الوزير والأظرفة الثلاثة ..!

الوزير والأظرفة الثلاثة ..!
الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:32

حدثنا أحد الوزراء السابقين على سبيل النكتة فقال: ما أن يلج الوزير مكتبه لأول مرة، وقد انتهت مراسيم التنصيب وتبادل السلط، حتى يجد في درج مكتبه ملفا به ثلاثة أظرفة مرقمة ومغلقة تحمل ثلاث وصايا، مع التوصية بعدم فتح أي ظرف مهما كانت الإكراهات أو الصعوبات التي ستواجه الوزير في قيامه بمهامه وضرورة استمراره في المغالبة والمصابرة، إلا أن يجد نفسه مغلوبا في النهاية وقد انتهت كل أسلحة المقاومة لديه ففي هذه الحالة يمكنه أن يفتح الظرف الأول وإذا ألمت به نفس الظروف لاحقا أو أكثر منها شدة وَسِعَهُ فتح الظرف الثاني وإذا أتت عليه الشدائد من كل جانب فليفتح الظرف الأخير..


يبدأ الوزير عمله ومباشرة ملفات قطاعه، وما أن تنتهي أسابيع العسل بانتهاء مهلة المئة يوم حتى تبدأ أسابيع “البصل”، فيبدأ البرلمانيون في المساءلة والانتقاد ويَحِيرُ صاحبنا في الجواب والإقناع، فتحدثه نفسه بفتح الظرف الأول ثم يطارد الفكرة لكنه يستسلم في النهاية، فإذا به يجد الوصية الأولى له بضرورة مخاطبَة المنتقدين بلغة الإرث الثقيل الذي تركه له سلفه وأن جيوب المقاومة تختبئ داخل الوزارة ويلزمه الوقت لتصحيح الوضع الموروث، فيبدأ في ترديد هذه اللازمة ويصدقه المغفلون، لكن ما يلبث أن يطول الأمد دون أن يلمس البرلمانيون حصيلة مشرفة وتبدأ الثقة في الاهتزاز ويشتد الأمر مرة أخرى على الوزير المسكين فيتذكر الظرف الثاني فيتعوذ من الشيطان ويصمم أن يواجه الرياح العاصفة، غير أن مقاومته تنهار في الأخير، فلا يجد بدا إلا أن يفتحه ليجد الوصية الثانية له بأن يغازل المنتقدين بلغة الاستراتيجات والمشاريع وكون السلف كانت تعوزهم الرؤى والبرامج، فينقلب خطابه من لغة الإرث الثقيل إلى هذه اللغة الجديدة، وقد يستدعي مكاتب الدراسات فعلا ويغدق عليها الاعتمادات، فيتريث المنتقدون فاسحين المجال لهذه الاستراتيجيات أن تتبلور، غير أن الوقت يمر والولاية توشك أن تنقضي ولمَّا يروا في الواقع شيئا يذكر، فتبدأ العاصفة هذه المرة وبشكل أعنف ويضرب وزيرنا الأخماس في الأسداس ويبحث عن مخرج من الورطة فلا يجد من سبيل إلا أن يلتمس النصيحة الثالثة في الظرف الأخير فإذا به يجد فيه: هيأ ثلاثة أظرفة لمن سأتي من بعدك!


شهدت الحكومة قبل أيام تعديلا جزئيا جديدا عصف بوزراء وأتى بآخرين، وهو التعديل الذي تناولته الصحافة من زوايا متعددة كما صدرت بشأنه مواقف سياسية متباينة، غير أني سأنحو في هذه المعالجة منحا مختلفا قائلا إن هذا التعديل إذا كانت له من حسنات فقد أعاد الاعتبار لأهل القانون في تولي المسؤوليات العمومية، التي لا يصلح في بعضها غيرهم، وإن كنا قد شهدنا في السابق وما نزال نشهد اليوم تعيين وزراء ومسؤولين سامين في بعض القطاعات ذات الطبيعة القانونية هم في مجال القانون ك” الأطرش في الزفة” كما يقول إخواننا المصريون، والأنسب لهم ربما أن يشيدوا القناطر أو يحفروا الآبار أو يديروا مصانع لصنع السيارات لا أن يديروا قطاعات، القانون مادتها وأداتها..


إلا أن المثير للحيرة في هذا التعديل هو أنه حامل لرسائل عديدة لعل من بينها هو أنك قد تشتغل وقد لا تشتغل، قد تكون متخصصا وقد لا تكون، قد تكون سياسيا وقد تكون تقنوقراطيا، قد تكون أمينا عاما لحزب أو تكون في ذيل التراتبية الهرمية داخل الحزب، قد تكون عضوا في حزب آل إلى المعارضة أو تكون في حزب منبطح لم تعد له لاآت1، كل هذا لا يهم في معايير ركوب قاطرة الحكومة ولا مغادرتها، ولكن الأهم عند صانعي القرار والمؤثرين فيه أن هناك “قواعد” تتحكم في اللعبة وعلى من يلج أسوار الوزارات أن يفهم الدرس جيدا وأن يعتبر بمن سبق، وغير المنضبطين لهذه القواعد أو من يريد النضال من موقع الوزير أو يبتغي الاستعفاء حين لا يسعفه الاستمرار أو ينتصر للقواعد المؤسساتية والقانونية ويريد حماية العاملين معه أو يحرص أحيانا على فرض استقلالية القرار داخل وزارته، أما هؤلاء ومن يشبههم فليسوا في حاجة لانتظار انتهاء ولاية خمس سنوات أو الاضطرار لقراءة الأظرفة الثلاثة، فقد تعصف بهم الرياح أو الأمزجة في أي وقت..


وفي الحقيقة، بالنسبة لهذه الشريحة التي لا يقبل أفرادها بغير ما يرتضيه المنطق الديمقراطي وقواعد دولة القانون والمؤسسات، من المفيد إذا استوزر أحدهم يوما ألا يجدوا في انتظارهم إلا ظرفا واحدا لا ثلاثة، وليسوا في حاجة لانتصاف الولاية أو انتهائها لقراءة ما بداخل الظرف، فيكفي أن تكون الوصية بضرورة الاستعداد منذ يوم التنصيب لمغادرة مكتب الوزارة في أي وقت، مثل الموت الذي “يترصد” الإنسان لا يدري متى يحل أجله، هل بعد ساعات أو أسابيع أو شهور أو سنوات..


أما الوزير الذي يلج الوزارة وهو في ملفاتها وقضاياها أفرغ من فؤاد أم موسى، دون أن يكون له أو لحزبه تصور أو رؤية لما ينبغي فعله ومباشرته، أو ألا تكون له الأهلية العلمية والمؤهلات الشخصية لقيادة التغيير في قطاعه ويستسلم في النهاية أسيرا لإدارته، أو لا يضع للإكراهات والتحديات الخارجية والإرث السلبي الذي ورثه عن سابقه موقعا في استراتيجيته ومقاربته، فمن الأفضل له أن يعود أدراجه ولو بعد حين، ولن تسعفه الخمس سنوات ولو اكتملت لمراكمة إنجازات مشرفة ترفع الملام، هذا إذا لم يكن عدم استوزاره أصلا هو عين الصواب..أما من انتفت منهم هذه الصفات القبيحة فلن يكون في حاجة للأظرفة الثلاثة وربما لن يروا داعيا لترك مثلها لمن سيخلفهم..


[email protected]

‫تعليقات الزوار

6
  • أبو ذر المغربي
    الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:40

    مرة أخرى أشكر تواصلكم مباشرة بنا نحن “بوزبال” و “البخوش” شرّف الله قدركم طبعا ! و هذا إن دل على شيء فإنما يدل أن السّرك أو “البرلمان” لم و لا يصلح إلا للتمثيل على “الأمة الكبشية”
    لكن قولكم يا سيادة النائب “والأنسب لهم ربما أن يشيدوا القناطر أو يحفروا الآبار أو يديروا مصانع لصنع السيارات لا أن يديروا قطاعات، القانون مادتها وأداتها”
    كان أولى أن يوجّه لمولاكم صاحب الدجالة، لأنه هو الذي يعيّنهم و لسنا نحن بوزبال
    السيد سليمان، أنا أعرف مثلك أن “خطابه لا يكون موضوعا للنقاش” يعني يجب أن نقول صدق مولاهم … (أستغفر الله)، فما تأصيل و ما مرجعية هذا التهرطيق ؟
    فعندما وضع الماتيماتيسيانْ بنموسى في الذاخلية، لم يشاورنا في ذلك للأسف !
    أبو ذر المغربي

  • هيثم اتنان
    الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:42

    تعليق جميل ودقيق يوافق واقع حالنا وارجو من القراء ان لا يكتفوا بقراءة السطور بل ان ينفذوا الى ما بينها
    نعم البرلماني انت لكن نرجو منك ومن حزبك ومن كل الشرفاء ان تضعوا استراتيجية لتغيير هذا الوضع فبداية الحل تحديد المشكلات

  • الكاتب المغربي/مسافر عبدو
    الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:34

    و لكن رغم وطأة هذه الأغلفة الثلاث أيها السيد الكاتب؛أليس التقاعد المريح و الراتب الضخم و الحظوة الإجتماعية و قضاء المصالح ذات الوزن الثقيل و موهبة أكل الكتف…أليست هذه كلها محلولا حلو المذاق تهضم به مرارة الأغلفة إلى حين ؟؟؟؟؟
    أظن بأن كل الوزراء و المسؤولين لسان حالهم يقول :
    فداوني بالأغلفة التي كانت هي الداء…
    أما الأحزاب فهي الوجه الآخر لنفس العملة و هي تشبه مشتري الخردة عندنا في الأحياء الشعبية ؛؛يهتفون في الأزقة و الدروب …: آمن عندو قراعي للبيع-سباط بالي للبيع-ثلاجة قديمة للبيع-بطانة قديمة للبيع-راديو قديم للبيع…. وال وال….

  • jaloux
    الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:36

    j’aurais préfèré s’ ils ont laissé l’ancien ministre de l’intérieur à mon avis il a été le meilleur ministre de l’intérieur depuis l’indépendance .

  • ابن الحرة
    الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:38

    تماما كماالحديث عن المنتخب المغربي لكرة….
    انعكست سيرورة هذاالنمط على البرلمان ، فيدخل البرلماني فيبدأ بشهر الغسل ثم يجد الأظرفة النوعية ….
    تموقع قد تعبر عنه الشخصيات الذاتية أو المعنويات دون إكراهات متوارثة بل الأولويات و المصالح ( الشخصية و الحزبية ) كضرورة للاستمرارية و الإعداد للاستحقاقات … بل إن كثيرا منهم لم يكن لهم علم بثقافة و آليات و قواعد اللعبة السياسية تحت قبة البرلمان …و هنا تحتاج جل الشخصيات لفتح الظرف الأول . وأما بعضها فينسحب في فترة قصيرة ـ وقد أخلف وعده بتنفيد البرنامج الذي صوت المواطنون لصالحه و لم يلتزم به …ـ و لايشارك في صياغة السؤال الآني أو في تحليل الظرفية …
    وهناك حزب يقوى بعدد أعضائه وليس يريد تدبير الأجهزة الحكومية بقدر ما يصر على المعارضة ، وله ظرف واحد …يسلم بالإكراهات… التي لا يتطلع إليها… و لا يشارك في صناعة قرارات أو تحالفات .
    وحين تبدأ مؤشرات الحقائب في إقناع البرلمان بالاكراهات و ميزانيات الاصلاحات … تبدأجميع الشخصيات في الترحل و الاستقطاب و التكتل و الانشقاق …و تبدأ الإرهاصات و التطلعات خدمة لملء أكبر قدر من المقاعد و وسادات الأحلام …حين يقترب موعد الرحيل يفتح الظرف الثالث وفيه وصية لمن بعده (( كما داز الريح يدوز خوه )
    السيد الوزير الجديد لشكر لم يكن عبثا إسناده هذه المهمة ، ولم يكن فقط استنادا إلى درجة في القانون و مهنته فيه ، بل لتجربته البرلمانية و الحزبية .. ولكونه لم يفتح الأظرفة النوعية ، و لأن البرلمان يحتاج له في ظرفية إقلاع حكومي و برلماني له أجندته وترتيباته …
    ليس عبثا و حزب الأصالة و العاصرة قد فتحة الأظرفة النوعية مرة واحدة …

  • ملاحظ
    الأربعاء 13 يناير 2010 - 23:44

    تحليل رزين للاستاذ لكن بكل صراحة ماذا فعلتم انتم ايها البرلمانيون وماهي اظرفتكم الحقيقية كديكور في المهلكة الشريفة ام ان اسطوانتكم المشروخة- التغيير من الداخل…-لازالت صالحة للتخدير.افيقوا ياسادة.

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 6

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40 2

هوية رابطة العالم الإسلامي

صوت وصورة
تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 17:16 2

تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
منع احتجاج أساتذة التعاقد
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:41 29

منع احتجاج أساتذة التعاقد

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59 18

البوليساريو تقترب من الاندثار

صوت وصورة
قانون يمنع تزويج القاصرات
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 10:48 29

قانون يمنع تزويج القاصرات