انتهى ابن لادن، فهل ستتراجع صناعة الألم؟

انتهى ابن لادن، فهل ستتراجع صناعة الألم؟
الخميس 5 ماي 2011 - 14:00

في موضوع “فلا نامت أعين الجبناء” ،المنشور بهيسبريس ،وصل بي الأمر الى أن أقول لمخاطبي المفترض ،إرهابي أركانة:


لن تجد مكانا بيننا،في حاضرنا ومستقبلنا


لنا الشمس ولا شمس لك


لنا الغد ولا غد لك.


بعد مقتل بن لادن ، على خلفية جريمة مراكش- ولو من باب أخوات كان التي كثيرا ما طارت أسرابا من جبال طورا بورا،- قال لي أحد الأقارب الظرفاء:


كأنك وقعت أمرا بقتل الرجل .


أجبته،مازحا،و بما يماثل ظرفه: لا؛ أصابه بكراماته أحد السبعة رجال بمراكش .


إن ” الفول الذي أكله بوش انتفخ في بطن أوباما”.


ضحك أوباما،وهو يتابع “ليلة قتل بن لادن” لأن بوش خرج من “المولد بدون حمص” كما يقول أهل الكنانة ؛بل بطلقتي حذاء من نوع: أرض وجه.


لا علينا أن نضحك لأن الإرهابيين لا يضحكون،ولا يريدوننا أن نضحك.


حملتاني على حديث الألم هذا طفلتان:إحداهما ،بهوية فرنسية،كانت تنظر، من عل ،بكل الفرح الطفولي،الى ساحة جامع الفنا؛من شرفة أركانة ،وكأنها تتفرج على شريط رسومها المفضل.لم تكن تدر


،وقتها،أن ثعبان ” الكوبرا” آخذ في التسلل بين الأرجل والطاولات ؛ولم تنتبه إلا وهي مصعوقة بلدغة لها دوي.


وصلت الطفلة،بمن معها في الموكب الجنائزي، إلى بلدها ،محمولة ،بعد أن غادرتها وهي تحمل دميتها الحبيبة .بكتها ،في من بكت، فرنسا؛ ولا زلت أراها فوق برج إيفل وهي تصرخ في وجه العالم:


بأي ذنب حرمت من فرجة الحياة؟


” اذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت“؛ من يستطيع أن يجيب هذه الموؤودة في الزمن الأرضي، قبل الزمن الأخروي؛ بين يدي الخالق سبحانه؟


الثانية رأيتها ،وهي تسير على وقع المطر ،مع المراكشيين ،يوم حزنهم ،المؤثث بباقات الورد.ثم رأيتها محمولة على أكتاف والدها الأوروبي؛وهما يعيشان لحظات ألم لم تكن واردة في برنامجهما السياحي.


صناعة الألم:


مهما اختلفنا- بصفتنا متضررين- حول من بدأ بزرع أزهار الألم – التي حدثنا عنها بودلير في ديوانه– هل التمدد الأميريكي ،في نسخته الاسرائيلية؟أم النسخة الإسلامية البلادنية ؛التي لم تقرأ في القرآن غير آية السيف؟ ؛أم ضمأ الحكام العرب إلى المشروعية – ولو الإرهابية- لينوؤوا بكلكلهم على شعوبهم ،كليل امرئ القيس الطويل الممل؟


مهما اختلفنا فإننا نتفق، بدون شك، على أن صناعة الألم كانت ستتراجع كثيرا لو جففت عيونه الإسرائيلية ؛وقطعت عنها مياه الميسيسيبي ؛ولو أغلقت مصانع السيوف التي يمكلكها بن لادن في بقاع عدة من المعمور ،وسرح عمالها ،مستفيدين من كل الضمان الاجتماعي في دولهم العربية والاسلامية.


ولو – وهنا مربط الفرس العربي- كفى حكامنا أنفسهم جريرة – حتى لا أقول حريرة- البحث عن المشروعية في عباءة بن لادن ،والتذرع بعصاه التي هش بها على مركز التجارة العالمي ،وتوجسوا أن


تكون له فيها مآرب أخرى ؛كأن يلكز الواحد منهم،مثلا، فيرديه صريعا ،وهو الذي لا يحب أن يكون الا صريع الغواني.


ان عباءة الشعب أوسع،وأنظف،وأمتن؛ فلم ضيقتم على أنفسكم بعباءة رجل المغاور ،التي لم تتسع حتى للملا عمر وطلبته؟


ها قد قتل الرجل ،ولم تبق لكم غير حكايا الجدات عن أشباح له ،تواصل الظهور في ليبيا واليمن وسوريا ؛وباقي حالات التلبس باللانظام، في الوقت الذي يطالب فيه الشباب بالإصلاح أو الإسقاط.


بن لادن ،في نسخته الأميريكية، بطل بدون مجد؛حارب الاتحاد السوفييتي ،ولم يكرم لا في البيت الأبيض


ولا قرب الحجر الأسود ؛وانتهى به الأمر سودانيا معروضا في المزاد المخابراتي ؛وكاد يباع عبدا قنا ليرحل الى مزارع قصب السكر الأميريكية؛فاختار أن يحدث- منتقما- أكبر قدر من الألم .


لم يعوزه الدولار المسلم ،ولا السواعد المسلمة ،المحرومة من الضمان الاجتماعي،بمعناه السياسي ،وهي ترى المال العربي يتدفق غربيا ؛حتى لا أقول ما قاله نزار ،من فحش الكلام،عن هذا المال ،ذات ليل تونسي: والعالم العربي يخزن نفطه في ……


حاول ألا يلغ إلا في دم الامبريالية العالمية لكنه ولغ أكثر في دم بني جلدته ،وضيوفهم .


