ثورة الشعوب وأفول الأساطير

ثورة الشعوب وأفول الأساطير
الأربعاء 9 فبراير 2011 - 19:03

عندما يتحول الفضاء الافتراضي إلى آلية للثورة على الواقع المادي، أي عندما يصير الافتراضي إنجازا واقعيا، بتعبير جون بودريار ( (les stratégies fatales، فإنه سيفضي لا محالة إلى الانذهال والانفلات من كل الضوابط الاعتيادية لصناعة الحدث وتشخيصه وقراءته.


فتدبير “الواقع” وفق منطق وهواجس الدولة والنظام العام يسعى إلى جعله باستمرار واقعيا أكثر فأكثر، ويتأتى لها ذلك بالتحكم في حركيته وتحولاته وتفاعلاته عبر ضبط توجهات الأفراد وحريتهم وممارساتهم، وذلك عبر سن قوانين الحريات العامة والأحوال الشخصية والصحافة والتحكم في الممارسات السياسية والنقابية، وفي النشاطات الاقتصادية…بيد أن أكثر آليات الضبط والتحكم وصناعة الواقع نجاعة هي التحكم في التفاعلات الاجتماعية وفي فعل “التجمهر”، ليس في أشكاله المادية والجسدية فقط، تلك التي تزعزع الشرعيات والقوانين وتنتهي إلى العنف والانفلات من ضوابط الهيمنة والسيطرة، بل في صيغه الفكرية والإيديولوجية أيضا، سواء المؤطرة أو العفوية. فما يهدد النظام هو التقاء الجماهير، والتفاعل العفوي للواقع.


فنظام الدولة يوظف السلطة وآليات الهيمنة لإبقاء واستمرار الواقع، ومن تلك الآليات تشتيت الأفراد وتفريق الجماعات عبر مؤطرات إيديولوجية وتنظيمية، كالأحزاب والنقابات والجمعيات التي تُسهل التوجيه والتحكم وخلق مساحات “للصراع المشروع” حول الحكم والثروة والقيم. إنه إطار الدولة التي تنتظم في حكومة ومعارضة، وباترونا وشغيلة، وأجهزة الاستغلال والهيمنة مقابل الإطارات الحقوقية والمدنية …حيث تبقى الشعوب مؤطرة، أو بالأحرى رهينة، داخل هذه الانتماءات والصراعات القابلة للضبط. لكن يبدو أن زمن الواقعية السياسية والاجتماعية لهذه المعادلات والمؤطرات والأشكال “الشرعية” للحرية والهيمنة صار يتراجع لصالح الافتراضي والعفوي والمباغت، حيث يتأكد مع الأحداث والثورات والانتفاضات الشعبية التي نشاهد أطوارها أن الشعوب لم تعد في حاجة إلى الوساطات، سواء التنظيمية أو الإيديولوجية التي فقدت شرعيتها ومصداقيتها، كالأحزاب والنخب والقيادات، من أجل التعبير عن مطالبها وطموحاتها في التغيير والكرامة والتقاسم العادل للثروة والسلطة، ذلك أنها اختارت الالتقاء في فضاء الافتراضي للانفلات من الرقابة والتسييج المفروض، والانطلاق منه إلى الواقع لمواجهة السلطة وجها لوجه.


لقد كان ولا يزال هاجس السلطة هو ضمان استمراريتها، وذلك تحت مسميات عديدة كحفظ الأمن العام و صيانة الاستقرار، وقد تتبعنا كيف أقدم على ذلك نظاما الحكم في تونس ومصر بشكل متصلب، عبر منع التواصل أو تقنينه والتحكم في التقارب عبر العزل ومنع المفعول الوسائطي، وذلك للحيلولة دون التجمهر الافتراضي، فكانت النتيجة هي انتفاضة الشعوب وقلب الواقع، لأن اللاّتواصل، كما كان قد خلص إلى ذلك خبير الوسائطية بيير بابان (langage et culture des médias)، هو الحرب.


نحن إذن أمام أحداث وثورات من نوع مغاير ستفضي لا محالة إلى واقع جديد تؤسسه تعاقدات جديدة ما بين الحاكم والمحكوم، مادام الحكم سيبقى قائما. انتفاضات تولدت من رحم “الافتراضي”، واندلعت في واقع الحرب والاستبداد الذي تفرضه الأنظمة الحاكمة على الأفراد والشعوب. ثورات لم تؤطرها أحزاب ولا نقابات ولا جماعات، ولم توقدها إيديولوجيات ثورية ولا معارضات، وانتفاضات صنع شرارتها شباب لم يعد يستسيغ “حگرة” الحكام والمستغلين، فاندلعت بعفوية وحرية من على صفحات وسائط التواصل التي حررت أحلام الجماهير من قبضة واقع محدداته الأساسية هي المنع والتأجيل واللاّتواصل.


لقد خرج التونسيون والمصريون، وسيليهم آخرون لا ريب، من “واقعية”، أو بالأحرى أساطير، علاقة الحاكم بالمحكوم، والشعب بالدولة، والرعية بالراعي، وما يحكمها من إطارات تنظيمية ومحددات للانتماء، فتحرروا بشدة من واقع السيطرة عبر بوابة “الافتراضي” التي تستضيف الجميع بسخاء وحرية وتوحده ضد خصمه الأكبر الذي هو اللاّتواصل واللاّديموقراطية واللاّحرية واللاّكرامة، وذلك دون تفييئ أو تفريق إيديولوجي أو سياسي أو مصلحي، وقرروا أن يتجهوا جميعا نحو مستقبلهم المشترك لانتزاعه من قبضة التأجيل . وقد تابعنا كيف استطاع المتظاهرون الذين يقودهم الشباب الغاضبون، تشكيل لجان شعبية في محاولة لتنظيم أنفسهم والتصدي للانفلاتات التي تهدد بنسف أو استغلال انتفاضتهم، سواء كانت تخريبية أو انتهازية، كشعارات بعض الجماعات والأحزاب أو الولاءات لبعض الأشخاص، مما يوحد الحركة الاحتجاجية في مواجهة الحاكم.


يتضح أن زمن الانتدابات السياسية والوساطات التنظيمية بدأ يولي ولو لمرحلة حاسمة، فالشعوب قررت مواجهة الدولة بشكل “أبوكالبتيكي” apocalyptique لتحقيق طموحاتها المؤجلة في الكرامة والحرية والعدالة والاعتبار. فبعد عقود من الديمقراطية الشكلية والانتخابات المغشوشة، والمؤسسات الواهية والوسطاء الانتهازيين، والبرلمانات والحكومات الساخرة، وما صاحب ذلك من أوهام الاستقرار والسلم، و واقع الاستبداد الأعمى، قررت الشعوب أن تأخذ بزمام قدرها ومصيرها.


لقد لاحظنا كيف أن أساطير الحكم التي تصل حد التأليه، لم تعد صالحة لنيل ثقة الشعوب أو تأجيل انتفاضتها، حيث استطاع الافتراضي أن ينزع عن الواقعي قدسيته المزعومة ويبعث في الأفراد “غريزة الحياة” وفطرة الوجود بالفعل. فأساطير الهيمنة التقليدية من قبيل صور “القائد الحكيم” مقابل ” الشعب القاصر”، و”البلد العظيم”، و”النظام والشعب العريق”، و”المؤمن الصبور”…، لم يعد لها مفعول في المتخيل الشعبي الجديد الذي يتغذى يوميا من الفضاء الافتراضي والوسائطي، وما يعج به من صور ونماذج ورموز الحداثة والحرية والاستهلاك والحلم، والرغبة في الحياة.


قد تعود ثقة الأفراد والشعوب في الأحزاب والنقابات والمؤسسات، وفي الدول والحكومات، بعد حين، لكن المؤكد أن ذلك لن يتم إلا بعد أن تصير ممثلة فعلية لهم، تعبر بشكل مباشر ونزيه عن طموحهم في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، لا مجرد وساطات تنظيمية للحكام والفئات المستغلة، وألوان ممسوخة تأثث فضاء “السيرك السياسي”، أو معابر فاسدة وحناجر انتهازية تذر الرماد في العيون والأذان والعقول، وتؤجل التوق الجارف للحرية وإرادة الحياة.


إن أسلوب الدساتير المفروضة، وهيمنة الفئات المحظوظة، والنخب الفاسدة، والاستغلاليات المتوحشة، وبلاغة السياسات والمشاريع الرشيدة، والمنح الكريمة، ولعبة التواطؤات المفضوحة، وخطابات التاريخ والهوية المزورة…وغيرها من طقوس وخمائر وصفات الحكم وآليات الهيمنة، لم تعد تنطلي على الأفراد والشعوب التي تحرر شبابها من هواجس الماضي والخوف والخنوع الأسطوري، وصار يتطلع بحزم وجودي وعنفوان حالم إلى تقرير قدره الفردي والجماعي.


لعلها مرحلة جديدة في حياة الشعوب ومفهوم الدولة تتشكل، ستفضي لا محالة إلى إعادة صياغة معادلات السلطة والحكم، والتأسيس لتعاقدات مغايرة ما بين الشعوب والحكومات، وذلك وفق منطق ومسوغات جديدة للشرعية والمشروعية السياسية، والتقاسم العادل للثروة والسلطة، يمسك المواطنون – وليس الحاكمون – بزمام ضوابطها والتزاماتها، وبحرية قبولها أو نقضها وتغييرها، وذلك وفق متطلبات الصالح العام والمستقبل المشترك.

‫تعليقات الزوار

4
  • Karim
    الأربعاء 9 فبراير 2011 - 19:07

    L’opportunisme enfantin , est une seconde nature chez ce scribe de “Mythe Amazigho-hahi”..!.
    En tout cas ,ton baratin ne clarifie en rien les questions essentielles:
    -1- Es-que les tribus de Ait Zélten, Ida-Outanane,Ida-Oubénssir,Ida-Ouzinkid et Ida-Ougnidif feront partie intégrante de la fédération de la république de la grande Haha en projet?
    -2-Es-que les cousins Chiadmis Arabophones ferons partie de cette République de la grande Haha..!?
    -3- Les Ida-Oubenssir n’accepterons jamais q’un “Hihi” de ton acabit , les commandents..! , et je parle en connaissance de cause

  • ahmed le philosophe
    الأربعاء 9 فبراير 2011 - 19:09

    cet article de mr el hahi montre que le changement est une fatalite historique.mais le contexte se differe d un country a l autre.il y a des countries qui n ont jamais deguste le pluralisme culturel et politique.d autres qui n ont jamais connu la culture de la protestation .dans the street…donc chaque pays a ses specificite…ici au maroc je mets ma main dans la main de ceux qui sont avec la continuite du regime monarchique avec l acceleration des reformes et la creation d une autre generation de reformes en consolidant les acquis democratique

  • amzil11
    الأربعاء 9 فبراير 2011 - 19:11

    ” أساطير الحكم التي تصل حد التأليه”…
    الواقع أن هذا التحليل قابل لعكسه حتى على الثائرين على تقديس الحاكم، كما أشار إليه عدد من الملتصقين بأكثر من انتفاضة-ثورة مثل حسنين هيكل. ذلك أن ألق الشعار و التلذذ بالشقاء من أجل تحقيقه يشبه ذلك الصبر و العناء الذي تكبده “المؤمنون من أجل دين جديد منبوذ و مُُُُُّّّّّحارب.
    في النهاية يجب علينا أن ننتبه ألى عدم تأليه الحرية بما هي مخدر قد يصبح إدمانا مدمرا للشخصية الجمعية… فالغاية هي العدالة المطلقة وليس الحرية “المطلقة” كما اتى عليها الكواكبي ذات زمن بطيء.

  • yuba
    الأربعاء 9 فبراير 2011 - 19:05

    مقال علمي جيد ورأي مبني يحاول مساعدتنا على الفهم، ولا يتحدث عن المغرب كما تخافمن ذلك بعض التعاليق الاستخباراتية،
    و الحاحي معروف بصراحته وكفاءة التحليل

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 3

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 6

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 10

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار