المعْجم الأصوليّ في فكْر طه عبْد الرّحمن

المعْجم الأصوليّ في فكْر طه عبْد الرّحمن
الأربعاء 22 يناير 2014 - 22:29

كلّ منْ يقْرأ المنْجز الفكريّ للفيلسوف المبْدع طه عبد الرّحمن، يكْتشف تنوّع المصادر المعْرفيّة الّتي ينْهل منْها في صوْغ أطاريحه المعْرفيّة و الثّقافيّة، ويتّضح له إبْداعَ طه في إعادةِ ترْكيب جُزْئيّات هذا التّنوّع، وفْق نظريّة محددّة تتضمّن رؤيته الفكريّة، فينْعكس ذلك على مجْمل مصنّفاته المتفرّدة، أسْلوبا في الكتابة، ومنْهجا في الاسْتدلال، وكأنّ القارئَ إزاء معءرفة جديدة، لا علاقة لها بالمصادر المعْرفيّة التي أخذ عنْها طه، وفي هذا يكمن سرّ قوته، يُخْرِجُ منْ بيْن تُراث الذّات وتراث الآخر معرفةَ خالصة للْقارئين.

منْ بين مصادر المعْرفة التّي يستثمرها طه في بناء أطروحاته الفكْريّة، معْجم علْم أصول الفقه؛ هذا العلْم الّذي يُعتبر الأساس المنْهجيّ لمفكّري الإسْلام في قراءتهم للْوحي قرْآنا وسنّة، هو منْ أكْثر علوم الشّريعة نضْجا واكْتمالا، ومنْ أهمّها تنوّعا وثَراءا، فهو علْم بنيته النّظرية متماسكة الأرْكان، متناسقة المفاهيم، تُنْتِج مصْطلحات تتّسم بالدّقة، وقواعد تتّصف بالإحْكام.

في بناء إحدى أطروحاته التي تقدم بها أمام جمْع من الباحثين، بمناسبة انْعقاد اللّقاء العلْمي الأوّل لمرْكز مغارب للدّراسات في الاجْتماع الإنْساني في شهر نونْبر من السّنة الماضيّة، تقدّم الأستاذ طه بمحاضرة سؤالها الكبير؛ كيف نَحْفظ الإنسانَ و الإيمانَ من المخاطر المعاصرة؟

تحدّث طه في عرْضه عنْ واقع الإنْسان في زمن العوْلمة، فبيّن أنّ الإنْسان، حُوِّل إلى الحالات الآتيّة؛ الإنْسان الآلة، الإنْسان السّلعة، الإنْسان المعْلومة؛ فالإنْسان الآلة جوْهره التّجْريد و التّفْكيك، و الإنْسان السّلْعة جوْهره الرّبْح و الخسارة، و الإنْسان المعْلومة جوْهره الأرْقام.

إزاء هذا الواقع يدْعو طه عبْد الرّحمن إلى حفْظ الإنْسان، بنقْله من حالة الآلة إلى حالة الآية، ومن حالة السّلعة إلى حالة الهِبَة، ومن حالة المعْلومة إلى حالة النّفْخة، ففي الأولى حِفْظ لتكامل الإنْسان، وفي الثانيّة حفْظ لتكريم الإنْسان، و في الثاّلثة حِفظ لفطْرة الإنْسان.

أمّا واقع الإيمان اليوْم؛ فيذْهب طه إلى أنّه قد حُوِّل إلى الحالات الآتية؛ الإيمان الرّسْم، الإيمان النّفْل، الإيمان الوهْم؛ فالإيمان الرّسْم جوْهره القشور، والإيمان النّفْل جوْهره التّساوي بين وجود الإيمان وعدمه، و الإيمان الوهْم جوْهره التّعلقّ بالهوى.

إزاء هذا الواقع الإيماني؛ يدْعو طه إلى حفْظ الإيمان، بنقْله من حالة الإيمان الرّسْم إلى حالة الإيمان الرّوح، ومن حالة الإيمان النّفْل إلى حالة الإيمان الضّرورة، ومن حالة الإيمان الوهْم إلى حالة الإيمان الذذوق، ففي الأولى حفظ للبّ الإيمان، وفي الثانيّة حفظ للإيمان كضرورة إنْسانيّة، وفي الثّالثة حفْظ للإيمان كذوْق جماليّ تعْشقه الرّوح.

بهذه الوصْفة الّتي يقْترحها طه يتحقّق حِفْظ الإنْسان و حِفظ الإيمان، فينْتقل هذا الإنْسان من الضّيْق إلى السَّعة، ويحْيا في رحاب إيمان مشغِّل و فعال.

هذه هي الأطْروحة المرْكزية لمحاضرته، ثمّ فُتِح المجال للنّقاش و طرْح الأسْئلة على المُحاضِر.

حينما تأمّلت في أكْثر المفاهيم ورودا في محاضرته، اتّضح لي بما لا يدع مجالا للشّك، أن أكْثر المفاهيم ورودا في محاضرته هو “مفْهوم الحِفْظ”، ففكّرت مليّا في هذا المفْهوم وتبين لي أنه من المفاهيم المرْكزيّة في أصول الفقْه، و مقاصد الشّريعة على وجْه الخصوص، و المدوّنات الأصوليّة زاخرة بهذا المفْهوم، الذي يقترن بمفهوم الضروريات والحاجيات و التحسينيات، وقد تحدّث العلماء عنْ منْهجية حفْظ هذا التلاثيّ في الشءريعة الإسْلاميّة، منْ جهتيْ الوجود و العدم، فمثلا الشّارع شرع قوانين لحفْظ ضروريّ النّسل من جهة الوجود بتشْريع الزّواج و من جهة العدم بتشريع حدّ الزّنا.

حينما تحصّلتْ لديّ هذه الأفْكار، طرحْت سؤالا على الأستاذ طه، فقلت: إن أهمّ مفهوم تكرّر في محاضرتك هو مفْهوم الحفْظ، ونعْلم أن هذا المفْهوم أصيل في التّراث الأصولي، فهل أخذْت هذا المفْهوم من هذا التّراث أمْ أنّه من إبْداعك ؟

أجابني الأستاذ بتواضع العلماء ونسْبة الأفْكار إلى أهْلها، بالإثْبات، طبْعا؛ هذا المفْهوم أخذْته من الأصُوليّين. وبيّن سبب اسْتثْماره للْكثير من المفاهيم التّراثية في إنْتاجاته الفكريّة و الفلْسفيّة، فقال: إنني أتعمّد ذلك، لأنّني لا أريد القارئ أنْ يجد نصوصي بعيدة عن مجاله التّداولي، غير أنّي أجْتهد في إكساب هذا المفاهيم دلالات معاصرة، فإنّني آخذ من التراث غير أنّي لسْت مقلّدا، بلْ محاولا التّجديد باستثمار الكثير من المفاهيم التّراثية في قضايا حديثة، فأكون بذلك أسْهمت في اسْتمرارية هذه المفاهيم، لكن بأسلوب جديد.

إن النّصَّ الطّاهوي غنيٌّ بالمعْجم الأصوليّ، ويمْكن للْباحثين في الدراسات الإسْلامية، أن يعملوا على كشْف هذا المعْجم، من جهة بيان الواقع الدّلالي للْمفهوم في المصنّفات الأصوليّة، ومن جهة بيان التّطوّر الدّلالي الذي أكْسبه طه للمفْهوم عند نقْله إلى نصّ حديث يسْتثمره بصفات جديدة، و بوظيفة منهجية مبْدعة.

‫تعليقات الزوار

8
  • jamal
    الأربعاء 22 يناير 2014 - 22:40

    مثل طه عبد الرحمان لو كان عند الغرب أو اليبانيين لجعلوا له جامعة خاصة بفكره ليستفيدوا منه. هنا في المغرب لا يعرف قيمته إلا قلة من المثقفين.

  • alif lam
    الأربعاء 22 يناير 2014 - 23:25

    Quand Taha Abdrahman a preter allégeances a Hamza boudchichi j'ai commencer a voir du flou.

  • أبو مخسن أبو زيد
    الأربعاء 22 يناير 2014 - 23:58

    مقال تحليلي شيق ، يعرّف بمفكر متنور ويشرّح منهجه المتفرّد ، وذلك بمنهجية وأسلوب لا يَقِلّان تفرُّدا ، مشكور يا أستاذ

  • FASSI
    الخميس 23 يناير 2014 - 09:10

    اطلب من القائمين على هسبريس نشر هذا البحث الذي تكلم عنه الاستاذ الفاضل.او اعطائنا معلومات اين يمكن ان نجده.وجزاكم الله خيرا

  • احمد
    الخميس 23 يناير 2014 - 09:31

    طه عبد الرحمان من الرجال القلائل الذين أخذوا على عاتقهم مهمة تجديد الفكر الاسلامي ومناهج البحث في التراث، أنا من الذين يعشقون قراءة ما ينتجه هذا الرجل، مع العلم أنني لم أتعرف عليه الامن خلال الفضائيات المشرقية !!!! لو كنا في دولة تحترم كفاءاتها ورجالاتها لوضع للرجل ولأمثاله ( المهدي المنجرة …. ) مكانة مهمة داخل الدولة ،

  • يوسف حسن
    الخميس 23 يناير 2014 - 14:11

    المفكر التنويري هو الذي يخلخل البنيات التقليدية السائدة ويزعزع الفرامل التي تشدنا إلى الوراء. طه عبد الرحمان ما هو إلا ايمن ظواهري لا يتمتع بالاندفاع الهمجي الذي يمكنه من الالتحاق بجبال طورابورا. الفكر الماضوي لا يمكن أن يسمى فلسفة. وإلى الذي يتحسرون على عدم معرفة طه عبد الرحمان، فلسبب وحيد هو أنه لم يقدم كفيلسوف أحسن مما نسمعه يوميا من نعيق شيوخ الفضائيات.

  • Mustapha L.
    الخميس 23 يناير 2014 - 14:52

    من يهتم، بموضوعية مطلقة، بما يصنف ب "فكر طه عبد الرحمان" يلاحظ أنه يتميز على وجه الخصوص، بإرادة إستحوادية لإقناع العالم أن كل القيم الإيجابية التي تُسنَدُ للغرب في حقيقة الأمر يتضمنها القرآن والثرات الإسلامي (على شكل جلي أو خفي). هذا الموقف يكشف في الحقيقة عقدة خطيرة لا يجب أن تستعصي على الذين يسعون إلى التحرر الحقيقي : هذه العقدة هي عدم القدرة على الاعتراف بكون الغرب قدم أشياءا إيجابية للبشرية. وهذه العقلية تضع صاحبها، بشكل أبدي وحصري، في موقف الدفاع عن الثراث الإسلامي ومحاولة مستمرة لإبداع مفاهيم شاقة التصميم والإستيعاب، ملتوية وغيرتوظيفية، في هذا الاتجاه. هذا موقف غير مريح، غير مشرف وهو إغتصاب للأمانة العلمية.
    في الواقع : ما المانع من الإعتراف بإنجازات الآخرين وإقتباسها ؟ هل من الضروري (ومن المنطق) أن يتضمن الثرات الإسلامي كلية إنجازات و إنتاجات البشرية على إمتداد تاريخها ؟
    كتابه "روح الحداثة"،على سبيل المثال، يثبت هذا التقييم.

  • achibane
    الخميس 23 يناير 2014 - 21:04

    إلى الإخوة الكرم.طه ع الرحمان رجل محترم قام بواجبه الكبير إيمانا منه أن يساهم في تغيير هدا المجتمع المقهور والدي فرض عليه الجهل والتخلف والاستبداد مدى الحياة أي إلى أن يرث الله هده الأرض بمن عليها من بشر وحيوان.هده قناعتي اكتسبتها على مدى عقود من الالتزام النضالي والعمل الفكري والمعرفي المتواصل.لكن الإيمان بحياة حرة وكريمة وأملي دائما في التغيير كل هدا جعل مني ألا أنسحب من المعركة الخاسرة حسب رؤيتي التي تبدو متشائمة.أيها الشباب إما أن تختاروا بين الإسلام والديموقراطية أي خط العلمانية بمافيها الشق السياسي والفلسفي والحضاري من جهة والإسلام السياسي أي إسلام الحكم أي الاستبداد الأبدي باسم الدين دائما و الدي فشل على مدى أربعةعشر قرنا في بناء دولة عادلة.أما أستادنا المحترم طه ع الرحمان لم يأت بجديد لأنه لم يعمل على اجتثاث التقليد بل حافض عليه مع الدعوة إلى إصلاح النفوس الشيء الدي يجعل من خطابه أصوليا.لأنه يخشى من مواجهة التكفير.انتبهوا أيها الشباب تجربتي واسعة أريد أن أسخرها من أجلكم.ليس هناك حل اخر غير هدا لأن هناك من يبيع الأوهام عبر التاريخ باسم الإديولوجيات والأكاديب انشروا من فضلكم

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار