تداعيات جيو-سياسية تواجه "أكبر كتلة تجارية عالمية" بقيادة الصين‬

تداعيات جيو-سياسية تواجه "أكبر كتلة تجارية عالمية" بقيادة الصين‬
الأحد 13 دجنبر 2020 - 11:48

أفادت ورقة بحثية بأنه بعد ثماني سنوات من المفاوضات، أبرم زعماء 15 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في 15 نوفمبر، اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (R.C.E.P) الذي يُعد واحدًا من أكبر الصفقات التجارية في التاريخ، ويعمل على إنشاء منطقة تجارة حرة بين كل من الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، ودول رابطة الآسيان العشر، وأستراليا، ونيوزيلندا؛ وذلك سعيًا إلى تقليص الحواجز التجارية بين هذه الدول.

وبخصوص دوافع إبرام الاتفاق، أشارت الورقة، المنشورة في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، إلى أنه لا يمكن الحديث عن اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة الذي تم توقيعه في منتصف نوفمبر بمعزل عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP)؛ فرغم أن الاتفاقيتين بدأ التفاوض عليهما عام 2012، وكلاهما لإقامة منطقة تجارة حرة؛ إلا أنهما كانت لهما أهداف مختلفة، وينظر إليهما بشكل كبير على أنهما مثال واضح للتنافس الأمريكي-الصيني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وأبرزت المقالة أن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي تم التوقيع عليها عام 2016 بين اثنتي عشرة دولة (الولايات المتحدة، واليابان، والمكسيك، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وفيتنام، وبيرو، وتشيلي، وماليزيا، وسنغافورة، وبروناي)، كان ينظر إليها على أنها الآلية الأمريكية الأهم لتحجيم النفوذ الصيني المتزايد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ؛ إذ تضمنت أحكامًا واسعة النطاق بشأن الخدمات وحقوق الملكية الفكرية والنقابات العمالية المستقلة وحماية البيئة. كما دعت الاتفاقية إلى فرض قيود على رعاية الدولة للصناعات، وهو ما مثل تحديًا للصين لكي تخفف من قبضتها على اقتصادها.

وفي المقابل، بدأت الصين ودول رابطة الآسيان عام 2012 التفاوض على اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، في ما وصف بأنه رد صيني على قيام الولايات المتحدة باستثنائها من الانضمام لاتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، وتأكيدًا لنفوذ الصين في آسيا والمحيط الهادئ.

ولكن انسحاب “ترامب” من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ عام 2017، بسبب ما أسماها الممارسات التجارية غير العادلة، أدى إلى أن تقوم الدول الـ11 المتبقية بإتمام التفاوض على الاتفاقية، والتوقيع على الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP) عام 2018، وفق المصدر عينه.

إلا أن انسحاب الولايات المتحدة خلّف فراغًا سياسيًّا كبيرًا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ رأت باقي الدول الأعضاء في الاتفاقية أن الولايات المتحدة لم تعد حليفًا يُعتمد عليه، وما عزز ذلك الشعور تلك السياسات الخارجية التي اتبعها “ترامب” تجاه الصين، والتي اتسمت بأنها ذات طابع أحادي الجانب دون استشارة لحلفاء واشنطن في المنطقة.

ويرى عدد كبير من المراقبين للشأن الآسيوي أن انسحاب ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وتهديداته المستمرة لليابان وكوريا الجنوبية بسحب القوات الأمريكية من أراضيهما؛ مثلت السبب الرئيسي لقيام الدول الآسيوية بالمضي قدمًا بشكل مكثف في المفاوضات مع الصين للتوصل إلى اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة.

بنود “الشراكة الاقتصادية”

أشار المقال إلى أن توقيع اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة يخلق أكبر كتلة تجارية على مستوى العالم، إذ يدشن الاتفاق إقامة منطقة تجارة حرة تغطي سوقًا يبلغ قوامه 2.2 مليار شخص (أي حوالي 30٪ من سكان العالم). كما أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي للدول الخمس عشرة الأعضاء يبلغ 26.2 تريليون دولار (أي ما يقرب من 29% من إجمالي الناتج المحلي العالمي).

وعمل هذا الاتفاق على ضم الترتيبات التجارية المنفصلة التي سبق أن وقّعتها دول رابطة الآسيان (بروناي، وكمبوديا، وإندونيسيا، ولاوس، وماليزيا، وميانمار، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وفيتنام)، في اتفاقية واحدة متعددة الأطراف مع أستراليا والصين واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية؛ وذلك بهدف خلق منطقة تجارية في آسيا، على غرار المناطق التجارية بين دول الاتحاد الأوروبي أو أمريكا الشمالية.