هوى بعصاه على رؤوس الحكام العرب فأخطأهم وأصاب الشعوب . وحتى لو أصابهم لم يكن لينشئ غير امارة كبيرة كامارة الملا عمر الصغيرة ، حقيقة ومجازا : صغيرة حتى عن ارتقاء سلم القيم الإسلامية ،كما تترى بها نصوص القرآن الكريم.


ظن أنه سيعلق إسرائيل في حائط المبكى ،لكنه ،ودون أن يدري، سرحها في كل شبر من أرض فلسطين


سكيرة معربدة ،ولا صباح يدركها ؛ولولا الحراك الشبابي العربي،المنفلت من عقال شرم الشيخ ،والشيخ نفسه، لظلت هكذا إلى أن تستحوذ على كل معلقاتنا الشعرية ،وتنطقها بالعبرية.


ظن أنه سيقوي الجبهة الفلسطينية فسهل اتهامها بالانشطار شطرين : شطر يستنفر الليبرالية العربية


وشطر يستقوي بلسان العرب الملتحي.


لعل إسرائيل بكت بن لادن أكثر من أبنائه وزوجاته .


ولا أراها الا باكية ،التئام شمل الفريقين ،والتوأمة بين غزة ورام الله ؛يا للصدف السعيدة.


ولولا ربيع الشباب العربي ،الذي قتل بن لادن قبل الأميركيين لقلت حتى ببكاء الحكام العرب، للسبب المذكور.


لكنه الربيع ،حيث تسابق ألفاظ الزهور نور الشمس لتغوي أنشط النحل وأجمل الفراشات.


رقصة الربيع الشاعرة أكثر حضورا في هذا الفصل من الرقص ،بالسيوف، مع الذئاب ،في الليل الشتوي البارد والمظلم.


حتى بن لادن نزل من الكهف الى كنف الأسرة والحديقة ؛وأنساه الشباب العربي في سلاحه الذي غنمه ذات نزال مع السوفييت.


مات الرجل بين أحضان زوجته الشابة ؛ولعله أراد أن يقول للعالم:


كفى ،لم يكن الا شريطا مرعبا؛أنتجته الامبريالية الأميريكية ،وتقمصت فيه دورا بشعا.


الآن وقد انتهى بن لادن من ترديد بيت المتنبي:


الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم


الذي انتهى به فارسا مغوارا صريع منهجه الدموي؛فهل سيتراجع انتاج الألم؟


نعم ؛لكن شريطة أن:


1 1.ألا تخوض الولايات المتحدة ،في المستقبل،حروبا ،خارج ترابها ،وبغير أبنائها ؛حتى لا تخلق أبطالا بدون مجد ؛فتضطرهم الى استنساخ بن لادن.


2. أن تغلق مصانع الألم الإسرائيلية ،وأن تدعو إلى مؤتمر عالمي يعطي لكل ذي حق من الفلسطينيين حقه ،و يميز بين الحق وشبهة الحق.


3.أن تبني علاقتها بالعرب والمسلمين ،عامة،على أساس سلم القيم العالمي، وعلى أساس طموح الشعوب المشروع إلى الديمقراطية؛وليس على أساس مصلحة رأس المال .


4. ألا تقبل من أي حاكم عربي أن يتحدث في البيت الأبيض عن نظرية المؤامرة ؛في الوقت الذي يكون فيه ،هو نفسه، مؤلف و منتج ومخرج هذا النوع من الأشرطة الفاشلة.


5. اذا تحقق هذا فستقسم تركة بن لادن المالية على أبنائه ليعيشوا حياتهم كما يحلوا لهم ؛بعيدا عن مغاور طورا بورا ؛وستقسم تركته الكاريزمية- وهي قائمة أحببنا أم كرهنا- على الأمة الإسلامية كلها ليمارس عليها جسدها ما يشبه التحويل الغذائي فلا يحتفظ الا بما ينفع الذات ولا يؤلم الغير.


أما أن تخلق المنظومة الدولية الظروف، مؤسسة المشروعية لاستمرار استشراء الداء والألم ؛فان المال سيرثه ورثة سياسيون لابن لادن ،وكاريزمية الرجل سيرثها بن لادن آخر ؛وتستمر الحكاية ،بدون صباح يسكت شهرزاد.

‫تعليقات الزوار

1
  • جمال الريماوي
    الخميس 5 ماي 2011 - 14:02

    مقال جيد تالق كاتبه الاستاذرمضان مصباح كعادته في التحليل والاستنتاج باسلوب ادبي شيق.لا نامت اعين الجبناء…..وانا اقول لا نامت اعين الامنيين لتبقى ساهرةعلى امن المواطنين وسلامة الوطن وهاهي مجهوداتهم تؤتي اكلها في ظرف وجيز بالقاء القبض على الفاعلين الذين كانوا وراء تنفيذ هذا العمل الاجرامي الذي ذهب ضحيته ابرياء لاذنب لهم الا تواجدهم بمقهى اركانة بساحة جامع الفنارمز السياحة المغربيةوملتقى للتراث الشفهي العالمي الانساني.فهنيئا لنا باعين امننا الساهرة التي لاتنام.

صوت وصورة
الدرك يغرق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36

الدرك يغرق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 4

إيواء أشخاص دون مأوى

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 4

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 8

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 11

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال