المغرب ومركب النقص اتجاه فرنسا

المغرب ومركب النقص اتجاه فرنسا
الجمعة 28 فبراير 2014 - 22:21

تساؤلات وملاحظات في قضية توقيع اتفاقية “التعاون” التربوي الفرنسي المغربي

أولا: عن الدواعي والسياقات التي جاء فيها سياق التوقيع على اتفاقية التعاون الفرنسي المغربي بشأن النظام التربوي؟

لا يخفى على أحد، أن هذا الاتفاق، يأتي في سياق تفعيل مقررات وتوصيات الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي “فرانسوا هولاند” للمغرب، وهي الزيارة التي وضعت في جدول أعمالها تعزيز الحضور الثقافي/ الفرنكوفوني في المغرب، عن طريق تكثيف برامج العمل للمراكز الثقافية بالمغرب، وأيضا إنشاء نوى جامعية بالمنهاج الفرنسي، كما هو الحال لجامعة “الرباط” الدولية، وذلك في أفق بناء مركبات جامعية أخرى في المدن الميتروبولية، كطنجة وفاس ومراكش وغيرها.

ونحن لا نستغرب من هذا التوجه الجديد/ القديم، الذي يتحكم في عقل فرنسا، إذ هي تعتبر أن الاختراق السوسيوثقافي هو الأمضى سلاحا في زمن حرب الأفكار والثقافات والقيم. هذا ولا ننسى أن السياق جد حاكم، فصعود الإسلاميين للحكم في المغرب، يعتبر عاملا محوريا في هذه الخطة الإستراتيجية، فلا يجب علينا أن نتغافل أن ما وقع يعتبر في القراءات الجيوستراتجية جد مؤثر، ونعني به أن يتولى جزء من الاسلامين لتدبير الشأن السياسي. وقد أجازف بالقول، إن من بين القطاعات الحيوية التي يتم ترصد كل التفاعلات فيها، هو القطاع التعليمي/ التربوي، ولهذا فإن الفرضيات التي كانت تتداول إبان صعود الإسلاميين، هو أنهم سيعملون على إجراء تغييرات عميقة في هذا الحقل، وأهم إجراء هو إشكالية لغات التدريس وتدريس اللغة. وقد ظهرت مجموعة من الأوراق البحثية العلمية، والأكاديمية التي كانت تستند لهذه الفرضية. (انظر ورقة “الفاعور”، 2012، كارنكي).

لكن الدهاء السياسي لحزب العدالة والتنمية، وقدرته على التكيف المرن مع مختلف التفاعلات والتقلبات، جعله يحجم –مؤقتا- عن طرح تصوراته في الموضوع (أي قضية التعليم، والقيم وما يشكل قطب الرحى في العملية، وهي اللغة). لكل ذلك نخلص من قراءتنا-المتواضعة- والتي قد تكون صحيحة أو خاطئة، أن السياق الذي حكم وحرك فرنسا لم يعد اعتباطيا ولا عفويا ولا حتى مناسباتيا، بل تحرك محسوب وفيه قدرة هائلة لاستباق أية عوائق قد تحد من الحضور القوي للغة الفرنسية عبرها للثقافة الفرنكوفونية. ولعل موقع المغرب الحالي والظروف الجارية، والتحولات العميقة التي يشهدها العالم العربي، دليل على إقدام فرنسا على مثل هذه الخطوات.

ثانيا: كيف نفسر لجوء وزارة التعليم بالمغرب لهكذا إجراء؟ أي توقيعها على اتفاقية تعاون مع فرنسا بخصوص “الباكلوريا الدولية” وأمور أخرى محايثة لها (كالتفتيش، والتبريز…)، وما إلى ذلك؟

أعتقد أن صانع القرار التربوي ببلادنا، واع بحجم المشاكل التي يتخبط فيها القطاع التربوي، ولا حد يمكن أن يشكك في مصداقية ونزاهة الوزيرين الوصيين على القطاع، وعلى غيرتهما ووطنيتهما، لكن الذي نود التذكير به في هذا المقام، هو أن هناك فرضية جديدة/ قديمة، مفادها، أن تدريس المواد العلمية لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا كان باللغة الفرنسية. ويجد هؤلاء المروجين لهذه الفرضية مجموعة من الأدلة:

-كون التعريب لم يحقق أغراضه الكاملة، ولهذا فهذه العملية تقتضي إعادة النظر.

– ما سمي بسياسة التعريب لم يشمل مجموعة من الحلقات، وعلى رأسها التعليم الجامعي في التخصصات العلمية وبعض التخصصات الأخرى الإنسانية، كالاقتصاد مثلا، وهذه الوضعية المفارقة والشاذة، تقتضي –في نظر المحاجين بفرضية الفرنسة-، تتطلب إصلاح هذا الاعوجاج.

– أن إعادة التدريس باللغة الفرنسية، سيقوي الملكات اللغوية، للتلاميذ والمتعلمين، وسيساعدهم على “التفوق الدراسي”

طبعا هذه الفرضيات وغيرها، حاضرة عند نخبة من صانعي القرار التربوي،- ربما بدوافع قد نقول إنها صادقة- وحتى عند بعض النخب غير المعنية بالتدبير المباشر للقرار التربوي (كمثقفين ومفكرين، أمثال الأستاذ حسن أريد). لكن الإشكال الذي يمكن طرحه للمناقشة والفحص والنقد والمساءلة: هو لماذا اللغة الفرنسية بالضبط؟ وهل يعني أننا أخفقنا في تدريس العلوم باللغة العربية، يعني أننا يجب أن نرجع إلى فرنسا؟ ولماذا ليس لغة أخرى من غير الفرنسية؟

وقبل وذلك وبعده، نتساءل: هل تم تطبيق تعريب حقيقي وجوهري للتعليم في كافة أطواره؟ هذا السؤال الذي يجب أن يطرح، ولعل الإجابة عنه تقدمنا في النقاش أكثر. إن تجارب الأمم الناجحة ماضيا او حاضرا، اعتمدت سياسة حقيقة لتدريس العلوم بلغاتها الأصلية، نأخذ كمثال على ذلك روسيا، الصين، “إسرائيل”، حتى لا نذكر سوى بعض النماذج. ولعل الوهم الذي كان مسيطرا على مجموعة من النخب العربية قديما وحديثا، هو التنمية تحصل بنقل النماذج الجاهزة والارتماء فيها وانتهت القصة، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال.

وأمامنا ما قامت به دولة الاستقلال العربي طيلة 60 سنة. لقد كانت هذه النتائج السلبية في التدريس وفي التنمية بصفة عامة، مستفزة لمجموعة من النخب الفكرية اللامعة في الوطن العربي، أمثال “رشدي الراشد” (مدير المركز الوطني للبحوث العلمية بباريس سابقا)، الذي أكد “أنه لا نهضة بدون اللغة الوطنية، وأن تعريب العلوم حتمية لا مر منها، وأن الإبداع لا يكون خارجا عن لغة الوطن، وما عاده وهم في وهم”.

ولكي نعطي مثالا شاهدا على تهافت هذه الدعوى (صعوبة تدريس العلوم باللغة العربية)، يمكن الإشارة إلى التجربة الرائدة التي أقدم عليها بجرأة وبثبات الراحل ” مصطفى بنيخلف” المدير السابق للمعهد الوطني للاحصاء والاقتصاد التطبيقي، حيث أنه –بمعية مجموعة من الأساتذة الوطنيين والغيورين على اللغة العربية- قرروا أن يعربوا تدريس شعبة من الشعب، مع الاحتفاظ ببقية الشعب، بالتدريس باللغة الفرنسية، وقد كانت النتائج جد مشجعة، حيث تبين بعد تخرج هذا الفوج، أنهم استطاعوا تحقيق نجاح في عملهم الوظيفي في مديرية الإحصاء والمندوبية السامية للتخطيط، وأنهم كانوا الأقدر على استيعاب المواد المقررة، ولم يجدوا أدنى صعوبة في الاندماج في سوق الشغل، ولا حتى تحقيق المردودية في وظائفهم. ولعل في هذا المثال أبلغ رد على من يزعم أن اللغة العربية قاصرة على الايفاء بملكة العلم.

إننا من خلال هذه المعطيات السابقة، نريد أن نخلص إلى أن التشخيص الذي يقوم به صانع القرار التربوي، قد يكون دقيقا، لكن طرح البدائل يعتوره العديد من الإشكالات، بل أكثر من ذلك، هناك استيلاب حضاري وعقدة النقص تتملك هذه النخب اتجاه اللغة الفرنسية والثقافة الفرنكوفونية. ولهذا فنحن نؤكد على شيئين أساسيين في هذا السياق: ضرورة الاعتماد على الذات، والاستقلال الفكري، شرطان لكل نهضة ولكل تقدم وتنمية حقيقية.

ثالثا: ما هو البديل؟

نحن في المغرب، لدينا من الخبرة والكفاءة الشيء الكثير، وأعتقد أن التشخيصات التي مرت بنا او التي في طريقها للانجاز، تبين أن منظومتنا التعلمية، تشكو من عدة اختلالات، ولعل أهمها على الإطلاق –كما قلنا سابقا- هو إشكالية لغات التدريس وتدريس اللغات. ولهذا نعتقد أن المشكل مطروح، لكن الحل لا يمكن أن يكون هو الانتحار اللغوي، والارتماء في لغة تتراجع في المحافل الدولية وفي مجموعة من الدول.

ومن جهة ثانية، يجب أن نعلم أن إشكالية تدريس العلوم في المدارس المغربية، لا يرجع في تقديرنا، إلى عيب في اللغة بحد ذاتها، بقدرما هو عطب في المنهاج التعليمي، وفي المقررات الدراسية، و طريقة التدريس وضعف كفاءة المدرسين وقلة الوسائل، ربما هذه بعض العوامل التي وجب التفكير فيها مستقبلا للنهوض بتدريس العلوم باللغة العربية. ويجب ان لا ننسى أن توفير بيئات تمكينية مساعدة لتدريس العلوم يعتبر من بين الشروط، كانتشار الفكر النقدي وتملكه من طرف المدرسين وأطر التفتيش، وبالطبع التلاميذ.

وبجانب ذلك، وجب البدء في إرساء أكاديمية محمد السادس للغة العربية، فهي الجهة الاكاديمية المسؤولة عن تطوير سياسية لغوية بالمغرب، وهي التي يمكنها أن تحتضن الباحثين والمختصين في إطلاع ثورة الترجمة وتعريب العلوم، كيفما كانت وبأية لغة، وتفيدنا تجربة روسيا في هذا المجال. وبطبيعة الحال، من بين الوظائف المستعرضة التي يمكن ان تقوم بها الأكاديمية، هي تأهيل المدرسة المغربية،-بمعية باقي المؤسسات الأخرى- لكي توطن للغة العربية، باعتبارها حاملة للعلم والمعرفة والقيم والهوية.

هذه المعطيات المتواضعة التي أتينا على النزر القليل منها، لا تعفينا من تأمل التجارب التعليمية الحالية، والتي تبين أن مسألة تدريس العلوم باللغة الأجنبية من غير اللغة الوطن، هي قضية جد خطيرة ولها تداعيات على المشروع التنموي المغربي ككل، وليست مسألة تقنية اختزالية محضة كما يتوهم الكثير من صناع القرار التربوي في بلادنا.

ختاما، نأمل أن يكون للحكومة برئاسة السيد عبد الاله بن كيران، تدخل في الموضوع، في اتجاه يخدم قضية مسألة التعليم بالمغرب، وأن يتم الانتباه إلى مخاطر الأمر.

*باحث في سوسيولوجيا التربية

‫تعليقات الزوار

5
  • anas
    الجمعة 28 فبراير 2014 - 23:55

    مقال مميز ارجو ان يجد اذان صاغية من المسؤولين
    لك كل الشكر

  • محمد 2012
    السبت 1 مارس 2014 - 14:08

    شكرا استاذي على ما ابديته من غيرة وطنية .هي بالاساس تعتبر حجر الزاوية في كل اقلاع ثقافي واقتصادي وتعليمي ..تعززه طبعا الارادة القوية على الفعل غير ان هناك.وكما يعلم الجميع..تقوم دون الفعل عراقل بنيوية عميقة آخذة بمجامع الوطن وبخناقه .ولاندري كيف نضع ايدينا عليها ونفك ألغازها.وربما هي فعلا جنس من تماسيح السيد بنكيران تلك التي تستجمه كل قوتها للافتراس اذا غطست الى الاعماق. والتي لم يجد من اسم يطلقها عليها .وهي على قوة جبروتها وتماسك أفرادها سوى اسم التما سيح أو العفاريت ..اذ هي من الخفاء بحيث لا يقدر على المساك بها .رغم انه يراها ولكن كما يرى النائم كابوسه الليلي يستفزه فلا يقوى على قبضه ..ولهذا فنحن بالمثل نرى عدة برامج تم التوافق عليها مع جهات مشبوهة تحت جنح الظلام تطبق وبخطوات سريعة وفي صمت .فيما البعض غافل او كالغافل عما يجري .واالآخرون هناك منصرفون الى مصالحهم الآنية والباقي ينظرون ولكن في فمهم ماء..انها واحدة من مصائب الجهل بالسياسة والنفور من القراءة .مصداقا للقائل الذي شخص داءنا بقوله اننا شعب لانقرأ واذا قرأنا لانكاد نفهمواذا فهمنا لا لا.. ولاحول ولا قوة الا بالله

  • وهيبة المغربية
    السبت 1 مارس 2014 - 15:53

    " كن الدهاء السياسي لحزب العدالة والتنمية، وقدرته على التكيف المرن مع مختلف التفاعلات والتقلبات، جعله يحجم –مؤقتاء عن طرح تصوراته في الموضوع (أي قضية التعليم، والقيم وما يشكل قطب الرحى في العملية، وهي اللغة)..!

    هكذا يقول : الدكتور رشيد جرموني في إنشائه بـإسم حزبه ( البيجدي )

    والمغاربة يعلمون جيدا أين أوصل ( البيجيدي ) منظومتنا التعليمية

    التي آلوبــهــا إلى الحضيض بين الأمم ..!

    وهيبة المغربية

  • عاجل
    الأحد 2 مارس 2014 - 11:38

    بالنسبة للاقتصاد،الصين لم تدرس ابناءها اللغة الفرنسية او حتى الانجليزية لكي تصل الى ما وصلت اليه من تقدم، المنتوجات الصينية تجدها الان في كل بقاع العالم ،انظروا كذلك الى اليابان وما حققته،التقدم في كل المجالات،في كل التخصصات ،في كل شيء(وا وا وا البشر وا وا وا. الدكاترة وا وا وا. السياسيين) يكمن في الاعتماد اولا وقبل كل شيء في النية الصادقة ،في الرجوع الى الاصل ،في اعادة بناء الانسان المغربي من جديد،واهم شيء يجب اعادة النظر فيه هو النظام الحاكم في المغرب،انا كمواطن مغربي اعلم ان هناك طبقة في المغرب هي التي تتحكم في كل شيء وهذه الطبقة لا يهمها لا لغة ولا اقتصاد ولا تقدم ،هذه هي المعضلة (ا البشر)اذن المشكلة ليست في اللغة ،المشكلة في العقول والنفوس التي تربت على الاعتماد علي الغير في كل شيء،تلك الطبقة تستهلك فقط كالحيوانات،الحيوان على الاقل يقوم بمجهود لكي يصطاد فريسته،اما الطبقات التي تحكم البلدان العربية كلها يا اما افرادها ابناء عملاء او قاموا بانقلابات عسكرية او تربوا على ايدي الانجليز او الفرنسيين،انا على يقين ان الشعب المغربي يمكن ان يحقق المعجزات ( واخا نكونوا زيازن).

  • zorif souss
    الإثنين 3 مارس 2014 - 12:29

    الشعور بالنقص اتجاه الشرق و الغرب ناتج عن سياسة التنكر للداة عندما تسلط على المغرب تلة من الانتهازيين. هل هناك قنوات و إذاعات في العالم أغلب موادها الغنائية و الفنية مستورد ؟ حتى أصبح المغاربة يدافعون عن الثقافات الأخرى شرقية كانت أو غربية بل يشعر البعض بالانتماء إليها رغم أنه يعيش في المغرب الغني بثقافته و فنونه.

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 15

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 2

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 8

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 2

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 6

الطفولة تتنزه رغم الوباء