ومن المنتظر أن يقوم الاتفاق بإلغاء بعض التعريفات الجمركية خلال 20 عامًا، كما يسمح للدول الأعضاء بالحفاظ على التعريفات الجمركية على واردات السلع والمنتجات في القطاعات التي تعتبرها مهمة أو حساسة بشكل خاص.

كما تجدر الإشارة إلى أن الهند كان من المقرر أن تكون جزءًا من هذا الاتفاق؛ إلا أنها انسحبت في 2019 بسبب تخوفاتها من أن إقرار هذا الاتفاق سيُغرق أسواقها بالمنتجات الصينية الرخيصة، وهو ما سيضر شركاتها المحلية. كما أعلنت الهند تخوفها من أن الاتفاق لا يضيف أي زخم لتعزيز التجارة في الخدمات، وهو ما تتمتع فيه الهند بميزة نسبية، لذا لم تجد نيودلهي منفعة اقتصادية تبرر استمرارها في هذا الاتفاق.

تداعيات متوقعة

يمكن التمييز بين نوعين من التداعيات لهذا الاتفاق:

1- التداعيات الاقتصادية: يرى غالبية الاقتصاديين أن التداعيات الاقتصادية لاتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة تعد محدودة، وذلك لأن التعريفات الجمركية بين العديد من الدول الأعضاء في هذا الاتفاق هي تعريفات مخفضة بالفعل، إما بسبب اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة بينها بشكل ثنائي، أو بسبب الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP). فعلى سبيل المثال، يتم إجراء أكثر من 70٪ من عمليات التجارة بين دول الآسيان العشر بدون رسوم جمركية بالفعل.

2- تحدي واشنطن: رغم محدودية الآثار الاقتصادية للاتفاق، إلا أن تأثيراته على الصعيد السياسي والجيواستراتيجيي هي تأثيرات جمة، فالرسالة الأساسية التي بعثتها الصين بتوقيع هذا الاتفاق كانت دحض تهديدات الولايات المتحدة حول إمكانية عزل الصين والتهديد بتغيير مسار سلاسل التوريد والتصنيع بعيدًا عنها.. فكأن الصين تؤكد اندماجها مع محيطها الإقليمي في اتفاق يستبعد تواجد الولايات المتحدة والهند أيضًا، وذلك لتؤكد أنه من الصعوبة بمكان أن يتم عزلها بأي شكل.

3- تعزيز الموقف التفاوضي مع “بايدن”: يمكن استقراء تأثير آخر لتوقيع هذا الاتفاق، يتمثل في وضع مزيد من القيود على إدارة “بايدن” في مفاوضاتها مع الصين حيال الحرب التجارية بين البلدين، وتقليص قدرة الولايات المتحدة على الضغط على بيكين لتعديل ممارساتها التجارية والاقتصادية، ما سيمثل تحديًا إضافيًّا لإدارة بايدن في تعاملها معها.

وخلص المركز إلى أن توقيع هذا الاتفاق يُعد انتصارًا دبلوماسيًا وجيواستراتيجيًا للصين، وفي المقابل فهو خسارة فادحة للولايات المتحدة، خاصة مع انضمام اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، أقرب حلفائها في آسيا والمحيط الهادئ، ما سيصعب مهمة إدارة بايدن في موازنة تنامي النفوذ الصيني في القارة الآسيوية.

ومن ثم فعلى بايدن أن يدرك أهمية تغيير سياساته الخارجية تجاه آسيا. وقد يتمثل الخيار الأمثل للولايات المتحدة لمعالجة هذا الموقف في إعادة انخراطها الكامل في الشبكات الاقتصادية الإقليمية الآسيوية جنبًا إلى جنب، مع الاعتماد على دور أمني نشط في بحر الصين الجنوبي.

أسيا اقتصاد الاقتصاد التجارة الشراكة الصين

‫تعليقات الزوار

4
  • مواطن غيور1
    الأحد 13 دجنبر 2020 - 12:15

    السلام عليكم
    ما الفرق بين العرب و الشعوب الأخرى؟
    العرب ما يجمعهم أكبر من أن يفرقهم، و هم متفرقون.
    الآخرون ما يفرقهم أكبر من أن يجمعهم، و هم مجتمعون.
    آمل أن تصل الرسالة قبل فوات الأوان.

  • wardi
    الأحد 13 دجنبر 2020 - 12:44

    الحاجة الوحيدة للي اثارت انتباهي هي ترامب..
    يعني رشقات ليه دار اتفاق ومللي مرشقاتش ليه خرج من الاتفاق..
    ؟؟؟
    اش كاين بخصوص الصحرا؟…
    اكيد الامر مرهون بعلاقتنا باسرائيل ولكن الادارة الامريكية الحاية خاص يكون عندها نفس الموقف..
    هاد ترامب رون الدنيا ومشى

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 7

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39 1

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 8

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 13

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 9

مطالب بفتح محطة ولاد زيان