بغلة الرميد

بغلة الرميد
الأحد 29 يوليوز 2012 - 18:50

إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمةابن تيمية

سيكون المصطفى الرميد، من بين الذين يتأملون جيدا معنى أن يقول رئيس دولة جديد مثل المصري محمد مرسي “لن أنام وفي مصر مظلوم واحد”، إذ لا معنى لأي تغيير أو ربيع ديموقراطي، إذا لم يشعر به كافة الشعب المغربي، وخاصة السجناء المظلومين.

في حديث عابر مع أحد القضاة، عل هامش دورة تواصلية نظمتها محكمة النقض، قبل شهر بمدينة مراكش، اشتكى لي الرجل من ظروف العمل، بعدما انتقدت غياب شروط المحاكمة العادلة في بعض الملفات، وقال لي “شْنُو دير فْبْلاَصْتي؟”، فأجبته “نْبَدَلْ الحَرْفَة، عوض أن أظلم الناس”، فتعلل بأن بعض القُضاة يشتغلون لساعات طويلة، ومنهم لا يرى أبناءه إلا مرة في الأسبوع، فكان جوابي بديهيا “يُمكن للقاضي أن يغيب عن أبنائه أسبوع أو أسبوعين بسبب ضغط العمل، لكنه قد يصدر حكما قاسيا على مواطن بريء ويحرمه من أبنائه لسنوات طويلة”.

وبيني وبينكم “غير جَا علماء الإسلام، ورفضوا تولي منصب القضاء”، وركوب بغلة اسمها “العدالة”، المهنة ليست كباقي المهن، خاصة وأن العدالة وتحديدا مهنة القضاء، ببلادنا “بغلة” معطوبة، تم قبل أسابيع إطلاق حوار وطني من أجل إصلاحها وتصفيحها (من الصفيحة) لتعتدل مشيتها.. الحوار سيستغرق تسعة أشهر، ورغم أنها فترة حمل طبيعية، إلا أن الوضع قد يحتاج أحيانا إلى عملية”قيصرية”.

ولا زلت أذكر كيف انتفض الرميد في البرلمان، في وجه وزير في حكومة اليوسفي، مستدلا على ذلك بقول عمر بن الخطاب -رضي الله- “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر”، وحينها كتبت الصحافة بالبنط العريض “بغلة الرميد”.

وكما تقول العرب “للإسم شيء من المسمى”، فقد “اصطفى” الله سبحانه وتعالى “المصطفى” وهو اسمه الصحيح، وليس “مصطفى” في هذه الفترة “الربيعية” ليكون مسؤولا عن إصلاح شأن العدالة ببلادنا، إنه يعرف أكثر من غيره ما تعانيه هذه “البغلة” من آلام السياط على ظهرها، ويعرف أكثر من غيره المطبات التي تجدها في طريقها.

أتخيل “الرميد الحقوقي”، يخاطب “الرميد السياسي” (لو عثرت العدالة في أي مدينة أو قرية لسألني الله تعالى عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا رميد).

وطبيعي أن يفعل هذا ناشط حقوقي ومحامي يعرف جيدا دهاليز المحاكم التي لا تتصادى كلمات مرافعاته في قاعاتها، ولا تزال تذكر كم من مرة انسحب منها احتجاجا لعدم توافر شروط المحاكمة العادلة.

ومهما اعتمر الرميد، “قُبعة” رجل الدولة، يظل حقوقيا في دواخله، ولا أقول هذا رجما بالغيب، فالرجل اعترف بأن “رميدا “حقوقيا و”رميدا” سياسيا، يتنازعان وقته وجهده”، مضيفا في كلمة ألقاها خلال افتتاح أشغال الجمع العام الثاني لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان يوم الأحد 29 أبريل 2012، بالمعهد العالي للقضاء بالرباط “أجد حلاوة كبيرة وأنا أدافع عن حقوق الإنسان من موقعي الحقوقي أكثر من موقعي السياسي”، و”لن أتنكر لشخصيتي الحقوقية، ولن أرتد عن قناعاتي الحقوقية، وتأكدوا بأنها ستظل حاضرة في جميع قراراتي السياسية”.

ولتأكيد وفائه لشخصيته الحقوقية، أعاد الرميد شريط ذكرياته، بقوله بأنه سبق أن اختار النضال من موقعه كرئيس لمنتدى الكرامة، والزهد في منصب رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، مُشيرا إلى أنه “منذ انتخابه رئيسا للمنتدى أفرغ كل جهده، وخصص الوقت الأكبر للنضال الحقوقي”.

وفعلا كان الرميد قرر، اعتزال العمل السياسي، والنضال على جبهة العمل الحقوقي، إلا أن رياح الربيع الديمقراطي جرت بما لا تشتهيه سفنه “تعرفون بأنني قررت عدم ترشيح نفسي في الانتخابات الماضية قصد التفرغ للعمل في منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، وخضت في ذلك نقاشا طويلا مع إخواني في الحزب وفعلا لم أترشح للانتخابات، وعندما جاءت نتائج الانتخابات لصالح المشروع الذي دافعت عنه ردحا من الزمن، وجدت نفسي على غير إرادتي وزيرا للعدل والحريات”، وهو المنصب الذي يقول عنه “لم أختر هذا المنصب الذي تابعتم النقاش الذي أثاره حتى أنه أصبح موضوع نقاش شعبي لم يسبق له نظير”.

وكان طبيعيا أن يقود رجل من هذه الطينة، لجنة وزارية صوب المحكمة الاستئناف بالقنيطرة، قصد الاطلاع على سير الملفات لدى القضاء الزجري بعد توالي الانتقادات الحادة الموجهة لمرفق العدالة هناك، بعد مرور يوم واحد عن تدخل إدريس الراضي رئيس الفريق الدستوري بالغرفة الثانية، الذي اتهم قضاة الاستئناف بالقنيطرة بالقسوة في الأحكام حيث أنهم أصدروا، في أسبوع واحد، أحكاما تصل إلى 700 سنة سجنا نافذا، أي ما يعادل نصف المدة الحالية التي أمضتها الحضارة الإسلامية.

وكم سيكون مفيدا أن تستمع لجنة الرميد إلى بعض المتقاضين، الذين يخرج أغلبهم –كما يحكي الراوي- مستاء من تعامل تلك الهيئة مع ملفاتهم، وكم من “واحد” منهم يردد “البوليس هو الذي يحكم”، سيما عندما يتم اعتماد محاضر الضابطة القضائية في ملفات جنائية، التي يعرف طالب السنة في كلية الحقوق بأنه يتم الاستئناس بها فقط، فضلا عن رفض الدفوعات الشكلية جملة وتفصيلا، وعدم الاستماع إلى المتهمين بما يكفي.

إن زيارة اللجنة فرصة سانحة، لفتح “جروح” مجموعة من الملفات من جديد في ذات المحكمة، ومراجعة الأحكام الصادرة في حق مظلومين، يعلقون آمالا كبيرة على الدستور الجديد والحكومة الجديدة ووزير العدل الجديد.

فللرجل كما يعرف زملاءه وأصدقاءه- قدرة خارقة للعادة على استيعاب الأشياء، وبدون شك سيصل إلى مكمن الخلل بالمحكمة المذكورة بدون عناء، وسيتخذ الإجراءات المناسبة، فهو معروف بحزمه وشعوره بالمسؤولية، ويفسر البعض ذلك بأنه متشدد ومنفعل.

نعم، إنه متشدد، -كما يقول زميله المحامي والبرلماني محمد بنعبد الصادق-، لأنه يحب العمل المتقون، وهو شديد الانفعال كلما رأى أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، و لايرتاح له بال إلا إذا اطمئن على جودة العمل ومستوى إتقانه، أما الرداءة فإنها تلهب مشاعره وتؤجج انفعاله.

متمنياتي لوزير العدل والحريات، بالنجاح في مهمته الصعبة، التي ستطرد النوم من جفنيه بدون شك، مهمة أرجو أن ينجح فيها للتخفيف من آهات المثل القائل “يا ما في السجن مظاليييييييييييم”.

والله يحسن عْوَانك آسي الرميد

[email protected]

‫تعليقات الزوار

10
  • خنينة الحقوقي
    الأحد 29 يوليوز 2012 - 20:09

    لابد للسيد الرميد من ان يعمل على تطهير جهاز القضاء من المافيات التي تسود وتسيطر وتستبد الربيع العربي اتى لمقاومة الفساد والفساد نخر جهاز القضاء كما نخر جهاز الامن والامن والقضاء مرتبطان ومتلازمان والفساد يعشش في هاتين الجهازين لكن نتمنى ان لا يقول لنا السيد الرميد كما قال صديقه بن كيران عفا الله عما سلف لابد من المحاسبة ومعرفة ثروات القضاة بالرغم من انهم يكتبون املاكا وممتلكات في ملكطية اطفال رضع زعما راهم قوالبيا وعايقين وفايقين عندما زار الرميد محكمة الاستئناف بالقنيطرة ففعلا لان المحكمة استبد فيها قضاة يصدرون احكاما جد خيالية في قضايا جنائية حتى روح القانون لاتقر بتلك القساوة قضاة غيبوا العدالة الجنائية وتفرعنوا باصدار عقوبات هم انفسهم يعلمون انها ليست منطقية لقد تحول قضاتنا الى يد طيعة في يد الضالبطة القضائية من حيت لا يدرون ومحكمة الاستئناق القنيطيرية خير دليل

  • عبد اللطيف
    الأحد 29 يوليوز 2012 - 20:33

    حقيقة انه مقال اكتر من الرائع فقد انيقت وذكرت وناصحت وبينت .

  • سيدي سليمان
    الأحد 29 يوليوز 2012 - 20:48

    صحيح ان الحمل ثقيل في الدنيا و أقل امام الله يوم القيامة
    و السيد رميد وفقه الله يعرف اكيد ان دعوة الظلوم ليس بينيها و بين الله حجاب
    كن صارما في الحق وتكل على من خلقك……السيد الرميد هل مقاهي الشيشا حيث تناول المخدرات نهارا جهارا قانونية اللهم ان هذا منكر و حسبنا الله و نعم الوكيل
    انشري hespress او كما العادة تعاليقي رغم احترامي لجميع الاراء لا تعجبكم

  • errachidia
    الأحد 29 يوليوز 2012 - 20:57

    و زوينة قاليك لاخر عفى الله عمى سلف
    بقا فيا لحال ملي صوت لشوباني أ لهاد لعدالة

  • متتبع
    الأحد 29 يوليوز 2012 - 21:25

    يبدو ان الامور في عهد هدا الوزير اخدت منعطفا خطيرا .
    من افسد القضاء زاد في غيه و استبداده و ظلمه للفئة المقهورة داخل المحاكم لانه ببساطة يعرف انه لن تكون هناك محاسبة و لاهم يحزنون بل حتى .
    على دكر الضابطة القضائية استحضر حكما للمحكمة التجارية باحدى اقاليم الشمال اعتمد ت محضر الضابطة القضائية المفبرك اصلا كدليل لاصدار حكم مكتوب بالبند العريض للطرف القوي بماله و نفوده في حين ان هده المحكمة لم تر كمارة المتقاضين داخل قاعاتها و لو مرة واحدة .
    كيف لهؤلاء ان يتغولوا بهده الطريقة ادا لم تكن لهم ضمانات حقيقية بعدم المحاسبة و هده ليست المرة الاولى .
    ندكر السيد الرميد ان محاكم الاستئناف التجارية و حتى محكمت النقض قضوا في مرات عديدة بابطال احكام يعتمد فيها محاضر الضابطة القضائية كدليل مادام هناك قانون و مدونة اسمها مدونة التجارة يحتكم اليها الجميع كما جاء في تعليلاتهم. فما فائدة المدونات اصلا ادا كان بعض القضاة يتركونها و يعتمدون على محاضر يعرف الصغير قبل الكبير انه في غالبيتها مفبركة ام ان هدا يدخل ضمن السلطة التقديرية .

  • اليماني
    الإثنين 30 يوليوز 2012 - 04:43

    كلام جميل لكني اشفق على الرميد لانه وصل الى وزارة العدل عبر انتخابات ينظمها دستور صوتوا عليه زورا ,اذن ما بني على باطل فهو باطل لا يمكن لاللرميد ولا لاي كان من هذه الحكومة اي فعل حقيقي لصالح الشعب لانها لا تملك حرية القرار اي محاولة منها للتغيير الحقيقي ستلقى الرفض من <التماسيح والعفاريت>ودفتر التحملات الخاص بالاعلام العمومي خير دليل على ذلك المطلوب من السيد الرميد وغيره هو الاستقالة والاصطفاف الى اشعب حتى يعطي المخزن للشعب الحق في اختار من يحكمه <لنكن صرحاء>

  • عمر مغفور
    الإثنين 30 يوليوز 2012 - 14:28

    علىينا كمغاربة جميعا ان نقولها ونكررها ولا نمل منها ان العدالة في المغرب 1000 صفر على اليمين و 1000 صفر على اليسار والمغاربة كلهم اكتووا بنار القضاة والنيابة.القاضي او النائب ليس له الوقت للبحث والاجتهاد والجد في القضايا والملفات والاحكام تصدر بعد الجهد والاجهاد وفي الاخير لا ترضي لا الظالم ولا المظلوم.–قوارب الموت قد تنجيك من الموت وتلقي بك في اخر المطاف الى شاطئ النجاة– اماالعدالة في بلدنا العزيز –قيل فيها الرابح في الشرع خاسر–وعلينا ان نسال لماذا وصلنا الى هكذا حالات كارثية جواب بسيط لان المواطن المغربي ليست له قيمة في مجموع الوطن.يتلاعب به الكل .ومنذ الاستقلال في كل الانتخابات التي مرت اشبعه المنافقون كذبا ثم يعود نفس المنافق ويكذب عليه وهكذا دواليك الى ان طلعت علينا الثورات في اكثر من بلد وجاء من يبشرنا بالاصلاحات والتصدي للفاسدين المفسدين بالشعارات منها الاسلامية وغير الاسلامية ولكن مع الاسف تكسرالقرن بين صخور الجبال العاتية وقرئ علينا دعاء الختم- عفا الله عما سلف-

  • البغلة لا تحمل و لا تلد
    الإثنين 30 يوليوز 2012 - 19:33

    ورغم أنها فترة حمل طبيعية…
    البغلة لا تحمل و لا تلد أبدا إطلاقا بتاتا شتاتا كتاتا

  • أحمد الغماري
    الإثنين 30 يوليوز 2012 - 19:43

    إذا لم يتحول الوعي بأهمية العدالة وقيمتها العظمى في المجتمع لدى الأجهزة الإدارية والقضاة ومعاونيهم وإيمانهم بدورهم الرسالي في المجتمع فماذا عساه يفعل رجل مهما كانت مواصفاته في مكتبه يرأس جهاز إداري على طول الوطن وعرضه مملوء بالمفسدين والمرتشين والانتهازيين والوصوليين والأنانيين قابعين في مكاتبهم مغلوقة عليهم وهو في فترة العمل في محاكم اشبه بالسجون بأبنية مهترئة في أغلب محاكم الوطن
    ماذا سيفعل لقاض يشتغل على قضية بمنزله وهو خاو الضمير ،اعتقد أن الامر يتجاوز الرميد كرجل وحقوقي وسياسي إنه مجهود الجميع وإرادة الجميع بما في ذلك باقي الشركاء في العدالة من مؤسسات ووزارات ومجتمع برمته ، نحتاج إلى صحوة حقيقية لبناء العدالة رغم إيماني بأهمية الرجال الكبار والمخلصين والمتفانين في العمل والشفافين في المبادرات والقرارات ومنهم السيد الرميد على ترأس مثل هذه الملفات والقطاعات وعلى راسها العدالة،

  • علي-ب من مراكش
    الثلاثاء 31 يوليوز 2012 - 04:34

    شكرا للاستاد حسن الهيثمي—مقال دال ودو معنى-لا تبخل علينا بمقالاتك مستقبلا-اعانك الله وشكرا جزيلا-

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 2

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40 2

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36 8

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن

صوت وصورة
منع وقفة مهنيي الحمامات
الخميس 21 يناير 2021 - 16:39 15

منع وقفة مهنيي الحمامات

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32 11

احتجاج ضحايا باب دارنا

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 21

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية