تمارين في قتل السياسة

تمارين في قتل السياسة
الإثنين 30 يونيو 2014 - 22:10

أغلب الفاعلين السياسيين، ممن سقطوا أو أسقطوا وهم في منتصف الطريق إلى قيادة أحزابهم، أصبحوا يحذرون الدولة من مغبة قتل السياسة.

تحذيرات فيها غمز إلى أن الدولة تدخلت لحسم نتائج المؤتمرات الحزبية لجهة ضد أخرى، بقدرما فيها تذكير للدولة بأن الأحزاب كانت دائما تلعب دور المَصَدّ (Le pare-choc) الذي يتلقى الضربات ويمتص الغضبات الشعبية عوضا عن النظام.. وبأن إضعاف الحقل السياسي وإذكاء مزيد من التناقضات داخل الأحزاب، سيضع نظام الحكم في مواجهة مباشرة مع الشارع.

لا يُذكِّر هؤلاء الفاعلون السياسيون الدولة بدورهم في النضال الديمقراطي، لأن هذا المسار كان في مواجهة استبدادها، وهم ليسوا مستعدين ولا قادرين، اليوم، على مواجهة الدولة بالقول لها: إما أن تحترمي قواعد الديمقراطية أو انتظري معارضتنا لك. لذلك يكتفون، وبكثير من الاحتشام، بالقول: إذا استمرت الدولة في إضعاف أحزابنا، بالتحكم فيها، فستجد نفسها في مواجهة الشارع الغاضب وغير المنظم. هذا التحذير شبيه بالذي كانت بعض القيادات الحزبية، حتى الأمس القريب، تروج له: إذا فرطت الدولة فينا فستواجه اكتساح الإسلاميين.

وقد أبانت التجربة أنه رغم تفريط الدولة في «الأحزاب الديمقراطية» في 2002، فإن هذه الأحزاب لم تفرط في الدولة، بقدرما فرطت في المنهجية الديمقراطية؛ كما أبانت التجربة أن الإسلاميين وإن فازوا بأغلبية المقاعد البرلمانية في انتخابات 2011 فإنهم لم يكتسحوا، بل تأكد أن «Le pare-choc» الإسلامي أقوى من نظيره «الديمقراطي»، فالإسلاميون لم يتصدوا فحسب للكمات الموجهة إلى الدولة، بل اجتهدوا في الرد على بعضها، بالكلام حيث يُستحب السكوت.

خلال الندوة التي نظمتها «المساء» يوم الأربعاء الماضي، تحت عنوان: «مخاضات الأحزاب الوطنية وسؤال الديمقراطية.. الهوية والبنية الاجتماعية»، أثيرت مسألتان متفرقتان، لكنهما تقدمان، في حال جمعهما، صورة حقيقية عن الحالة السياسية بالمغرب:

المسألة الأولى، أثارها محمد الساسي بقوله: إذا افترضنا أن حكومة بنكيران لا تمارس سوى 30 في المائة من الصلاحيات التي يمنحها إياها الدستور، فإن أحزاب المعارضة لا تعارض سوى هذه الـ30 في المائة من القرارات، دون أن تجرؤ على معارضة الـ70 في المائة من القرارات التي يتخذها الحكم.. وإذا حدث، على هذا الأساس، أن الحكومة لم تعد تـُنتج سوى 1 في المائة من القرارات، فإن هذه المعارضة ستكتفي بمعارضة هذا الـ1 في المائة؛

المسألة الثانية، أثارها أحد الحاضرين داخل القاعة، حين تحدث بعفوية صادمة عن كلفة الأحزاب السياسية والعملية الانتخابية.. دون أن تكون للعملية السياسية أية مردودية على مستوى تجويد حياة المغاربة التنموية أو التشاركية.. لذلك فقد دعا هذا المتدخل الدولة إلى إلغاء الأحزاب، واحتكار السيادة والسياسة.

لأي شيء تصلح الأحزاب إذا كانت لا تحكم ولا تعارض.. هل تصلح لامتصاص الضربات الموجهة إلى الدولة؟ حتى هذا الدور بدأ يسحب منها تدريجيا، ويسند -أفقيا- إلى فاعلين جدد هم: الجمعيات غير الحكومية، المرتبطة بالدولة، وإلى فاعلين قدامى، متجددين، هم: الأعيان، الذين استعادوا بريقهم ووسعوا مجال انتشارهم السياسي والمجالي ليطؤوا، بالإضافة إلى الأحزاب الإدارية والبادية، «الأحزاب الديمقراطية» والمدينة. هؤلاء هم من يشكل، اليوم، صمامَ أمان بين الدولة والشارع.

أما عموديا، فإن الموظفين الكبار في الإعلام والمال والقضاء.. يلعبون بيقظة وحزم دور المراقبة والتصدي للحكومة والأحزاب والجمعيات والصحافة المستقلة.. متأهبين لصد أي انفلات قد يصدر منها نحو الدولة.

إذا كان الحسن الثاني قد وجد نفسه، في آخر عهده بالحكم، مدفوعا من جيل ابنه المتطلع إلى الإصلاح والانفتاح، فوضع يده في يد عبد الرحمان اليوسفي الذي ينتمي، عمريا، إلى جيله، وفكريا إلى جيل ولي عهده.

فإن محمد السادس وجد نفسه، في أول عهده بالحكم، مثقلا بجيل والده المتحسر على تراجع سطوة الدولة وهيبة رجالها، فوضع يده في يد أشخاص ينتمون، عمريا، إلى جيله، وفكريا إلى جيل والده، وهؤلاء فكروا في تأسيس حزب للدولة، رصدوا له ذراعا تنمويا بإمكانيات مالية ضخمة، وعندما هبّت رياح التغيير، قوية، مع حركة 20 فبراير، اتجهوا نحو بسط اليد على كل الأحزاب التي لم تعد تجد حرجا في القول بأن برنامجها هو برنامج الدولة.

وهم لا يزالون، كذلك، يجربون تارة قتل الأحزاب، وتارة إنعاشها، بهدف واحد هو إفراغ العملية السياسية من جوهرها، وجعل السياسيين يلعبون كل الأدوار عدا المنوطة بهم: تأطير المواطن، وتشريح المجتمع وتشخيص أمراضه، وكتابة الوصفة اللازمة لعلاجه، وطرحها للمنافسة الانتخابية، ثم تطبيقها والمحاسبة عليها.

‫تعليقات الزوار

2
  • خ/*محمد
    الثلاثاء 1 يوليوز 2014 - 06:06

    ان القلة الحاكمة, دائما غنية لديها المال .وهي تصنع فريقا كبيرا من غمار الشعب تمنحه القليل من المال وتبيحه جزءا من السلطة فيكون لها الخادم المطيع والحارس الامين*
    اذا كان( لا اكراه في الدين) فمن باب اولى رفع الاكراه من بقية الامور وخاصة السياسة ;لان السياسة التي تاتي بالاكراه ليست بسياسة وليست برشد ,وانما هي غي وبغي;لهذا سمى المسلمون الخلفاء الذين جاءوا بدون اكراه سموهم الراشدين*وهذا اصل عظيم للشرعية السياسية في الاسلام ,واصل نظام المجتمع*

  • متتبع
    الثلاثاء 1 يوليوز 2014 - 10:29

    "وهم لا يزالون، كذلك، يجربون تارة قتل الأحزاب، وتارة إنعاشها، بهدف واحد هو إفراغ العملية السياسية من جوهرها، وجعل السياسيين يلعبون كل الأدوار عدا المنوطة بهم: تأطير المواطن، وتشريح المجتمع وتشخيص أمراضه، وكتابة الوصفة اللازمة لعلاجه، وطرحها للمنافسة الانتخابية، ثم تطبيقها والمحاسبة عليها."
    من هؤلاء الـ "هم"؟ الذين يفعلون بالأحزاب ويجعلونها مفعولا بها ويهدفون إلى إفراغ العملية السياسية من جوهرها ويجعلون السياسيين يلعبون كل الأدوار عدا تأطير المواطن، وتشريح المجتمع وتشخيص أمراضه، وكتابة الوصفة اللازمة لعلاجه، وطرحها للمنافسة الانتخابية، ثم تطبيقها والمحاسبة عليها؟
    إذا كان هذا هو حال الأحزاب وحال السياسيين وحال السياسة الحالية والسابقة وربما المستقبلية بالمغرب فمن حقي كمواطن مغربي أن أتساءل عن الجدوى من وجود هذه الأحزاب وعن الجدوى من وجود هؤلاء السياسيين الذين لا يجرؤ أحد منهم على فضح هذا الواقع والعمل على تغييره.
    أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل المغاربة يكفرون (بالأحزاب وبالسياسة والسياسيين على الطريقة المغربية) لأنها لا تقدم لهم أي شيء بل تجتهد في اقتسام الكعكة والتواطؤ مع …

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 2

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40 1

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 14

تحديات الطفل عبد السلام