بــاغي ناكــل

بــاغي ناكــل
الأربعاء 13 فبراير 2013 - 17:38

بعدما انتهى الخطيب من تلاوة خطبة الجمعة وانتشار جموع المصلين في مناكب الأرض وأنا في طريقي إلى المنزل مررت بشارع مقابل لمقر عمالة سيدي سليمان فأبصرت مشهدا والله جعلني ألعن ألف مرة كل شيء. رجل بلغ من الكبر عتيا يفترش الأرض فوق رصيف الشارع وهو ينتعل حذاءا بلاستيكيا دون جوارب في جو بارد يطلب عطف المارة الذين لم يلتفت منهم أحد إلى توسلاته اقتربت منه فسبقتني إلى الحديث معه سيدة ترتدي بذلة رياضية قال لها بصوت فيه من الحشرجة الشيء الكثير “بغيت ناكــل فيا الجــوع”.

كلمة خرجت مثل الرصاصة فسالت معها دمعتي والقلب يعتصر ألما وحسرة وأنا أنصت إلى هذا الرجل الذي ربما لم يعد يطالب بفضح الفساد ولم يعد يريد معرفة العفاريت والتماسيح التي يبحث عنها رئيس الحكومة ولم يعد يريد الاستفادة من ريع الساسة والانتهازيين وربما لن يكترث مجددا إلى أخبار الفضائح هنا وهناك فقط مطلبه الوحيد كسرة خبز لا أقل ولا أكثر.

ولأننا كمواطنين مغاربة تربينا على التضامن والتعاطف هرولت السيدة نحو محل لبيع المواد الغذائية وأتت الشيخ العجوز بما يسد به رمقه وفعلا اتضح أن العجوز كان في حاجة ماسة إلى لقمة يسكت بها ألم الجوع وأنا أتابع المشهد المحزن المخزي لمغرب القرن الواحد والعشرين أبصرت دمعة تنزل من عين تلك السيدة وبحسرة كبيرة تنهدت وقالت هذا العجوز لا يبعد عن مقر العمالة سوى بمائة متر أولم ينتبهوا إليه مع العلم أن سيارات الموظفين لا تتوقف عن الجولان في هذا الشارع المسمى شارع حمان الفطواكي. وهو الشارع نفسه الذي يتواجد به مقر المنطقة الإقليمية للأمن الوطني ولا احد انتبه إلى أن هذا الشارع أصبح مأوى لمن لا مأوى له من المحتاجين والفقراء والمتسولين وهي رسالة إلى من يهمهم الأمر أن الأمن الغذائي واحد من حقوق المواطنة التي لا يمكن القفز عليها.

هذا المشهد يتكرر يوميا في جميع مناطق المغرب والبعض يريد أن يجعل منه أمرا طبيعيا لا يستدعي احداث ضجة حوله وكأن إنسانية الإنسان لم يعد لها مكان في عاطفة قلوب قست من شدة الجشع والطمع حتى صارت صماء علما انه من الحجارة لما يتشقق فيخرج منه الماء .

وهنا يطرح السؤال نفسه أين هي أعين السلطات من مثل هاته الظواهر وأين هي تلك الجمعيات التي تتنافس في طلب الدعم الجمعوي من الجهات الحكومية وغير الحكومية أم أننا لا نشاهدها إلا عندما تكون المناسبة تحت مراقبة عدسات الكاميرات وأعين السلطات ناسين أو متناسين أن العمل التطوعي بالأساس هو عمل إنساني محض يرتفع عن كل الحسابات .

دور الدولة ومسؤوليتها تبقى قائمة مهما كانت مبرراتها فعجزة المغرب الذين شاءت الأقدار بهم فوق أرصفة الطرقات وأمام أبواب المساجد والأبناك هم من صميم مسؤوليتها ولن يقبل المغاربة أن تتنصل الدولة من رعايتهم وحمايتهم وهي ملزمة في هذا الصدد بافتحاص مالية وميزانية جميع الجمعيات التي ارتضت أن تجعلها شريكة لها في هذا العمل فليس من المقبول أن نسمع عن أموال تصرف لهاته الجمعية وتلك بغرض العمل الاجتماعي والاحساني دون أن يتبع ذالك تفعيل للمراقبة والمحاسبة لأن العمل الاجتماعي هو في الأساس مسؤولية وضمير وكل درهم حصلت عليه هاته الجمعيات التي تنعت بالشريكة في العمل الاجتماعي على الدولة الآن فتح التحقيق معها في كيفية صرف ذالك الدعم .

صرخة الشيخ العجوز التي أطلقها من سيدي سليمان والتي تلخصت في عبارة- فيا الجوع باغي ناكل- هي نداء لكل من يهمهم الأمر في ربوع وطننا الحبيب أننا محتاجون من أي وقت مضى إلى حملات مكثفة ومستمرة ينخرط فيها الجميع لإحياء روح التضامن داخل المجتمع المغربي وبعث الحركية من جديد في الضمائر الإنسانية .

‫تعليقات الزوار

3
  • ريان
    الخميس 14 فبراير 2013 - 08:50

    شكرا لك و لتلك المرأة اللتي ذكرت طيبوبة قلبها و انسانيتها و جازاكما الله خيرا و نتمنى ان تدوم القيم اللتي تربينا عليها في مغربنا الحبيب و ان ننقلها للاجيال القادمة.
    حقيقة اخي لا اقرا لك كثيرا لاني غالبا ما اقرا عناوين مقالاتك باللهجة العامية, و قد درست و تعلمت في بلد يعتبر ان من لا يتقن اللغة الفصيحة اللتي تدرس في المدرسة لا يمكن ان ننسب اليه نضجا فكريا و ان الانسان لا يستعمل لغة الشارع الا لقلة ادواته اللغوية. فنرجو منك اخي ان تحاول الاقلال من لهجة الشارع ما امكن كما لو انك ستكتب بالفرنسية او غيرها.
    و سامحني ان اثقلت عليك هو راي فقط

  • la princesse asmaa
    الخميس 14 فبراير 2013 - 18:40

    شكرا لك اخي على هذا المقال, نعم صراحة اضحى الانسان في زماننا هذا لايكترث لاخيه الانسان الا من رحم ربي كهذه السيدة مثلا التي قدمت يد المساعدة لهذا العجوز الفقير, فعوض ان تهتم تلك الجمعيات المزعومة التي تحترم حقوق الانسان بالشكليات يجب عليها تقديم كل اشكال الدعم لهته الفئة الهشة من المجتمع والتي اصبحت ضحية الممارسات الاانسانية من قبل الفئات المملوءة بطونها من كثرة الجشع والطمع.
    الى التعليق 1 :ريان
    احترم رايك لكن ملاحظة بسيطة: الكل في الوقت الراهن ينادي بحرية التعبير وهاهي ذي حرية التعبير يعبر كيف يشاء وباية لغة يشاء وكذلك لم انتبه الى اية لغة شارع في هذا المقال, وذكرت اخي انه يمكنه الكتابة بالفرنسية ترى لماذا??? لماذا دوما يجب ان ننسلخ من هويتنا??
    كما ان بعض الالفاظ التي ذكرها من قبيل"فيا الجوع باغي ناكل" ليست لغة الشارع تسمى" الدارجة المغربية" اما لغة الشارع فتقال للالفاظ النابية. فقط صححت بعض معارفك وتقبل مني النقد البناء. وشكرا

  • صندق المقاصه
    الجمعة 15 فبراير 2013 - 05:37

    ا لسلام عليك الكاتب المحترم وجزاك الله وكل الخيرين حسن الجزاء
    التسول ظاهره عالميه فان ليس جميع لمتسلون منتوج السلوك الشاذ لقطاع من التسولين الذين استمروا التسول اصبحت مهنه
    الحلول ربما اصلاح صندق المقاصه ينجح على اقل تقدير فى تغظية المعوازين امثال الشيخ بالمقال
    الا تتفق معى ان غياب شعيره الذكاه بالمغرب تدفع بالكثير الى التسول.
    اما لفت انتباهى ان مقالك وقصته ليس ببعيده عن الزياره لملكيه بني سليمان وما ادراك والزياره الملكيه
    واخيرا الجمعيات التى اصبحت عبئ ومكان للريع الادبى والمادي

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 13

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 6

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 14

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق