد مقومات وجوده من “المخزن الكبير” الممثل في الدولة وأجهزتها. ويقول الكاتب بأن الدولة هي التي تُعتبر علة وجوده ومصدر رزقه وتزوده بما يؤمن استمراره على قيد الحياة. فالدولة إذا في رأي الكاتب هي التي يتعين عليها أن تشكل قاطرة الإصلاح لتجر الباقي في ركابها، والشعب سيكون معها إن مضت فعلا في هذا الاختيار. نحن نتفق ضمنيا مع أفكار هذا المقال. لكن يمكن أن نتسائل ماذام الموضوع سياسيا: أليس للمواطن حرية في إختيار السلوك الصحيح? بمعنى آخر: هل المخزن من جانب يشكل إديولوجية “الجبر” و من جانب آخر لا يؤثر على سلوك المواطنين الصالحين! لم أفهم هذه المعادلة الصعبة التي تبين أن الكاتب يبرر “سلوكات المفسدين” الذين لهم الإرادة التامة لكي يتحولوا إلى مواطنيين صالحين. وهناك حزب أبان عن تميز وجمع بين الأخلاق والسياسة في الإصلاح وهو حزب العدالة والتنمية! إن المواطن الذي ينتظر من الدولة أن تصلحه و تربيه لكي يحترم الناس والقوانين هو أحيانا نفس المواطن الذي يخرج للشارع ويرفع شعارات مثل الكرامة والحرية و إسقاط الفساد. منذ أن قرأت هذا المقال بدأت أثق في المستشرقين. إنهم يكتبون عنا وأغلب ما يكتبوه عناهو صحيح. فكل فشلنا في تحقيق العدل والديموقراطية نرميه على الغرب والآخرين ولا نحب أن نعترف بعيوبنا. حتى اليساريين الذين يتقنون الإطناب في فلسفة العدالة والتضامن مازالوا يحلمون بالثورة. لكنهم لم ينتقذوا ثورات الماضي التي سفكت بحار من الدماء. لكن نقد الأحزاب والمؤسسات هو الطريق الصحيح والتغييرات الدستورية القادمة نتمنى أن تفعل المسؤولية السياسية(الإكراهية) والمستوى الأخلاقي لذى المنحرفين وهم يشكلون مخزون أكاديمي وليس مخزنا. ومنهم الأطباء والقضاة والوكلاءالذين درسوا الطب والقانون في الجامعات. فالفساد مسألة ضمير أحيانا وليس وعي ديموقراطي و يمكن أن يكون حتى في وعي آكاديمي. وشكرا.

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 13

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 23

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 10

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى