المغرب والتحالف الإقليمي

المغرب والتحالف الإقليمي
الثلاثاء 29 دجنبر 2020 - 22:18

منذ بداية هذا القرن، لم يعد خفيا على أحد من المتتبعين/ات للشأن العالمي أن دول الثالوث الإمبريالي غيرت من إستراتيجياتها، نظرا لعدة أسباب، من أهمها: التطورات الخطيرة في عدة ملفات إقليمية وصعوبة استمرار التعامل والسيطرة عليها كالسابق، خاصة من طرف الدول المتقدمة، والتطور الكبير للصين ومشروعها المستقبلي للسيطرة (مثلا، طريق الحرير الجديد، الجيل الجديد من التكنولوجيا)، والصعود العنيف لدول مدعمة للإسلام السياسي، خاصة تركيا وإيران؛ وعودة روسيا بتحالفات جديدة تُنافس بها مصالح أمريكا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأخيرا التغيرات الهيكلية في النظام الاقتصادي العالمي المتمثل خصوصا في ظهور الاقتصاديات الجديدة المرتكزة أساسا على الأنترنيت والرقمنة.

الأزمة المالية لـ2008، والأزمة الوبائية الحالية، هما أزمتان مغايرتان لمعظم الأزمات الكبرى التي عرفها التاريخ الحديث. إن هاتين الأزمتين -رغم اختلافهما- بَينتا بالملموس أن نفوذ اللوبي الاقتصادي والمالي أصبح جد متمكن من مصادر القرار السياسي الداخلي للدولة، ومن قرارات المؤسسات والمنظمات العالمية. وبالتالي يستطيع هذا اللوبي السيطرة والتحكم في عدة قرارات مصيرية للشعوب؛ بل لا يجب أن ننسى اللوبي الجديد “التكنولوجي” في تحليلاتنا وتناولنا لمختلف القضايا المصيرية في المستقبل، والذي في اعتقادي هو أكثر شراسة لما يشكله من تهديد على أمن واستقرار الدول والشعوب عبر التحكم في الاقتصاد والمالية العالمية.

السرعة الكبيرة التي انطلقت بها الشركات العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي تعززت مع كوفيد19، أصبحت تهدف إلى التقاط أنفاس كل فاعل سياسي أو مدني وتوجيه مشاريعه، وكذا مراقبة سلوكيات الأفراد في المجتمع؛ ما قد يسائلنا جميعا عن مساحة الحرية التي ستترك لنا للتعبير في المستقبل.

بالأمس، كان من السهل إخفاء أثر الأزمات والأوبئة؛ على سبيل المثال، أثناء أزمة الأنفلونزا التي ضربت إسبانيا قبل أزيد من 100 سنة، والتي أودت بملايين البشر، كان يقام بعزل قرى بأكملها لتلقي مصيرها دون إبراز كلي للحقائق ودون تدخل فعلي للدولة وللمجتمع الدولي. أما الآن، أصبح كل مواطن في العالم قادرا على فضح تأثيرات العولمة والأزمات؛ كما أنه يحمل تصورات عنها ويعرف انعكاساتها، خاصة على محيطه. وهذا يشمل أيضا مواطني/ات الدول الفقيرة والنامية. ومع أزمة كوفيد19، اضطرت الحكومات إلى أن تظهر حسن تدبيرها للأزمة، نظرا للضغوطات القوية والمباشرة التي يفرضها الأنترنيت والتطور الرقمي. لقد بات كل مواطن في العالم متأكدا أنه قادر على تقاسم المعلومة مع الآخر، لأن ما يجمع من مصير مشترك على هذه الأرض أكثر من ما يمكن أن يفرق.

في المقابل، التحالف بين كوفيد19 واستعمال التكنولوجيا يجعلنا نواجه فترة تراجع ديمقراطي وانكماش حقوقي خطير. أصبحنا مضطرين لتطبيق الأوامر تحت ذريعة الحفاظ على الأمن الصحي.. ربما هي علامات الحرب الباردة التي مازالت لم تبرز القطب الجديد المسيطر في العالم؛ ولعمري أنه سيكون قطب واحد مشكل من الصين وأمريكا!!! إن المصالح لا تبقي على نفس الأصدقاء أو الأعداء. بالأمس القريب قام الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته في إحدى خرجاته الإعلامية بتمجيد دور الصين في العلاقات الأمريكية وحيويتها الاقتصادية بغض النظر عن كل التوترات التي تعرفها العلاقة بين البلدين. وهذا التحالف إذا ما حدث سيشكل طبعا تغييرا هيكليا وزلزالا سيعصف بمصير مجموعة من القضايا والعلاقات الدولية. إنهما قوتان عالميتان لهما الرغبة نفسها لامتلاك خيرات الشعوب والحفاظ على التباين والفارق الشاسع في التطور مع باقي دول العالم، بما فيها الدول الأوربية التي تعيش تناقضات وضغوطات داخلية عديدة تكالب عليها خروج بريطانيا وضغوطات تركيا ومنافسة الصين لاقتصادها الداخلي.

قد نستخلص من دروس التاريخ أن بعد كل أزمة يكون العالم قد تغير أو سارع إلى تطبيق خارطة طريق جديدة يتطلب تنزيلها سنوات عديدة من التفاوض في حالة عدم اندلاع أزمة. فالأزمة تكون فرصة لتمرير المخططات بسرعة وبأقل الخسائر. فأي تحول سيشهده العالم بعد كوفيد19؟.

أرادت أمريكا، وذلك قبل الرئيس الحالي المنتهية ولايته، أن تغير سياستها الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، لأن سياستها القديمة لم تعد قادرة على التحكم في النتائج، ونظرا أيضا لأوضاعها الداخلية، رغم أنها أكثر البلدان ليبرالية ولا تهتم في سياساتها الماكرو-الاقتصادية بالتفاوتات الاجتماعية.

بيد أن تطور وسائل التواصل فرض على الجميع، بمن فيهم المسؤولون الأمريكيون، عدم الاستمرار في تجاهل آلام ومعاناة المواطنين/ات. في هذا الخضم، بحثت أمريكا عن وصفة جديدة لا تتطلب منها التدخل المباشر في القضايا الإستراتيجية لمعظم الدول النامية والفقيرة، بل أصبحت تبحث عن مناطق جيوسياسية أكثر أمانا لتمكينها من الحفاظ على مصالحها بأقل الخسائر ودون تدخل.

لقد أنتج المنطق السريع للربح عدة بؤر حرب ونزاعات مسلحة، أسالت لعاب عدد كبير من الدول المتقدمة الصاعدة؛ فدفعها إلى التدخل في معتركها وتوجيه نتائجها. وهذا ما أنتج تنظيمات أو “دولا خفية” منطقها في قيادة الصراع هو منطق أكثر براغماتية من دول الثالوث الإمبريالي أو الدول المتقدمة الصاعدة كتركيا وإيران، وأسلوبها أكثر همجية وعنفا ولا يعترف بالقوانين والمؤسسات الدولية.

أمام هذا اللمحة السريعة للمشهد العالمي، تصبح أمريكا وحلفاؤها مضطرين إلى تغيير تعاملاتهم مع القضايا المصيرية للشعوب والدول. فعدم الاستقرار السياسي في شمال إفريقيا والتوترات المسلحة في عدة دول إفريقية لم يعد يخدم ويؤمن مصالح هذه الدول، بل ربما أصبح يهدد أمنها الاجتماعي الداخلي، كالدول الأوروبية.

بالمقابل، هناك مجموعة من الدول في أمريكا اللاتينية وإفريقيا يمكنها الاستفادة من الوضع وتحقيق سيادتها الكاملة لحل مشاكلها الداخلية والإقليمية، وهو كذلك فرصة لتقوية علاقاتها مع دول الجوار وفرض شروطها على الدول المسيطرة.

إن الوضع العالمي والترتيبات التي تقوم بها دول الشمال أمور يجب أن تدفع دول الجنوب، خاصة بإفريقيا، إلى خلق أقطاب إقليمية قوية تساعد على فرض مواقفها السياسية، لاسيما تلك التي ظلت على رفوف الأمم المتحدة لسنوات عديدة، وتستفيد منها دول الثالوث. الحنكة السياسية تقتضي إعادة التفاوض على جميع الملفات السيادية لدول إفريقيا، وكذا إعادة التفاوض في الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة وإلغاء الديون الممنوحة.

يشكل المغرب وضعا استثنائيا مقارنة مع مجموع الدول التي يتقاسم معها تقريبا الوضعية نفسها عبر تسجيله عدة مؤشرات إيجابية، ما يجعله قادرا على لعب دور مهم في إفريقيا والشرق الأوسط. لكن هذا يتطلب مساحة من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في البلاد حتى يكون على استعداد لمواجهة مجموعة من التربصات، خاصة من “الدول الخفية” والتنظيمات الإرهابية التي تجد جذورها في إفريقيا والشرق الأوسط.

الموقع الجغرافي للمغرب واستقراره السياسي يعتبران عاملين للقوة يجب استثمارهما لفرض شروط القفزة من دولة نامية إلى دولة متقدمة، لأن شروط التقدم لا تكمن فقط في تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل أيضا في تطوير والرفع من المؤشرات السياسية الداخلية والخارجية للبلد. ولا بد للإشارة هنا إلى أن اللغة السياسية تتحكم فيها توازنات أخرى تصعب قراءتها لمن هم خارج دائرة القرار السياسي. يبقى علينا نحن كمثقفين وفاعلين مدنيين وسياسيين تفسير كل ما يحدث لخدمة القضايا المصيرية، سواء الداخلية أو الخارجية، وتحليل كل البيانات المعلنة لتنوير الرأي العام.

إحياء التحالفات الإقليمية يبقى جد مهم لفرض حل النزاعات بما يخدم المصالح السيادية لدول المنطقة وتقزيم دور دول الشمال، خاصة أمريكا التي تريد إعادة ترتيب أوراقها دون السماح بخلق تحالفات إقليمية قوية. ونفس هذه السياسة تنتهجها الصين، إذ تغرق إفريقيا بالمساعدات والاستثمارات التي فاقت حجم ما يمنحه البنك الدولي. ولا يجب أن ننسى الدور الكبير الذي تلعبه هاتان الدولتان في تصدع الاتحاد الأوروبي، لذا فإنهما لن تشجعا على أي تحالف إقليمي لأنه وبكل بساطة سيعيق مشاريعهما الإستراتيجية.

خلق أقطاب إقليمية قوية يبقى السبيل الناجع للحد من الهيمنة الأمريكية أو الصينية. وكما يقول المثل “الحْمِيّة كَتغْلِب السْبَعْ”. لا يجب السماح بتأسيس قطب واحد قوي أو حتى قطبين، بل يجب أن يكون العالم مساحة أمان تُسيره مجموعة من الأقطاب الإقليمية، تلتزم بالقرارات الدولية. كيف السبيل إلى ذلك ودول شمال إفريقيا-بل معظم دول إفريقيا- غارقة في نزاعات سياسية عنيفة تتدخل فيها معظم الدول سالفة الذكر؟ هل يمكن إنصاف قضايا شعوب الجنوب دون تحالف سياسي واقتصادي وتكنولوجي ومالي إقليمي قوي وسيادي؟ هل يمكن إنصاف الشعب الفلسطيني في قضيته دون تحالف إقليمي قوي وسيادي؟.

‫تعليقات الزوار

1
  • وطني
    الأربعاء 30 دجنبر 2020 - 12:34

    العالم اليوم قرية صغيرة ويعيش بين الخط الاحمر غالبا والخط الاخطر في خلق علاقات بين انسانية بين الدول والشعوب الا ان المصلحة تبقى مصلحة انتماءات ومعتقدات وتقاليد وما دونها يعتبر افتراء على التاريخ العام.

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 7

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39 1

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 8

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 13

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 9

مطالب بفتح محطة ولاد زيان