بنكيران التمساح

بنكيران التمساح
الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 11:43

مباشرة بعيد تشكيل الحكومة الثانية للسيد عبد الإله بنكيران، لاحت موجة من الأقلام تنتقد بلقنة التشكيلة الحكومية، وتستهجن تضخم عدد الوزارات، وتهول من العودة القوية للتكنقراط و”لسدنة المخزن”. والأكيد أن الكثيرين الذين يعتبرون النسخة الجديدة نكوصا، تناسوا بسهولة السيناريوهات التي طرحت إبان مشاورات تشكيل حكومة بنكيران الأولى، والتي تحكمت بشكل كبير ـ وباحتمالات أقوى ـ في إخراج النسخة الثانية من الحكومة.

كما تناسى أو يتناسى البعض أن الحكومات الناتجة عن التعديل في منتصف الطريق عادة ما تولد ولادة عسيرة، وتنطلق بضعف اكبر من سابقاتها لأمور موضوعية؛ اذ عادة ما تثير شهية مطامع وطموحات وضغوطات الأحزاب الوافدة، تأتي وهي ترتدي “بزة المعارض المحارب”، ومتسلحة بعقلية الطامع المبتز. وفي المقابل تخضع المشاورات من وجهة نظر الأحزاب المتبقية من العقد المنفرط لخلفية ضرورة التنازل لأجل البقاء وحفظ ماء الوجه.

أما حكومة التمساح بنكيران فقد أضيف إليها تحدي ثالث وهو الردة الديمقراطية، التي فشلت في تركيا، وحطت مخالبها في مصر، وشملت شظاياها بلدان من ضمنها المغرب. وقد اقتضت الردة احباك مخططها في إطار الاستثناء المغربي بتكتيك “إخراج” حزب الاستقلال لنسف التحالف. ومن تم فرض الأمر الواقع وتدليل الطريق لمشروعية تدخل الفاعلين الحقيقيين بشكل غير مباشر في هندسة وتدبير حكومة ما بعد بنكيران.

ونحسب أن العفريت بنكيران قد فطن مبكرا إلى مخطط إعادة تشكيل الحكومة بمقاس معين، يستحب أن لا توجد فيها ريح المصباح. وفي اعتقاد العقلاء لا يمكن اعتبار قصة إخراج “الميزان” من التحالف فجأة لم يكن على درجة عالية من النسج، ولعل طول جولات المفاوضات كانت تحمل في طياتها خيار وإنهاك وتيئيس الرئيس، والنيل من شعبيته، وجمع ما يكفي من مبررات تبرير إلقاء المصباح خارج دواليب الحكومة.

لذالك يمكن الجزم بأن حدس بنكيران قاده إلى أن “العفاريت” تقود حملة أريد لها أن تحقق أهدافها مهما كانت الممانعة، وانه لا يمكن للأيادي الفاعلة أن تعود خالية الوفاض، كما لا ينبغي للسماسرة ورجالات “الدولة العميقة” الفشل وفقدان مواقعهم ومكانتهم، وانتهاء صلاحية مصداقيتهم… وإنما سيستميتون وربما يتسببون في قيادة البلاد نحو تكرار سيناريو استثناء 1965 ومن ثم انفراد العفاريت والتماسيح بالكعكة.

بشكل مخيب لآمال سقوط بنكيران في فخ جنون العظمة وسذاجة الذهاب المبكر إلى هاوية انتخابات سابقة لأوانها… أدار المحنك عبد الإله مفاوضاته بكفاءة عالية، وكان على وعي أن الحكومة أريد لها أن تأخذ مسارا واحدا، لا يخرج عن الردة الديمقراطية.

وقد اقتضت البراغماتية ـ وإن ظاهريا ـ التماهي مع الحملة العالمية على حكومات الإسلاميين؛ فيتم التخفيف من تواجدهم على الواجهة بتنحية سعد الدين العثماني عن وزارة الخارجية، وإحراج وزارة العدل بملف الصحفي علي أنوزلا، واستعادة وزارة الداخلية كمؤشر عن التمهيد لعودة التحكم في نتائج الاستحقاقات.

كان العقل يفرض الاختيار بين الاستثناء المغربي في الردة على الديمقراطية لكن دون الكفر بها، ودون محو خط الرجعة ـ حين تصح الأجواء ـ إلى السلوك الديمقراطي. لذا كان من الحكمة أن يتجرع كبير المصباح “السم” بتعبير فهمي هويدي، لكن بجرعات تقي الوقوع في السيناريو المفضل لدى خصوم العدالة والتنمية.

فالتمساح بنكيران إذن كان أمامه خيارا الهروب إلى الأمام أو الاستسلام: يقتضي الأول تشكيل حكومة “الردة الاستثنائية” عن طريق الاستماتة في خوض المفاوضات من موقع الحذر، ومداراة شركائه القدامى وعدم فقدانهم من جهة، وقبول شريك جديد مفروض غير قابل للمداولة، والتعايش معه للإبقاء على الشرعية والحفاظ على استمرارية نسبة مقدرة من الاستثناء المغربي، يضمن السير بالإصلاح ومحاربة الفساد ولو بسرعة اقل من المأمول، حتى في إطار نسبة من الردة الديمقراطية من جهة ثانية، لكن بشكل اقل حدة مما قد تؤول إليه الأمور حال تولي خصومه تشكيل الحكومة المعروفة المعالم.

أما سيناريو الاستسلام أو الأسوأ بالنسبة للعدالة والتنمية فيكمن في استدراجه إلى التصلب، ورفض طعم إشراك المخزن في النسخة الثانية من الحكومة. ومن تم المس بمصالح المرتدين فيقذف به صانعو ومصطنعو الوضع خارج اللعبة، ويفسحون المجال لتحالفات استثنائية، تشكل حكومة “الردة المطلقة”، يديرها المخزن بطريقته الخاصة. وقد تبين من خلال مسيرة شباط ومهرجان لشكر بالرباط أنها لم تكن سوى محاولة عرض البديل وإظهار نوايا الاستعداد لمسك ورقة تشكيل الحكومة حال وصول مفاوضات بنكيران إلى الباب المسدود.

حينها ستلتقي اتهامات الزعيمان لحزب المصباح ( الرجعية، مصرنة المغرب…) وطموحات العفاريت والتماسيح في برنامج حكومي يكرس الردة الديمقراطية المطلقة، بدل الردة الاستثنائية التي تسمح ببعض الإصلاحات. ولعل أهم ثوابت برنامج الردة الديمقراطية يتمثل في تجفيف منابع الحرية والتحرر والتسريع بإلحاق المغرب بمعسكر الارتداد.

بسبب ما بجعبته من مصداقية لدى المغاربة والقصر أبقى عبد الإله الردة الديمقراطية في مستواها المقبول فخلق الاستثناء المغربي في للردة، كما عاود التمساح بنكيران إحباط كمين اكبر المخططات التي استهدفت حزب العدالة والتنمية، وسيضاف هذا الانجاز المتزن إلى جهود الدكتور سعد الدين العثماني في وقاية زجاجة المصباح من ضربات استهدفته عقب تفجيرات 16 ماي الإرهابية.

‫تعليقات الزوار

13
  • said oumach
    الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 13:54

    للأسف المقال مبني على فرضية خاطئة وهي أن المخزن يتحكم في حزب ولا يتحكم في آخر. من أوعز للاستقلال بالخروج هو الذي أوعز للتجمع بالدخول. لو أراد المخزن إسقاط العدالة والتنمية في انتخابات سابقة لأوانها لأوعز لأبنائه وعلى راسهم التجمع الوطني للأحرار بعدم الدخول إلى الحكومة. ولكن لأنه أراد إذلال وقص جناحي حزب العدالة والتنمية بأقل الأثمان اختار ما ترون الآن. أقصد من كل هذا أن حزبكم سقط في سيناريو معد سلفا، ولم يكن هناك ذكاء من قبلكم في التعامل معه. جميل جدا أن تعترفاو أن هناك ردة، إلى أين يتجه بنا مسار الارتداد؟ لا أعرف، كل ما أعرفه أنكم مستعدون لدقع المفاسد قبل جلب المصالح، وأن المخزن مستعد دائما لصناعة المفاسد التي ستنشغلون بردها، إلى متى؟ الله أعلم
    مثل هذا السيناريو يحبه الأمريكان وحلفاءهم أفضل من السيناريو المصري الغبي، لأن ذلك يضمن هزيمة الحزب من الداخل، وليس مثل غباء العسكر المصري المتسرع الذي لم يحسب حسابا استرتيجيا بعيدا.

  • استمرار الضحك
    الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 14:13

    العبث أصبح من السمات المميزة للعمل السياسي بالمغرب بسبب تراكمات عدة سنوات من عمليات مقصودة للتمييع والتدجين والتبخيس، ورغم التغيير الحاصل في الخطابات الرسمية خلال السنوات الأخيرة، فإن العاهات والامراض التي أصيب بها المجتمع السياسي أصبحت مزمنة ومستعصية على العلاج، على فرض وجود إرادة حقيقية لعلاجها.ما نلاحظه اليوم هو استمرار للاستخفاف بمشاعر المغاربة والضحك على ذقونهم.
    مبررات بنكيران الاخيرة تتسم بالاكاذيب والافتراءات والنفاق ،الأمر الذي ألفه المغاربة منذ مجيء ما يسمى بالحزب الاسلامي الى سدة الحكم.

  • dris
    الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 14:15

    c'est trop pour mr benkirane un camileon suffira

  • عين
    الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 17:10

    ويعنونونه بالاستثناء المغربي.

  • التحالفوا مع المفسدين
    الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 17:22

    سبحان الله الرجل يتكلم عن الردة على غرار محاولات جنرالات تركيا ويقيس بنكيران على مرسي وكأن الصلاحيات التي لبنكيران هي التي لمرسي. لماذا يخاف بنكيران من إنتخابات سابقة لأوانها، إذا كان يخاف من التزوير فماذا فعل لضمان أن تكون الإنتخابات المقبلة من النزاهة والشفافية تشرف البلاد. حق لبنكيران أن يخاف من إنتخابات سابقة لأوانها لأن كل بيضه وضعه في سلة المخزن.
    وصاحب هذه السطور مثير للشفقة إذ يستميت في الدفاع عن مهزلة من جاءوا يريدون محاربة الفساد فتحالفوا مع المفسدين.

  • الحاج محمد
    السبت 19 أكتوبر 2013 - 00:44

    حقيقة الحكومات في المغرب كانت وما تزال مخزنية.المخزن ينصبها كواجهة وقائية من الداخل والخارج:من الداخل بحيث تمنع تصرفاته أن تظهر للخارج ،من الخارج حتى لا تصاب مباشرة لرشقة حجارة من المتطلعين إلى استنكار ما يجري في الداخل.الغريب أن النصر دائما كان حليف المخزن مهما كان لون الحكومة التي يأتي بها عن طيب خاطر أو عن مضض.[حكومة عبد الله إبراهيم واليوسفي وابن كيران].هذا يعني أن كلمة المخزن ككلمة الله لا تبديل لها.المغرب سيضل يعيش على إيقاع الحياة لما قبل 1889حتى ولو مر عليه ألف ألف ربيع عربي.إلى ما بعد ذلك الحين أتمنى للمغاربة تنشئة خالصة من مبادئ الولاء الأعمى لما يعرف في المغرب بالمخزن.

  • مؤسس حزب سياسي
    السبت 19 أكتوبر 2013 - 02:10

    من وجهة نظري أرى مضمون هذا المقال هو عين العقل وقد حلل بواقعية وبدون عاطفة أو اندفاع أو طوباوية الأسباب المحيطة بالولادة القيصرية "المشوهة"لهذه الحكومة.
    الغريب أن البعض في التعاليق تناسى أن ألاشتراكيين والاستقلال قبلوا بوزير اول تقنوقراطي بل أكثر من ذلك وزير داخلية أشرف على الانتخابات التي اعطت ألأغلبية للاشتراكيين رغم ذلك كانت انتكاسة 2002.
    البعض يتدرع بدستور2011 لكن مرة اخرى البعض يتناسى قولة الملك المرحوم الحسن الثاني الذي اعترف ان المغرب لاتنقصه القوانين لكن التطبيق .بالله عليكم لماذا تحملون لرجل أوتي به في اطار عربي خاص أن يبقى بنفس القوة التي كان عليها عند ماكانت فرائس الحرس القديم ترتعد من الانفلات ألأمني العربي 2011 الذي تحول الى فوضى وعدم الاستقرار "حالة ليبيا وتونس"مما اضطر العسكر الى التدخل في مصر لان الدولة تسير نحوالمجهول ومازالت .وكما أشار صاحب المقال فالاستثناء المغربي كان ضروريا ولكن بعملية جراحية ستكلف حزب المصباح غاليا في استحقاقات 2016 وما قبلها .العثماني في الخارجية في هذه الظرفية مستحيل ولايجاذل في ذلك الا احمق.الحكومة الحالية هي عين العقل للخروج من عنق الزجاجة.

  • Amghar
    السبت 19 أكتوبر 2013 - 10:21

    مع الأسف التحليل يبالغ في كثير من الأمور وغير منطقي
    أي ضغوط للمخزن هذه تطلب من بنكيران قبول شخص معروف مثل مبدع في حكومته
    وللعلم فقد كان المخزن قد رفض استوزاره في حكومات سابقة بسبب عدم كفاءته وبسبب الملفات الرائجة عنه

  • malek
    السبت 19 أكتوبر 2013 - 11:02

    الموضوع برمته ليس فيه الا مصطلحي الردة والارتداد.وقد اصاب صاحب المقال الاختيارلان حزب العدالة والتنمية هو الحزب الاكثر ارتدادا على الشعب.اما ما تبقى من المقال فمجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع.دفاعك عن حزب فاشل لن يعيد له مكانته ولا بريقه التي كان يحظى بهما قبل سنتين لان بنكيران اصبح فعلا كبير التماسيح ولعلك في هذا كنت صائبا الى حد بعيد.

  • الواعدي ابراهم اوحمو
    السبت 19 أكتوبر 2013 - 15:57

    اللهم المخزن لنعيش في الاستقرار وننجي وطننا ويلات ما نشاهده في العراق وسوريا وليبيا ومصر وتونس.نحمد الله ان المخزن يقيس نبض المغاربة بميزان الحكمة والعقل. الساسة اصحاب المصالح يريدون الاتجار بالبشر .يقدمون القرابين البشرية للهدم ليعيدوا البناء .يشعلون النيران بافواههم والله مطفئها بحكمة ولاة الامر لينتجوا ما يسوقونه . الكل تمساح وعقرب وحية وثعبان وعفريت ونفريت ونمر وفهد .ما اكثر الضواري وما اتعس ضحاياهم .ان اصحاب الناب يسنون انيابهم على جلود ضحاياهم .المخزن يسوقنا برحمة الجد والوالد اما من سلمناهم امورنا للتدبير فهم الان يبحثون لنا في حظائرهم عن شيئ من التبن والشعير . لا يغرنكم معسول الكلام والتظاهر بالرحمة والشفقة على الاطفال والنساء .ولا تمنون الشباب العاطل بالتوظيف والشغل .ابناؤكم وعشيرتكم ومن له الحق عليكم هم الان من يرثون بعدكم المناصب . ان الاسماء التي تسلط عليها اضواء الاعلام وتعقد لها الندوات وتحفظ من الساسة الكلام لا شك انها المعول عليها في الاتي من الايام .اللهم المخزن .افضل لنا ان نساق من العمالات على ان نساق من اصحاب الضيعات. اللهم المخزن نحترم رمزه على ان نذل ممن نعرف قدره

  • نجيب
    السبت 19 أكتوبر 2013 - 18:53

    مقال رائع و في المستوى.بالفعل هي ردة ولكن مشيئة اله ستحكم

  • باعلال
    الأحد 20 أكتوبر 2013 - 20:52

    الحمد لله ظهرت الردة في السياسة ولم تظهر في العبادة .
    ايها المرتدون العاملون ليل نهار ضد حكومة بن كيران .الا تصدقون ان الرجل يريد الاصلاح ويسعى لوضع عربات الطبقة المستغلة وراء الترام او بعبارتكم الترمواي .الا تشهدون انه لا اله الا الله . ان كنتم كذلك فاتركوا الرجل يعمل .ولتتوقف الزنابير عن طنينها.

  • mohamed bm
    الإثنين 21 أكتوبر 2013 - 03:27

    وخ خوكوم فدين غير على قدو، فحش ول يمثل أن نقول على العاروي فرعون و لا على الفاس دين و الآن دل و ستي لبلاد يهود، ففرعون بالمقارنة مع العاروي بل لا وجه للمقارنة ففرعون نبي أو رسول، و اليهود بالمقارنة مع الفاس دين و أهل سلا لمروك ملائكة الرحمة، فالله إحترم فرعون و تفاوض معه في شأن اليهود، فمشي أي زبل غدي يقارن رسو مع فرعون، و اليهود يحملون فوق ضورهم ما ينفع الناس فهم كالحمار يحمل أسفارى، أما حمار أهل سلا لمروك هاز معاه غير ودنيه فارغا فين م مشى كيخراها،
    فمتبرهشوش علينة سيرو قراو قصة يوسف و قصة موسى لفلقرآن الكريم ،

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30

تحديات الطفل عبد السلام