"تابولا راسا" Tabula Rasa

"تابولا راسا" Tabula Rasa
الخميس 23 يوليوز 2020 - 14:49

« أما الآن فقد حولت حبي إلى الله، وما الإنسان في نظري إلا كائن ناقص، فإذا ما أحببته قتلني حبه » نيتشه- هكذا تكلم زارادشت

لسنا في حرب مع الكورونا ..إنها مأساة عبثية بلا معنى؛ هذا قول ريجيس دوبري وهو محق إلى حد بعيد؛ فإذا كانت ثمة من حرب فهي مع الجهل الذي وضعنا أمام بداية جديدة لا يمكن أن تكون القيادة فيها إلا للمعرفة.. الفكر يبدأ حينما ينتهي الجهل، والجهل صار مجسد في السياسة التي انتهت بفعل فرط الخطابة وفي تغييب القيم إلى الموت؛ «عند الأزمة يجنح السياسي إلى التواري وراء مواقف العارفين (العلماء) ».. تصريح ثان لدوبري وهي الصورة التي عرت ورقة التوت الأخيرة عن الجهل الذي تتمرغ فيه نخبتنا ؟

العلاقة بين الجهل والسياسة وثيقة عكس ما قد يعتقده البعض؛ فالجهل لا ينشأ عن غياب الذكاء أو فقط عن قصور في التربية والتكوين؛ ولكنه ينشأ من صلب رؤية سكونية للعالم باعتباره صندوقا مقفلا غير قابل للتحول والتطور؛ ما يؤدي لتضخم الذات وصلابتها وتجذرها حتى تصير سدا منيعا يحجب الحقائق. عندما هجم كوفيد 19 بدون استئذان لم يكن مستغربا أن نرى الساسة على كل شاشات العالم وهم متوارين وراء العلماء مذعورين وتائهين، لا يفهمون ما يقال، وغير قادرين على فعل ما يتوجب فعله. جاء كوفيد 19 في الوقت المناسب كاختبار لا مفر منه للسياسي الذي صار عاريا وعاجزا وهو يستجدي اللقاح من العلماء؛ هؤلاء الذين صرحت إحداهن بشجاعة ناذرة مخاطبة أحد هؤلاء الساسة: (منحتم العلماء 1400 يورو في الشهر وأغدقتم على لاعب الكرة الذي لم يكمل تعليمه بالكاد 14 مليون يورو في السنة؛ فاذهبوا عند اللاعبين ليصنعوا لكم لقاحا يعالجكم).

أين يكمن خطأ الساسة الأزلي ؟..

في اعتقادهم الواهم بأنهم يصلحون المجتمعات بمواجهتهم للفساد: هذا شعار كل حملة انتخابية؛ لكن المفارقة أن السياسي بمجرد تمكنه من السلطة يصير هو مصدر الفساد؛ لأن السلطة بالشكل الذي ترسم به حاليا ليست سوى آلة للمكبوت؛ وليس الفساد سوى تحصيل للمكبوت. مأساة السياسي الذي طالما رفع الشعار الميكيافيلي الشهير: “الغاية تبرر الوسيلة” أنه انتهى عبدا لمكبوتاته؛ لذلك فهو ليس حرا في أفعاله لأنه لم يعد حرا في رغباته.. خطابه الاستعارة والمجاز التي تبعد عن الحقائق؛ أما لغة العلماء فهي الأرقام التي لا تقبل البداهة ولا الصدفة؛ وهذا ما يجعل المستقل إن كان هناك من مستقبل لهم. وازع السياسي المصلحة الضيقة وسلاحه الوحيد الخطابة المتعارض مع العلم؛ أما عقل العالم فرياضي ومنسجم مع القوانين الفزيائية للعالم.

نعاين بأسى كيف صرنا متوزعين بين نماذج جديدة للحكم الفردي وبين ديموقراطيات منهكة تعاني الخلل الذي أفضى بها إلى الشعبوية.. والسبب أن طبيعة العالم الذي نحياه والذي تم اختزاله في شاشة بفعل هيمنة الرقمي قد خلق وساطات جديدة للتعبير خارج الوساطات التمثيلية التقليدية.. وساطات اكتسبت قدرة هائلة على التأثير وعلى صناعة الصورة خارج وسائل الميديا التقليدية التي كان يتحكم فيها الساسة الرسميون. وهذا يعني ببساطة أن التمثيل قد توارى لصالح الاستعراض؛ والديموقراطية التي قامت في السابق على مبدأ لا ديموقراطية بلا صفة تمثيلية وبلا ممثلين سياسيين قد أصبح بلا معنى؛ لأن هذا السياسي بالذات هو من أصبح عبئا على كاهل الدولة والمواطن والمجتمع.. عاينا بأسى كيف لم يتردد المنتخبون في اقتسام التعويضات وخلق مجالس بلا جدوى بغية تمكين بعضهم البعض من امتيازات مادية على حساب اقتصادات منهكة أصلا؛ ورأينا كيف تحتج الأحزاب هذه الأيام على مقترح حذف الكوطا الخاصة بالشباب والتي لم تكرس سوى الريع؛ وعلى الداخلية التي قلصت ميزانية الجماعات.. كل ها التهافت ذلك في عز تفشي الوباء الذي ينذر بركود اقتصادي سيدوم لوقت طويل.

ما الذي تحصل لنا بفعل هذا الوباء ؟

صفحة جديدة بالتأكيد يتبوأ العقل فيها الدور المركزي في التغيير؛ فاعل التغيير ليس طبقة سياسية أو طاغية مستنير، ولا حتى ثورة شعبية أو إرادة حاكم ذي نية حسنة؛ فاعل التغيير هو العقل: ذروة العلم والتكنولوجيات الجديدة. لذلك:

لا ينبغي أن يكون هناك من هدف للسياسات الجديدة سوى فسح الطريق للعقل وللفكر

إعادة التفكير الجذري في مفهوم التعليم؛ ليس ما اصطلح عليه ب: “التعليم عن بعد” مجرد حل طارئ وترقيعي لمشكل الهدر المدرسي الناتج عن خطة الحجر الصحي، وإنما “التعليم عن بعد” هو جوهر القطيعة مع السلطة: سلطة (المعلم/ الفصل/ المدرسة) هذا الثلاثي الذي احتكر المعرفة لوقت طويل وانتهى بها إلى الجمود وعدم القدرة على مسايرة تحولات العلوم الجديدة.. “التعليم عن بعد” سيستمر كبديل لأنه هو الوسيط بين المعرفة والمشاركة الفاعلة مثلما هو استبدال لأصحاب الامتيازات الذين عرت سوأتهم كورونا (المدارس الخصوصية) هم وكل ورثة الماضي البغيض. إنه التكوين عبر الاعتماد على الذات حيث تحل المعرفة الخالصة محل تعسف الأخلاق البائدة؛ وحيث لا يلجأ المتعلم سوى إلى عقله وكفاءته الذاتية.. أليس في هذا إعادة لتأهيل الروح البشرية والسمو بها ؟

يطرح “التعليم عن بعد” فكرة مهمة؛ ألا وهي فصل العلم عن السياسة؛ تماما كما حدث في السابق عند المطالبة بفصل الدين عن الدولة.

كوفيد 19 هو المسمار الأخير في نعش التمثيل الذي توارى في السياسة كما في الفنون؛ انظروا مثلا وفي عز الحجر الصحي تمكنت السينما من تحقيق حضور بهي؛ في حين ازدادت عزلة المسرح بشكله التناظري المتقادم.. لماذا ؟ لأن مجتمعات الفرجة انتهت إلى الأبد.. طغى البلاطو بعمقه على اللوحة المسطحة؛ واحتلت الشاشات مكان الفرجات الحية؛ بحيث صار من المستحيل تصور علاقات إنسانية خارج الشاشات. أفول مبدأ التمثيل وتحوله هو مكمن أزمة الديموقراطية اليوم.

أليس كوفيد 19 سوى الجزاء العادل الذي نستحقه ؟

أزمة الإنسان المعاصر في اعتقاده الواهم بمركزيته في الكون؛ هو اعتقاد من بقايا تأثير اللاهوت في شخصيتنا وكل الأفكار التي أوهمتنا بأن العالم صنع خصيصا من أجلنا وأننا أرقى مصنوعاته؛ في حين يكشف العلم بأن الإنسان ليس سوى طارئ على هذه الأرض، لا يتعدى عمره مليون سنة في مقابل عمر الأرض الذي يفوق إلى 12 مليار سنة؛ وجدت الطبيعة قبل الإنسان؛ وبإمكانها أن تستمر من دونه، وربما قد يكون تطور هذا الكائن العاقل مجرد خطأ في الطبيعة ليس إلا مثلما يعتقد بذلك الكثير من العلماء؛ حجتهم في ذلك التدمير الهائل الذي احدثه الإنسان في الطبيعة والذي لا يزال متواصلا على أشده: حرائق الغابات، تلويث الشواطئ والجزر، التجارب النووية؛ مخلفات الوقود الأفوري.. ألم تكن فترة الحجر الصحي فرصة حقيقية تنفست فيها الطبيعة وتحررت خلالها الحيوانات ولو مؤقتا من أخطر وباء يهددها ألا وهو الإنسان ؟ .. صورت الكاميرات حيوانات تغزو المدن والشوارع بكل حرية دون أن تؤدي الطبيعة.. وخنازير تقتات من القمامات دون أن يحدث صراع بينها حول من يستحوذ على النصيب الأكبر؛ وغزلان ركدت وشردت حتى وصلت إلى شواطئ لم تطأها منذ قرون؛ وذئاب تركت البراري لتتجول بحرية في المدن الخالية من البشر؛ ومخلوقات بحرية طفت على السطح ولم نكن نعلم بوجودها من الأصل..

نسمي كوفيد 19 فيروسا؛ ومن خصائص الفيروس أنه يهجم جماعات على مساحة بعينها حتى يستنزفها بالكامل ثم ينتقل جماعة نحو أخرى وهكذا حتى التدمير الشامل؛ ووسط كل أحياء هذا الكوكب لا يوجد كائن له نفس خصائص الفيروس التدميرية سوى الإنسان.. فهل كوفيد 19 هو حقا فيروس يهدد الإنسان، أم أن الإنسان هو الفيروس الذي يهدد الطبيعة؛ وليست كورونا ومختلف الأوبئة التي يؤكد العلماء بأننا سنشهدها قريبا سوى مضاد للفيروسات anti-virus تطلقها الطبيعة لتحمي بها نفسها وتعيد التوازن المفقود بسببنا..؟

‫تعليقات الزوار

3
  • تاريخ الطبيعة
    الخميس 23 يوليوز 2020 - 16:47

    اختلف معك في بعض النقاط: فالطبيعة موجودة و حاضرة دائما إذ تجاهلتها بعض المجتمعات فتلك مشكلتها هي و غالباً ما تنتهي تجربة هؤلاء إلى مأساة : زلزال مدمر، تسونامي، إعصار جارف وفيضانات، جفاف، أوبئة. …كم من حضارة إنسانية ضربها وباء فتاك فانهارت معه إلى الأبد و اختفت من مسرح التاريخ. فالتاريخ الطبيعي موغل في القدم وعميق جداً و لا يمكن للتاريخ الإنساني إلا أن يندرج فيه، طبعاً لا أقصد بذلك أن التاريخ الإنساني يخضع لحتمية طبيعية لا يستطيع تغييرها و لا أن هذا "الحيوان" غير قادر على التأثير عليها و اكتشاف "سرها". بعض المنبهرين بالقدرات الإنسانية لا يملون من ترداد فكرة الإنسان المخلوق من طرف قوة عليا لأنهم يتجاهلون تماما فكرة رئيسية وهي أن البشر لم يظهروا على سطح هذا الكوكب إلا بعد ظهور الحياة بمليار أو ملياري سنة؟!! وبالتالي فهو نتيجة تجربة طويلة جداً للوجود الحي

  • Amaghrabi
    الخميس 23 يوليوز 2020 - 18:25

    مقال رائع من الاستاذ يوسف يحمل ملاحظات مهمة قيمة جدا,وكما قال الشاعر العربي العظيم ابو العلاء المعري"والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد" هذا الكائن الذي خلقه الله حيوانا عاقلا مفكرا حير الالباب وحير الحيوان كما حير الشجر والحجر,مع الاسف وصل هذا المخلوق الى درجة عالية من الانانية وحب الانا ولو على فتح سفك دماء اخوانه البشر واستغلاله عقله من اجل تدمير هذه الطبيعة الجميلة التي كما قلت استاذي المحترم عاشت الملايير من السنين وهي مرتاحة هادئة نظيفة وجاء هذا المخلوق المحير وفي مدة اقل من مليون سنة سفك دماءها ولوث جوها وضيع ماءها ومرعاها وخرب اشجارها وتربتها وما زال يزيغ ويزيد في انانيته بحيث 7مليون تعيش وتلعب في الاطعمة وترميها في القمامات و7ملايير تعشق في العيش البسيط وهمها الوحيد الحصول على خبزة صغيرة تسد بها رمقها وكوخ بسيط ترتاح فيه ليلها ,وان لم تغير كما قلت استاذي المحترم الكرونا هذه العقلية وتعيد البشرية حساباتها الخاطئة وتفكر في الذين يعانون ويعيشون الماسي والاحزان وتوزع بعدالة ولو نسبية خيرات هذه الارض التي هي ملك لجميع البشرية فسلام على هذا الانسان كما قلت وليس على هذه الطب

  • رأي آخر
    السبت 25 يوليوز 2020 - 01:35

    هل على كوكب ا لأرض كائن عاقل غير الإنسان ؟ طبعا لا وفي دعوة الكاتب إلى استخدام العقل للفكر كوسيلة مثلى تمكن من الخروج من المأزق التي لا تحسد عليه الإنسانية الآن مع ظهور وباء لم يؤخذ بالحسبان هي في أساسها دعوة ناقصة عندما تغيب جانبا مهما ألا وهو القلب مكمن المشاعر والعواطف هذا الجانب هو دائما المهمل في حياة الإنسانية وهو مكمن المشاكل التي تعاني منها في عصر التطور العلمي ويمكن أن نقول أن الإنسان كان أكثر عقلانية نسبة إلى العقل وأغزر علما نسبة إلى العلم ولكن بالمقابل كان فقيرا من حيث الأحاسيس والمشاعر والمواقف والأخلاق والقيم وإدراك الغاية من وجوده وغالبا ما كانت التطور العلمي لا تحكمه فلسفة أخلاقية على الأقل تحترم البيئة والقوانين الطبيعية ومواردها المحدودة ولا تهدد الوجود الإنساني وباقي المخلوقات الأخرى. باختصار ما نراه اليوم من مآسي وكوارث هو نتيجة لاستخدام سيء للعقل والفكر.ولربما سيصير العالم صورا مخزنة على شاشات الحواسيب مذيلة بعبارة كان العالم فيما مضى جميلا.

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 11

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 6

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 12

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق