"الوصم" يدفع شباب الأحياء الصفيحية إلى إنكار "المجال الجغرافي"

"الوصم" يدفع شباب الأحياء الصفيحية إلى إنكار "المجال الجغرافي"
الأربعاء 25 نونبر 2020 - 09:00

خلْف أبواب “براريك” الأحياء الصفيحية في المغرب يكابد الشباب معاناة مريرة بسبب الوصم المجالي الذي يلاحقهم، ويبذلون جهودا كبيرة في سبيل تلافيه، من خلال أشكالِ مقاومة متنوعّة، رصدتها دراسة أنجزها الباحث ياسين يسني، أستاذ باحث في علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان.

انطلق الباحث في دراسته من تجربة شخصية، حيث خبِر جيدا السكن في حي صفيحي في مدينة تمارة، وأدرك مدى قسوة العيش فيه، مبرزا أن قسوة العيش في أحياء الصفيح لا ترتبط بصعوبة الولوج إلى أبسط الخدمات الاجتماعية فحسب؛ بل تكمن أيضا في أبعاد رمزية، تتمثل في الوصم وفقدان المكانة الاجتماعية، ما يفاقم أشكال التمييز المجالي.

ويشير الباحث، في مقدمة دراسته المنشورة في مجلة “عمران”، إلى أن “الصفيحي”، أي الإنسان الساكن في الحي الصفيحي، يكبُر فيكبر معه إحساس بالحرج من منزله القصديري وحيّه وجيرانه وأصدقائه وذاته، وتُطبع فيه نظرات الآخرين تجاهه وتجاه شباب الأحياء الصفيحية عقدة نقص سوسيو-مجالية؛ ما يدفعهم إلى إبداع الكثير من أشكال المقاومة.

ومن ضمن أشكال مقاومة عقدة النقص السوسيو-مجالية التي يعاني منها قاطنو أحياء الصفيح إنكار انتمائهم الجغرافي وحتى جيرانهم، أو التصريح بعنوان غامض وعام كلما سُئلوا عن مكان إقامتهم، مخافة كشف عنوانهم الحقيقي. ويشير الباحث صاحب الدراسة إلى أن اسم الحي وعنوانه “هما طابو بالنسبة لهؤلاء الشباب”.

وتضمنت الدراسة صورا تعكس إحساس الحرج الذي يكبر مع الإنسان الساكن في الحي الصفيحي من منزله وحيه وجيرانه. ومن بين هذه الصور تصريح كثير من المستجوبين الصفيحيين، تتراوح أعمارهم ما بين 17 و19 سنة، بأنهم يغيّرون مسارهم الاعتيادي من المدرسة إلى المنزل إذا كان يرافقهم أحد، تفاديا لأن يكشف عنوانهم الحقيقي.

وعلاوة على إنكار الانتماء الجغرافي، وتفادي التصريح بمكان الإقامة، يلجأ شباب أحياء الصفيح، وفق النتائج التي خلصت إليها الدراسة التي أجراها الباحث ياسين يسني في “دوار الصهد” بتمارة، إلى أشكال مقاومة أخرى؛ مثل الاهتمام بمظهرهم الخارجي، كردّة فعل على الفكرة الرائجة في المجتمع، أن سكان الأحياء الصفيحية يسهل التعرف عليهم من خلال مظهرهم الخارجي.

ويخلف الوصم آثارا وخيمة على سكان الأحياء الصفيحية، إذ يوضح الباحث أن من بين أهم عواقب الوصم وضوع الموصوم في مكانة اجتماعية متدنية، من خلال ربطه بصور نمطية سلبية، حيث يفقد شباب الأحياء الصفيحية الموصوم حينها الإحساء بالانتماء الحضري، مبرزا أنهم يعيشون “نوعا من النفي القسري داخل الأحياء الصفيحية”.

وداخل المساكن القصديرية يكابد الشباب معاناة إضافية، فعلاوة على ثقل الصورة السلبية التي يختزلهم فيها الآخرون، يتمثل الوجه الآخر لـ”الاحتقار المجالي” الذي يرزحون تحت وطأته في كونهم يعانون حرمانا من مجال لائق للسكن تتوافر فيه الخدمات الأساسية المتوافرة في المنازل الإسمنتية.

وتتمثل أهم أشكال الحرمان المجالي، كما عبّر الشباب المستجوبون، في غياب المجال الشخصي الحميمي (الغرفة)؛ ما يحرمهم من الكثير من الطقوس التي يستمتع بها أبناء الأحياء الإسمنتية.

ويشير الباحث إلى أن غياب الخصوصية والغرفة الخاصة داخل المسكن الصفيحي يجعل الشباب الذين يعيشون مرحلة عمرية يحتاجون فيها إلى التواصل بحرية مع أقرانهم، يعانون “الضِّيق”، أكثر من سواهم من الفئات العمرية.

من جهة ثانية، اعتبر ياسين يسني أن الخطاب السياسي حول الصفيح في المغرب يبقى “غامضا جدا”، مبرزا أن تطور هذه الظاهرة “يُعتبر خللا في البنية الحضرية، وغالبا ما يقدَّم كخلل وظيفي في عمل مؤسسات الدولة، وكنتاج إدارة فاسدة”، ومشيرا إلى أن الحي الصفيحي في المغرب يمكن أن يُقضى عليه في أية لحظة إذا ما كانت الدولة في حاجة إلى المجال الترابي الذي يوجد عليه”.

‫تعليقات الزوار

16
  • musse
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 09:25

    المشكل الكبير هو ان ابناء الاحياء القصديرية او البراركية سيما في المدن الكبرى يتعاطون للمخدرات والفساد بسبب الفقر والحاجة ونقص تربية الاباء بل والاستقالة منها ….مما يجعل نظرة الاحتقار تطولهم وتلاحقهم …..عكس ابناء الاحياء الفقيرة في المدن الصغرى غير الموجودة بمحيط الدار البيضاء او الرباط او طنجة …..الذين لا ينظر اليهم باحتقار بسبب تربيتهم وارتباطهم بالارض والعائلة والمجتمع عموما

  • عقلاني
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 09:27

    دعونا من العواطف، هادوك ناس جاو من منطقة و احتلوا منطقة أخرى بالشرع، صحة بزز، نصبوا براكة و جلسوا، لا وراق لا شرعية لا قانون. غاتقولوا ليا و فين غايسكنوا و هم هربوا من فقر القرى و قلة العمل، غانقوليكم لماذا في مدينة تطوان ماكاينينش البرارك؟ ماشي حيدوهم و لكن عمرهم كانوا، الناس تمام عمرهم فكروا يديروا براكة، كايطلع شوية للجبل بعيد على المدينة بكيلومترات قليلة بنى بالطوب و صبغ بالجير و جلس و كايمشي للمدينة فالصباح يخدم أولا تخدم و كايرجعوا، البراكة مشكل عقلية. لأنه في تطوان ماكانشروش الحوايج فالزنقة، في حين البرارك كاينشروهم فالزناقي ها التلامط ها البطاطن، و كاتلقى عندهم البرابول و سيارة بسيطة و بالتالي اللي عندهم سيارة و بارابول ليس فقيرا، الفقر هو ماتلقا ماتاكل، ماشي تجريسي و أغلب أولادهم لا يكملون دراستهم و يتعاطون المخدرات و الإجرام، في غياب تام لرقابة الآباء.

  • نظرة عن بعد
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 09:30

    الله يحسن عونهم كيف لطفل عاش الحرمان من ابسط الحقوق . بدون ماء ولا كهرباء و مياه العادمة تمر امام كوخه . عندما يصبح في مرحلة المراهقة ان يتباهى بانتمائه لاحياء هامشية . ماذا تفعل شابة من اول لقاء ان تطلب من صديقها ان يوصلها الى مقر سكناها سوف يتملكه الرعب من اول لحظة . رأيت مغاربة بأوروبا يخجل عند سؤاله عن جنسيته وهذا كله راجع لضعف الشخصية .

  • Germany Ingenieur
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 09:43

    انا كبرت في حي صفيحي، وعشت فيه الى ان بلغت سن العشرين، فقدمت لالمانيا للدراسة، والان ابنائي يعيشون الترف الذي افتقدته، الحمدلله، حتى العيش في الصفيح يجعل ويبني رجال، اذا كانت العزيمة، بلغ الانسان ما نوى.
    في الاخير الاستاذ اصاب في دراسته، لان المجتمع هو المسؤول، حيث يتم اقصاء الفئات الهشة من المجتمع، و احتقارهم.

  • فاسي من فاس
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 09:49

    مع الاسف هذا واقع يعيشوه معظم السكان الاحياء الهامشية وخصوصا القاطنون في احياء الصفيح يعنون الفقر التهميش وتحقير وانعدم ابسط ظروف العيش مع العلم اننا سمعنا قبل سنوات ان الدولة قالت بان خلال سنة 2020 سيكون المغرب خاليا من دور الصفيح سياسات التحقير والاذلال في هذا البلد العزيز

  • جمال
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 10:07

    أقوله و أكررها الدولة عليها أن تصل الى أقصى درجة من عدل وتوزيع ثروات بشكل عادل وإلا الآن كترة ضلم وفقر مواطن تجعله يحقد على دولة ويصبح مستعد لفعل أي شيئ ضدها

  • مغربية مسلمة
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 10:07

    لا حول ولا قوة الا بالله، هدشي الي خلا لينا الاستعمار الفرنسي العياقة و التفاخر و التكبر على بعضياتنا،نسينا اننا مسلمين ولا فرق بيننا الا بالتقوى ،نتواضعو شوية تواحد مختار واليديه و المستوى الاجتماعي ديالو أرزاق ونتعاملو مع الإنسان على اساس شخصيتو ماشي جيبو، دنيا كتقلب فسبحان مبدل الاحوال،ارحمو من في الارض يرحمكم من في السماء

  • مغربية
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 10:11

    انا بنت حي شعبي في الدار البيضاء وكانت تنحشم نقول الحي لي كنتامي ليه رغم انه كان حي نقي وخصوصا في محل الشغل.

  • مواطنة 1
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 10:47

    "هذا ما جناه علي ابي وما جنيت على أحد" المشكل في الفتاة والرجل اللذان يرتبطان بالزواج وهما يعلمان ان اولادهما سيولدون بدور الصفيح وسيعيشون ظروفا صعبة ، اقول لمثل هؤلاء : اللهم العنوسة ولا زواج القهرة ، نقهر راسي ونقهر وليداتي …. كون كان بيدي ما نعطيش موافقة للزواج حتى يتبتوا ليا عندهم مسكن ولو متواضع وعندهم دخل باش يربيو وليدات ….

  • سيمو
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 12:51

    أودي راه للأسف ماشي غير الاحياء دالصفيح, راه كاينين ناس في المغريب ساكنين في احياء شعبية و ما كيصرحوش بالعنوان ديالهم .. السبب دهادشي كلو هو الطبقية الرأسمالية لي خلقت لينا هاذ الجو ديال التكبر على بعضياتنا, و زيد عليها حتى فقدان القيمة الاخلاقية الدينية عند المغاربة .. شكرا لهسبريس و كذلك للكاتب و الاستاذ محمد الراجي على هاذ الالتفاتة المهمة لهاذ الظاهرة النفسية و الاجتماعية

  • جاد جاد
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 13:07

    أنا الاستاذ جمال محامي أفتخر بكوني ولدت وترعرعت بحي صفيحي، ولا أجد حرجا في المجاهرة بإنتمائي لما يسمى الكاريان بل أعتبره مصدر فخر لي ولعائلتي ولمحيطي

  • مروة
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 13:11

    ولدت في حي قصديري بمدينة الدارالبيضاء في كنف أسرة محافظة ، وفر لنا والدي(أنا و اخوتي) ما كنا نحتاجه من أكل و مشرب وملبس و تربية حسنة باستثناء السكن اللائق حيث أن والدي اشترى (براكة) وذلك لأنه ضد فكرة الكراء و لأن ثمن البراكة كان زهيدا مقارنة بثمن شقة ، ماكنت أهتم في صغري بمقر سكناي الى أن ولجت الثانوية فبدأت أتحسس نوعا ما من الأمر بل وصرت أنكره حين ولجت الجامعة .و ذلك بسبب وصمة العار و النظرة الدونية التي ينظر بها الى سكان الحي القصديري . و رغم أنني الان ولله الحمد و اخوتي ايضا نمتلك شققنا الخاصة و يعمل كل منا في وظيفة مدخولها معقول ، الا أنني في قرارة نفسي و رغم أنني لم أصرح بالأمر ابدا لوالدي احتراما له و لما بذله من جهد في تربيتنا ،فانني ألومه على المكان الذي كبرنا به بسبب المعاناة التي كابدناها بسبب أننا أبناء الكاريان.

  • غيثة
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 13:44

    لا ترمون التهمة كلها على المكان الجغرافي فسكان تلك الأحياء إتكالين تجد الرجال يعتمدون على عمل الزوج خارج البيت كخادمات للبيوت عاملات ( كسالات ) بالحمامات..الخ فيختفي عندها دور الام داخل اابيت و الأساسي هو تربية الأبناء و هؤلاء يحرمون من الاستقرار النفسي الدي تكون الام أساسه فيخلق لدا هؤلاء تمرد أوله التمرد داخل المؤسسة التعليمية فيتطور ليصل إلى الشارع…بمعناه الوعي يفتقد مع العلم أنه لو عمل هدا الشخص على نفس قليلا بحث عن عمل بسيط إلى جانب الدراسة ممكن يصبح دالك الشخص الدي يحلم به و لو بنسبة 70% .

  • قنيطرية
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 14:04

    ليس هناك تمييز اجتماعي و لكن هناك تمييز أخلاقي
    شباب الأحياء القصديرية او الفقيرة يفتقدون الاخلاق و التربيه اكثر مما يفتقدون الأموال.
    كيف يمكنهم الانسجام داخل المجتمع و هم يتعاطون لكل أنواع المخدرات و يحملون السيوف و يقطعون الطرق و يتلفظون بأقبح الألفاظ؛ كل هذا يسبب النفور منهم بل التخوف من مخالطتهم أو الاقتراب منهم.

  • Omar
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 15:08

    اتفق مع رقم 9بالمطلق اذا كان الشخص غير قادر على توفير حد اذنى من مسكن و ملبس و ماكل و غيره اعتبر انه من الاجرام ان يتزوج و ينجب اطفالا يجني عليهم ….لماذا يقوم البعض بذلك دون وازع من ضمير ..كذلك الشان بالنسبة لكل من هو مذمن على نوع من الخدرات او المسكرات حتى يتخلى عنها …ما ذنب الاطفال و الله انه لامر مؤلم …و لا تحتاج ان تقول لي رزقهم على الله لان الله جعلك وسيلة للسعي الى هذا الرزق و انت تخليت عن ذلك

  • بنت الرباط
    الأربعاء 25 نونبر 2020 - 16:31

    هناك الكثير من الواقعية في المقال. ولكنني اعتب على من يلصق سوء الاخلاق والتربية بابناء البرارك فقط ….لقد درست في طفولتي في مدارس حكومية مع ابناء دور الصفيح وكانوا فعلا يرتدون افضل منا ويشترون الحلويات خارج المدارس اكثر منا ونحن ابناء الطبقة الوسطى كنا ننظر اليهم انهم مبرعين اكثر منا !!! كانوا اصدقاء مخلقين، كثيرون منهم صاروا موظفين و أشخاصا ناجحين…يعني التربية والاخلاق كانت سابقا افضل في جميع الفئات. اما الان انحدار للقيم بصفة عامة. وايضا اعتب على نماذج كثيرة كانت تشتري عوض البراكة الواحدة اثنين او ثلاثة ليحصلوا على قطعة ارضية مجانية او بتخفيض كبير. رغم انهم كانوا يمتلكون بيوتا …

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 14

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 6

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 5

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40

محمد رضا وأغنية "سيدي"

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 10

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 28

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير