تلفزيوناتنا المغربية: هل يمكن بناء نهضتها بعقل غير ناهض؟

تلفزيوناتنا المغربية: هل يمكن بناء نهضتها بعقل غير ناهض؟
الجمعة 10 يونيو 2016 - 12:22

سبق للمفكر المغربي الراحل الجابري أن تساءل في مقدمة كتابه “نقد العقل العربي – تكوين العقل العربي” قائلا :”هل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه؟”، وهو سؤال عقلاني خالص يشكل لدى الجابري ممرا ابستمولوجيا للتماهي في تماثليات هذا العقل وظروف تكوينه وآليات خطابه.

وليس عسيرا أن يخوض السؤال البدهي في تكوين العقل الجمعي انطلاقا من علاماته وتقاطعاته مع الابستمولوجي والايديولوجي، بل واقترابه سيرورة ومآلا فكريا للتاريخ الرسمي الذي تشيع من خلاله الدولة العميقة الأفكار والإواليات الموجبة للإخضاع والتبعية العمياء، بل وتناجي من خلال منظومات تسلطية دوائر حجر العقل الشعبي واستيهامه بما يغرر أفقه التفكري وتأويله للأشياء وانغماسه في بحور التناقضات.

في جانب استراتيجي لا يخفى على أحد ويثير قلقا وجوديا ومصيريا فائقا توظف الدولة ضمن سياساتها الرسمية برامج التوجيه والمتابعة للتلفزيونات التابعة لها، وفي نموذجية المغرب لا يوجد تلفزيون خاص أو حر كما هو معلوم، لمعرفتها المسبقة أن فعل هذا الصندوق العجيب يؤثر جماهيريا وعقليا على مشاهديه، ثقافة وسلوكا وطفرات معرفية وانتقالات تاريخية وحضارية، تجسدها قوة حضور الصورة ودلالتها في القابلية الذهنية والنفسية للمشاهدين، من كل الأعمار والمستويات العلمية والاجتماعية والثقافية والبيئات المجتمعية المختلفة.

ولأن نظريات فتنة التغريب وتغول ما يسمونه حوار الحضارات في ظل صراع نهضوي غير متوازن، حسمت فيه كفاءة ترويج صورة الحضارة الغربية عبر أخطبوطات فضائياتها وسرعة نقلها المباشر لجديد أحداث وحوادث المعمور، بل وتشكيل أنماط وثقافات مرتبطة بها، فإن الإقبال المشوه لهذه القابلية ظل مثار نقاش وجدل لا ينتهيان، زادت من اشتعالهما مستوى الهبوط الغائل في جسد المجتمع المغربي، من قبل معيقات تدبيرية لتلفزاتنا، إن على مستوى اختيار البرامج أو مستوى الإنتاج، بالإضافة إلى غياب طاقات إعلامية قادرة على مسايرة مستوى الحضور الثقافي والتعبيري، خصوصا في البرامج الاجتماعية والسياسية المباشرة.

بناء نهضة التلفزيون المغربي جاءت مقلوبة، على خلاف العقل الباني الذي يضع اللبنات الأولى للتأطير الإعلامي والمعلومياتي، باستحضار الخصوصية الإعلامية وتداولها على نطاق جماهيري لا يغفل مستويات وعمليات التثقيف والتثقف في سلة البرامج الفعالة.

فعلى أي أساس يتم تحقيق أهداف الرسالة الإعلامية في تلفزاتنا غير الإعلامية أصلا :

هل تكون من موجهات بيداغوجية تفاعلية تجعل من الخطاب الإعلامي وسيلة لاستثمار قدرات نهضوية، فيها الفكري والتربوي وتطوير أفق المتن الإعلامي، بما يخدم جوهر العملية الإعلامية التواصلية مع الجماهير؟ أم منغصات وترسبات مفاهيمية عتيقة، تتقوى من عشوائية التنظيم وقلة الخبرات وارتفاع منسوب التسلطية والفوبيا المخزنية، التي تتغذى أساسا من فائض التعليمات والتسويق المغلوط للرائج الرسمي، في عمليات لا يمكن وصفها بغير قلة احترام للذائقة الشعبية أو استحمار عقلانية الشعب والاستهزاء بمدخراته؟.

الأمر يدعو للنظر في مستقبل التلفزيون المغربي دونا عما يربطه بالحرس القديم، والذي لا تزال آليات عمله تتواطأ مع مدبري شؤونه إلى اليوم.

هل يستساغ عقلا أن تبقى الثقافة التلفزية في مغربنا الراهن مرتبطة بالقشور والسفاسف الهابطة، في مناشدتها لعقل تعدى حدود الاستقطاب الكوني والعوم داخل قرى العالم المتكتلة على شكل تقاطعات رافدها الأساسي مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية؟

ما الذي يعنيه تجميد الإصلاح في هذا التلفزيون الذي لا يعني شيئا، سوى الركون إلى تعرية المخزون العقلي المتبقي من جثث إنسانية لا تجيد سوى السباحة في عيون المسلسلات التركية واللاتينية المترجمة؟.

ومع ما يحوي هذا الركام الفاشي الفاشل من تجارب إدارة إعلام بلادنا، خصوصا في شقه البصري، من فوضوية وعبث مجاني وانعدام رؤية واعية بحجم علاقتنا بمناهج إعلامية توظيفية خطيرة، وتحويل كل قطاعاته المفككة إلى ماخور أخلاقي وثقافي ولغوي هجين وموجه، يكرس العدمية والإخراس والتعمية المبطنة، فلا فكاك من إعادة الدعوة إلى لزوم التسريع بهدم هذه المنظومة المريضة وإعادة تصحيح مسارها، ولن يكون ذلك واقعا مادام قادة تلفزيوناتنا غير الميدانيين، الأصنام المتبعة، لا زالوا يعيثون في رؤى الحقائق فسادا وبهتانا مبينا.

لا يعقل أن تظل حلقة التفويضات غير الدستورية خارجة عن سياق الدمقرطة الإعلامية ببلادنا، في القناة الثانية التي يحكمها كائن فضائي غير مسمى، كما في القناة الأخرى ميدي 1 تيفي، التي لا تحاسبها وزارة الاتصال ولا الهاكا ولا حتى المجلس الأعلى للحسابات، رغم توالي النكسات المالية والاختلالات المفضوحة في عديد ميزانياتها التي وصلت حافة الإفلاس، مع مارافق الأخطاء القاتلة لمديرها العام من فجوات إدارية ضاربة وقفزات فوق العادة لم ينفع معها احتجاج ولا قانون ولا قضاء ولا حكومة؟؟.

وعود على بدء، صدق الجابري مرة أخرى إذ لزم العقل الناهض بالاستشباع من فورة الفكر وتقدير الزمن وأحوال الشعب، كما هو تحديد جدوى النهوض وبلاغته الذاتية والموضوعية، فالانعتاق من أدغال الماضوية يعوزها الرقي بملكات العزم وعزائم التحرر من معيبات ومعيقات التنمية. والثقافة هي مناط هذه الفورة، وبدونها تصبح النهضة عبر العقل دون ملامسة أفق تقعيده وتمتين قواه الخلقية والخلقية نوعا من التخريف والخروج عن دائرة النهضة.

* إعلامي وباحث من مراكش

[email protected]

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 8

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40 2

هوية رابطة العالم الإسلامي

صوت وصورة
تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 17:16 2

تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
منع احتجاج أساتذة التعاقد
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:41 29

منع احتجاج أساتذة التعاقد

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59 18

البوليساريو تقترب من الاندثار

صوت وصورة
قانون يمنع تزويج القاصرات
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 10:48 31

قانون يمنع تزويج القاصرات