المغرب ومتاهة البحث عن الخلاص

المغرب ومتاهة البحث عن الخلاص
الثلاثاء 9 أكتوبر 2012 - 13:57

إن المتتبع للشأن العام المغربي ليقف مشدوها أمام التحولات العميقة في البنيات التحتية التي عرفتها كثير من المناطق المغربية إن على مستوى المدارات الحضرية أو القروية خلال العشرية الأخيرة. ويعتبر هذا، في نظري، إلى جانب كثير من المنجزات خلال هذه الفترة، من بين حسنات النظام المتجذر، ومن بين أسباب قوته واستمراره، لذلك بقي صامدا في وجه الرياح الهوجاء التي ضربت المنطقة، وحطمت أصناما كان التكهن بزوالها إلى عهد قريب جدا من سابع المستحيلات. ولكن هذا لا يمنع من استحضار الكثير من نقاط الضعف التي ما زالت تقف حجرة عثرة في وجه التوجه السليم نحو ضفة الأمان التي نسعى إليها كل بطريقته. وأكبر هذه المشاكل التي تعتبر من مخلفات الماضي أو ما تدوول على تسميته بالعهد القديم _ رغم عدم دقة هذا الاصطلاح_ هي مشكلة التعليم التي تعتبر بؤرة قابلة للانفجار في أي لحظة إذا لم توضع لها آليات جدية وملموسة لضبط الأمور أفقيا وعموديا، وبطريقة مزدوجة تستمر في الاستثمار في اتجاهين من أجل المستقبل للناشئة ومن هم في درجتهم من جهة، ومن جهة أخرى، فتح نقاشات عميقة لإيجاد طريقة مثلى للقضاء على الأمية وتجفيف منابعها في المستقبل.

إن العين لتدمع والقلب ليحزن لمّا يرى الإنسان الشريف أموال الشعب تنهب بطرق ملتوية، فيحس بوخز الضمير الذاتي، وبالشفقة على من يعولون على الخطوات التي يعتبرونها إصلاحية، ويظنون أنهم بذلك يضحكون على ذقون المغاربة، بينما المغاربة بحسهم الفطري يسجلون كل شاذة وفاذة. وإن ظن الغافلون والمتحكمون في أرزاق العباد أن أفراد الشعب لايعقلون فهم واهمون.

فحينما نسمع مثلا شعار محاربة الجفاف فهو شعار ظرفي لا نرفعه سوى في اللحظة التي نرى فيها المغرب مقبلا على سنة قاحلة أو شبه قاحلة. ولا نقف عند هذا الحد بقدر يخامرنا الشك في تلك الحملة من أساسها من حيث غاياتها الحقيقية وسبل تنفيذها. إن الضربة الاستباقية أو ما يمكن تسميته بالوقاية كلما كانت قبلية إلا وأتت أكلها تاما غير منقوص. ففي البداية لا نستغرب إن رأينا الجانب الاجتماعي في المساعدات الضخمة التي تذهب إلى الفلاحين الكبار الذين إن خسروا مرة فقد ربحوا مرات عديدة، أما الفلاحون الصغار فيتركون لرحمة الطبيعة، و قس على ذلك البذور والأعلاف التي توزع على كبار الملاكين بعشرات ومئات الأطنان بينما يحرم الصغار بحجج واهية. ولا ينحصر الأمر في هذا المجال فحسب بل يتعداه إلى المساعدات المقدمة للفلاحين في السقي بالتنقيط بحيث يشترطون على الفلاح أن يتوفر على خمس هكتارات كحد أدنى، وللقارئ الكريم أن يؤول ما يمكن تأويله من هذا الشرط، ويستنبط ما يمكن استنباطه. أضف إلى ذلك توزيع أراضي الدولة على كبار الملاكين عوض تقسيمها على من لا أرض له للتخفيف من آثار الهشاشة الاجتماعية.

وإذا ما عجنا على المواسم الدراسية فإن العبقرية المغربية تتفتق عن إبداعات قد تكون مستوحاة من دول أخرى، ولكن ذلك لن يجعلها تفلت من التوابل المغربية والخصوصية التي لا أحد يمكنه أن يحرمنا منها، ولو كان هذا الشاهر لافتة المنع والتحريم هو الدستور نفسه الذي هو أعلى وأسمى سلطة في البلاد حسب القانون الدولي والفلسفة العامة لعلم الإجتماع. فبمجرد ما يفتتح الموسم الدراسي حتى توزع مئات الآلاف من المحافظ الملأى بالأدوات المدرسية على تلاميذ الصف الابتدائي. قد يتهمنا بعض الناس بنكران قيمة هذا “العمل الانساني النبيل” ولكن الديمقراطية الحقة تقتضي الشفافية في الصفقات العمومية و شبه العمومية. كما أن الديمقراطية تستوجب تقسيم طلبات العروض على العمالات والأقاليم والجماعات فيستفيد التلاميذ كما يستفيد المواطنون الذين لهم الحق في المشاركة في هذه الأظرفة.

ولا يشذ مجال النقل عن نظيره الفلاحي والمدرسي، فقديما غالبا ما أعطيت مأذونيات الحافلات و السيارات الصغيرة والكبيرة ومقالع الرمال للخونة ومساعدي الاستعمار الفرنسي وعملائهم لكونهم استطاعوا بفضل علاقاتهم و أموالهم الحصول على شهادة “مقاوم”، بينما لم يتمكن المقاوم الحقيقي من الحصول عليها نظرا للعراقيل الكثيرة التي وضعت في طريقه. ثم استعملت هذه المأذونيات في ما بعد للمؤلفة قلوبهم في جميع الاتجاهات أو بيعت لذوي النفوذ والمال، وزادوا بذلك للأغنياء غنى وللفقراء فقرا، فباعدوا بين الفريقين بعدا شاسعا يزيد من تعكير صفو الألفة بينهما مما قد تكون له انعكاسات سلبية وخطيرة على جميع المستويات.

وما احتلال الطرقات وقوارعها لبسط البضائع وبيعها، واعتراض المارة في وسط المدن وفي واضحة النهار بالسيوف، وقطع الطرقات و النهب في الطرق السيارة، واقتحام البيوت والحرمات، سوى مؤشر دال و خطير لما تمور به الساحة المغربية حاليا. وما تحبل به الأيام والأشهر القادمة قد لا يبشر بالخير إن لم تتخذ إجراءات في الجانب الأمني، وبموازاة هذا الجانب لابد من إعطاء دفعة قوية للرفع من المستوى المعيشي للمواطنين.

إن هذه الإعانات ظاهرها حق وباطنها باطل؛ بعضها يذهب هباء على شكل عمولات في الطريق من الوزارة الوصية إلى المستفيدين المفترضين، و بعضها يأخذه سماسرة التجار بطرق ملتوية، وما تبقى يأخذه الأقوياء، أما من برمجت تلك الإعانات من أجلهم فإنهم لا يستطيعون التنقل لتقديم الوثائق اللازمة أو الدفاع عن مصالحهم لأنهم لو كانوا قادرين لما احتاجوا لهذه المساعدات ولأخذوا حقوقهم بقوة القانون لا عن طريق الصدقات التي لا يمكن أن تحل مشاكلهم. أن هذه المساعدات ما هي إلا مسكنات غير ذات جدوى على المدى المتوسط والطويل، فاستراتيجية الدولة تقتضي التعامل مع المواطنين بمنطق المواطنة إنطلاقا من مبدأي التوافق والتمثيل اللذين صاغهما جون جاك روسو و جون لوك لا بمنطق الصدقة.

من الجلي أن شراء السلم الاجتماعي لايتم بهذه الحقنات المعروفة أسبابها ونتائجها ومحدودية مردوديتها الآنية، وإنما بمناظرات وطنية فاعلة يشترك فيه القاصي والداني، والغني والفقير، والمتعلم والجاهل، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، وكل من يحمل الجنسية المغربية. ومن المؤكد أن أزمتنا أزمة بنيوية ومتشابكة الخيوط، فلا يمكن أن نتحدث عن التعليم من دون ربطه بسوق الشغل في الداخل والخارج، كما لا يمكن الحديث عن الفلاحة من دون إعطاء الأهمية للاستثمارات الموازية والبنيات التحتية التي ترفع من مستواها، من دون أن نغفل الجانب العلمي والتجارب الدائمة في المزارع الخاصة والعامة. كما لا يمكننا الحديث عن النقل إن عزلناه عن المنظومة العالمية المتحكمة في السير. ويستحيل تخفيض الحوادث في ظل الظروف الراهنة سواء المتعلقة بالجانب البشري أم بوسائل النقل أم بالبنية التحتية، إذ يتعذر الآن إجبار أصحاب الدراجات الهوائية والنارية على عدم استعمال الطرق المعبدة لأن الجوانب ليست مهيأة لا للدواب ولا للراجلين بله الدراجات بأنواعها. ثم يستحيل إرغام مستعملي الدراجات وهم كثر على تجهيز دراجاتهم بالأضواء ليلا لكون أبنائهم أحوج إلى تلك النقود من تلك الدراجات.

إن الإشكال كما يبدو هيكلي يتآزر فيه ما هو مادي وعلمي وبشري وطبيعي وتاريخي وديني … فلا ننتظر المهدي ولا القومة العمرية ولا من يجدد أمرنا. فالمسؤولية يتحملها كل المغاربة، ولا أحد يحك جلدنا سوانا، ونحن في حاجة إلى حس وطني، وهذا الحس لا يمكنه أن يكون إلا إذا توافرت شروط عديدة وفي مقدمتها التعليم الإجباري، وتحقيق أدنى شروط الكرامة المتمثلة في العدل الذي يوفر العيش لكل المواطنين وإن بنسب متفاوتة. والتعليم والعدل توازيهما الحرية والمساواة. ولن يتحقق هذا إلا بالتطبيق السليم والإجباري للقانون على كل من يعيش في هذا البلد. فلا حصانة إلا لمن حصن نفسه بمعرفة حدوده وهيأ ساعديه وقنع بما يكسبه بالطرق القانونية.

ولن يكون النمو المطرد إلا إذا عم العلم ولن يتحقق العلم إلا بإجبارية التعليم ليصبح فرض عين إنطلاقا من قول الله عز وجل : “إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم”. وفعل إقرأ يفيد الأمر، وهذه القراءة مقرونة بالقلم، وهو ما يعني الكتابة؛ أي التسجيل والتدوين. والحضارة وجدت بوجود الكتابة. والأمر بالقراءة جاء في أول آية للدلالة على أن القراءة تسبق كل الفروض وكل الواجبات والأركان، بيد أن الشعوب الإسلامية آثرت السهل وتشبثت بالغيبيات وتوكلت توكل الضعفاء. فتقدم من عمل بالآية وتأخر من جعلها وراء ظهره. ولا أدري كيف فطن علماء أصول الفقه إلى كون الأمر يفيد الوجوب في آيات كثيرة أقل أثرا من هذه، ولم يستطيعوا إعطاء الأولوية والأهمية القصوى لهذه الآية والعمل على تسبيق العلم على ما دونه لجعله هو الركيزة الاولى واللبنة الأساس في حياة الانسان، ولو فعلوا لكنا في درجة أعلى، ولكنهم آثروا المناصب وزخرف القول وركوب كل سهل وملء أوقاتهم بالحواشي، وصدق الشاعر إذ قال:

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

‫تعليقات الزوار

1
  • taounati
    الثلاثاء 9 أكتوبر 2012 - 16:48

    تحليل جيد.. نعم يجب عسكرة التعليم واجباريته.. ويجب على الحكومة تطبيق الديمقراطية ولو بطريقة ديكتاتورية.. لاننا في غالب الاحيان كما نعيش في الغابة وترى بعض المواطنين(اغنياء وفقراء..) في غياب ثقافة المواطنة عندهم اشبه بحيوانات مفترسة لا ترويض ينفع معها غير فرض الديمقراطية عليها بشكل ديكتاتوري..

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 11

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 6

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 12

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق