تأملات خارج السياق..

تأملات خارج السياق..
الإثنين 28 أكتوبر 2013 - 21:51

1-

(الحياة عابرة.. غفوةُ ناعسٍ وقبضةُ ريح. تبدأ بفم يصرخ وتنتهي بعين شاخصة. ذلك حق لا مراء فيه. أعرف أن طرق هذا الموضوع جديرٌ به زهاد القرون الأولى. هؤلاء الذي نقرأ عنهم ونعجب. وأدرك أنه زهد لا “ينسجم” و”متطلبات” عصرنا اللاهث. لكن “روحانية” الصيام تمنحني، شأن الصائمين في العالم، طاقة تأمُّل هائلة في هذا الملكوت وشوقا إلى معانقة تلك المعاني. من ذاق عرف، يقول الصوفية.)

كتبتُ هذه الكلمات في أواخر رمضان الماضي. شعرت وقتئذ بأنني أتخفف من كثافة جسدي. خلتني أقرب إلى تحقيق معنى إنسانيتي وانتمائي لهذا الجنس البشري.. هي تجربة شخصية يعيشها كل منا بطريقته: لا مجال لأدعياء العلم كي يخضعوا تجارب الناس العاطفية والروحانية لمشارط العلم ومباضعه. ما العلم؟ وما الدين؟ وما الروحانية؟..

دعك من المتفلسفين !

يستمرئ الإنسان المعاصر الحديث عن “الروحانية”.. “ميتافيزيقا” تُلوّن حياته الغارقة في “الماديات”. رياضات باحثة عن ما وراء الجسد. توحُّدٌ حالم مع الكون.. ثم لا تحدثه بعدُ عن الجياع الذين يملؤون الدنيا صراخا: روحانية أنانية تتخفف من أعباء الحياة في لحظات.. ثم تعود إلى عالمها المائر الفائر المضطرب !

وما تقول في الإيثار؟

في الحج نفسه يشهد الناس منافع لهم. “مصالح مشتركة” و”منافع متبادلة”: سنة الحياة يا صاح. ما لنا وللزهد والجياع؟ هكذا تقول الأنانيات المستعلية في عالمنا اليوم. نمط حياة جديد تسميه علوم العصر “برغماتية”.. وللمتباكين عن الجوعى في هذا العالم المتخم أويقات لممارسة “اليوغا” وفنون التأمل القادمة من شرق العالم وغربه !

لا مجال.. ! كوِّم إحباطاتك تحت إبطك وارحل بعيدا تناجي الشمس التي تلقي بنفسها في البحر عند الغروب. لون عينيك بحمرة الشفق المرتسمة على خد السماء.. واحلم. احلم على شاطئ البحر يا صديقي.. ثم عد إلى حياتك اليومية أشرس ما تكون.. فقد اكتفيت روحانية وميتافيزيقا واندغاما في الكون ومعه.

– والآن قل لي: ما تفعل الروحانية المحلقة، المتخففة من أعباء الحياة، في تهذيب أخلاق الناس، بله في أنسنة حياة الناس؟..

– يقول المتصوف: لا تسأل وامض في طريقك لا تلتفت ..!

2-

وأنا.. ما بالي أضرب في عوالم التأمل على غير هدى؟ ومالي أفلسف عالما لا يحب الفلسفة؟ قل ما شئت في كلمات وانصرف. وحبذا لو أرفقت كلماتك بصورة “معبرة”. لن يسمع أحد لكلماتك. سيشاهدون الصور وينصرفون هم أيضا.

اسمها “تواصُل” أيها البليد ! مهنة سهلة مريحة. الكوميناكاسيون، عملة العصر الرائجة. خذ أي دروس “تواصل” في أي معهد “خاص” وتعال. لا تفكر. ابتسم فقط. وحبذا لو كانت الأسنان بيضاء ناصعة والشعر ملتمعا. سبّلي عينيك ما أمكن ثم لا تبتئسي، فهذا الفن اسمه بالإنجليزي “كومينيكشن”.

ثم هوب.. اقفز قفزتك الأسطورية نحو المجد.

ما أسهل ما تبدو الحياة بمنظور الدعاية الإشهارية. حياة رغدة هنيئة لا يكدر صفوها شيء. يلهث الناس حول ما تصوره الآلة الإعلانية منتوجاتٍ للعصر وعلومًا للعصر وثقافةً للعصر.. بدائي من لا يعيش وفق نمط الحياة الذي يسوقه “الإشهار”. وكيف يفلت، وإن أراد، من سيل الإعلانات الزاحف على البيوت والشوارع في كل مكان ؟

سمِّه هوسا. لكن إنسان العصر مريض بما صنعت يداه. أستدير إلى الخلف فأرى كيف كانت حياة جدي بسيطة لا تعقيد فيها ثم أنظر إلى الأمام فيتملكني الرعب كيف صار ولدي (حفيده يا حسره) يعيش..

ما الذي حدث حتى انهدمت كل تلك الجسور؟ أهي التكنولوجيا؟ أهم نحن أم هم؟.. أحمد الله أن الإنسان في داخلي لم يمت. لا يزال ذاك الإنسان قادرا على التساؤل والاندهاش. لا أزال واثقا، أبعد من ذلك، أن الله خلق الإنسان ليسعد، لا ليشقى..

هي، بالنهاية، محض تأملات.. جاءت عفو الخاطر.. خارج السياق..

مع التحية الخالصة..

‫تعليقات الزوار

2
  • damir
    الثلاثاء 29 أكتوبر 2013 - 05:15

    كنت مريضا بلاكتئاب ولما ادركت ان الدنيا تخاريف شفيت في نفس اليوم .الة الادراك هي التي افتقدناها.

  • رشيد
    الثلاثاء 29 أكتوبر 2013 - 12:35

    لكل زمن اهله و قيمه و شكل اقتصاده و اساليب تعلمه ، مشكلتنا نحن اننا لازالنا لصيقين بعوالم قد خلت من قبل فاصبحنا نعيش بافكار و قيم بالية جدا عن قيم العصر الراهن ، حقا كان في الماضي البساطة و القناعة و الصبر ،نسمع هذا فقط ام هل كانوا حقا اجدادنا سعداء بالجهل و الامراض التي كانت تفتك بهم و قلة حيلتهم لا ادري ، نعم القناعة و الايمان والرضى بالقدر هي مفاتيح السعادة وربما الفوز بالحياة الاخروية ايضا لكن ان يعيش الانسان عصره ذلك افضل حال والعيش ليس معناها الحياة البيولوجية انما ان يشارك اهل زمانه في قضاياهم الرئيسية و ان يساهم في بناء الانسانية باي شيء ،اضعف الايمان بالنصيحة و الكلمة الطيبة ؛نحن و للاسف نشعر بالعجز و الاغتراب لكوننا لا نساهم في بناء الحضارة الانسانية الحالية باي شكل من الاشكال نحن فقط نستهلك ومنه لن نستفيد في شيء بل ستتضاعف معاناتنا فقط ،اننا نحيا في عالم غير عالمنا لا نفعم معظمه ،لهذا يرى البعض ان المفر هو الانسحاب نحو الاعتكاب و الترهبن و ترويض الذات على رفض الحياة و تامل الموت وما بعد الموت ،قد يكون هذا الاسلوب الانسحابي ناجحا للبعض ولكن لاادري ان كان بالامكان تعميمه على

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59 5

البوليساريو تقترب من الاندثار

صوت وصورة
قانون يمنع تزويج القاصرات
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 10:48 17

قانون يمنع تزويج القاصرات

صوت وصورة
المغاربة وجودة الخبز
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 09:59 18

المغاربة وجودة الخبز

صوت وصورة
نداء أم ثكلى بالجديدة
الإثنين 25 يناير 2021 - 21:55 4

نداء أم ثكلى بالجديدة

صوت وصورة
منصة "بلادي فقلبي"
الإثنين 25 يناير 2021 - 20:45 7

منصة "بلادي فقلبي"

صوت وصورة
ورشة صناعة آلة القانون
الإثنين 25 يناير 2021 - 19:39 5

ورشة صناعة آلة القانون