ثورة الفايسبوك أو حصان طروادة؟

ثورة الفايسبوك أو حصان طروادة؟
الأحد 23 يونيو 2013 - 23:37

تداولت وسائل الإعلام دور الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي في اندلاع ربيع الشعوب، وتناقلت بعضها أخبار المدونين وبطولاتهم في تحريك الشارع بعيدا عن رقابة الدول.

ومع سقوط النظام التونسي اعتقد الكثيرون أن الدول أصبحت عاجزة عن التحكم في التواصل بين مواطنيها و تنظيمهم لتحركات شعبية قوية في الشارع ، كما تناقلت التحاليل دور هذه الشبكات من فايسبوك وتويتر وغيرها في سقوط أنظمة بكاملها بداية بالنظام التونسي والمصري واستمرار الحراك ضد أنظمة أخرى.

أعترف أنني كنت من الأوائل الذين ابتهجوا لدور هذه الشبكات الافتراضية في تحريك الشارع وآمنتُ بيقينية بليدة أن هذه الشبكات التي أطلقها نظام السوق بهدف الربح كانت وبالا على الكبار، وعلى السوق، وعلى زعماء العولمة المتوحشة، واعتقدت أن تعقيدات هذه البحار والطرق السيارة من المعلومات ومن مجالات التواصل قد فتحت على البشرية مرحلة جديدة أصبحت فيها المعلومة ملكا للجميع، وأصبحت وبالا على الطاغوت، وأصبح التواصل بين البشر لا يخضع لقوانين الدول وأنظمتها، وأن هذه الأخيرة أصبحت عاجزة عن التحكم في هذه الكرة الضخمة من خيوط شبكة عنكبوتية هائلة، شبكة قادت تحرّر البشر من تسلط الأنظمة ورقابتها، وفرضت على الأنظمة تغيير سياساتها مع المواطن الذي أصبح خارج تأثير إعلامها ومُنتجا لإعلام بديل ومُؤثر.

مرت سنوات على هذا “الانبهار” انهارت خلالها مصر أو تكاد، وتُواصل تونس لاهثة للخروج من عنق الزجاجة، واستأمن فيها المخزن حاله في المغرب بتوافق مع أبلد الاسلاميين في المنطقة، واستأمنت اسرائيل حالها بعد تطويق سوريا عربيا وإقليميا ودوليا، وفتحت أمريكا حوارها مع طالبان بعد أن استكملوا مهمتهم في تبرير غزواتها ، ولا زال بعضنا يعتقد أن شبكات التواصل الاجتماعي تُحرج وتهدد الدول العظمى وصنائعها في المنطقة.

بالمقابل تفجرت فضيحة القرن بامتياز والمتعلقة بتجسس بريطانيا والولايات المتحدة على البشر ومحاولتهما رصد أنفاس الناس وأسرارهم عبر الشبكة العنكبوتية وشبكات التواصل الاجتماعي. وتبين من تصريحات الجاسوس الأمريكي المختبئ في هونكونغ إدوارد سنوودنEdward Snowdon أن هذه الأخيرة تتجسس على الدول وعلى المؤسسات وعلى الخواص، وأن هدفها الاستراتيجي هو توجيه الرأي العام عبر التحكم في هذه الشبكات وتطوير آليات تحكمها في الجماعات وفي المجتمعات وتوجيهها نحو مواقف وتحركات تلائم الاستراتيحية المرسومة سلفا من طرفها، وعرضها كأنها مطالب للشعوب تتجاوب معها هذه الدول بديموقراطية.

حسب نفس الجاسوس الأمريكي أنه باستثناء تونس التي كانت مرحلة تجريبية، باقي الانتفاضات من مصر مرورا باليمن وسوريا تمت البرمجة لها وترتيب فصولها بدقة واستباقية وفّرتها شبكات التواصل الاجتماعي المُخترقة، كما أن التحكم في هذه الانتفاضات تم بشكل مختلف من بلد لآخر وحسب السيناريو المنشود لكل منطقة، وهذا ما لاحظناه من اختلافات في المنحى والهدف الذي تباين بين إسقاط رؤوس بعض الأنظمة (تونس، مصر، ليبيا واليمن )والحفاظ على بعضها بعد تعديل أجندة حكامها (البحرين، الأردن، المغرب والسودان، وربما الجزائر إلى حين) مع استمرار محاولة ترتيب الباقي لاستكمال أجزاء الصورة الجديدة للمنطقة.

قبل ذلك وفي سنة 2010 انتقل بدون ضجة تُذكر المسؤول الأول عن أمن الفايسبوك وأحد أدمغته اللامعة ماكس كيلي Max Kelly للعمل في وكالة المخابرات الأمريكية حاملا معه معلومات ما لايقل عن ألف مليون مشترك في الفايسبوك، وكان ذلك سنة 2010،أي سنة قبل اندلاع الثورة التونسية، ونعرف اليوم عبر تسريبات الجاسوس إدوارد أن ماكس كيلي تم استقطابه للعمل مع المخابرات الأمريكية من طرف الجنيرال كيت ألكسندر Keith B Alexanderمدير قسم تجنيد القراصنة بالوكالة الأمريكية، كما كان مسؤولا عن برنامج التعاون مع الشركة المالكة لبرنامج سكايب Skype للتواصل عبر الانترنيت قبل أن تقتنيه ميكروسوفت سنة 2011.

هناك من يضع في قلب هذه الاحتمالات كذلك ما يجري اليوم في البرازيل والتشيلي، خصوصا بعد أن أصبحت هذه الدول تُهدد بنموها المتصاعد الاقتصادات الغربية العليلة، وتقترب من تحالفات مُحتملة مع التنين الصيني، والدب الروسي والهند الصاعدة إلى جانب أخرى.

قد يبدو للبعض أن للمقاربة علاقة بما يُعرف بنظرية المؤامرة، أو أن في الموضوع انحياز لأطروحة البكاء على الأنظمة البائدة باعتبارها كانت أخف الأضرار، أو تبرير نوسطالجيا الدعم غير المشروط لسوريا البعث، أو غيرها من تبريرات، فهم أسباب نزول هذه التشكيكات التي أججتها فضيحة التجسس الأمريكي والبريطاني على العالم.

الحقيقة أنني ما فتئت أرفض نظرية تفسير فشلنا السيزيفي بمؤامرات تُحاك ضدنا، كما لا أجد أي مبررلاستمرار النظام السوري وقبله المصري أو التونسي باسم قومية عُنصرية بليدة، أوبمبرر الحفاظ على حصون المواجهة مع الوهابية القاتلة وتُجّار التطرف، كما أن انكشاف الاستراتيجيات الغربية اليوم لا يُبرر الشّوق إلى الدمى التي سقطت فقط لأن دورها انتهى.

في ظل هذا الكسوف وانفجار فضائح التجسس من حجم وثائق ويكيليكس سابقا، والدفعة الأولى من تسريبات الجاسوس الأمريكي إدوارد سنوودنEdward Snowden ، يحضُرني بقوة السؤال الذي غاب عنا في خضم فرحتنا بانطلاق ربيع الشعوب، سؤال من يراقب من؟ ومن يُحرك من؟

يتعلق الأمر بكيف صدقنا أننا تخلصنا من رقابة الأنظمة ومن سيطرتها على المعلومة ومن تحجيمها للتواصل بيننا بفضل الشبكة العنكبوتية وشبكات التواصل ، ونسينا أنها قبل تحريرها وتسويقها كانت اختراعات عسكرية سرية .

والواضح اليوم أن انبهارنا بها لم يكن صُدفة ولااستعمالنا لها انفلات أمني، بل كان جزءا من الاستراتيجية الامنية الجديدة ، و ما سرّبه الجاسوس الأمريكي الهارب يؤكد هذه الفرضية ويؤكد أن آليات التواصل التي ساعدت على سقوط بعض الأنظمة، هي نفسها التي تُشرف على مراقبتنا والتأثير في قراراتنا الجمعية، وأن صانعها ومُحررها يستعملها في مراقبتنا بدقة وتفصيل أكثر من السابق وبمحض “إرادتنا”.

رغم فرضية الشك وهاجس الحذر، وكلاهما يؤسسان للحقيقة التي نسعى إليها.

لست متشائما، بل يملأني اليقين بالنصر للحرية..

‫تعليقات الزوار

5
  • الله يعطينا وجهك
    الإثنين 24 يونيو 2013 - 00:54

    واش البوعزيزي

    كان مسالي

    للفايسباك

    والتريتور

  • Omar HENNANI
    الإثنين 24 يونيو 2013 - 05:52

    قبل أسبوع انتهيت من دراستي المقارنة بين مواقع التواصل الاجتماعي و الصحافة الإلكترونية حول فاعلية نشر الخبر و التأثير على المتلقي من خلال مواقع الويب 2.0 .بالتحديد بين هسبريس و فايسبوك أرغب في مشاركتها هنا معكم على صفحاتك يا هسبريس عما قريب . العالم الافتراضي غير الكثير في طريقة تلقينا للمعلومات عموديا و أفقيا صار بالسهولة الحصول على المعلومة لكن أيها أنسب لنا هل يمكن أن تحترم وسائل التواصل قدسية الخبر و الصرامة التي نشأت عليها السلطة الرابعة أم تنحصر الإجابة في الصحافة الإلكترونية . و هل الوسائط تعد في حد ذاتها بديلا عن هذه المحددات . من يصنع الإعلام الجديد أسئلة طرحتها ايتجمع معلومات عنها لكن لا زلت أترك نفسي منفتحا لتقبل آراء أخرى .

  • youssef
    الإثنين 24 يونيو 2013 - 10:48

    وها أنت سقطت ضحية تسويق استخباراتي يريد أن يؤثر في الشعوب والدول ويقنعها بأن هناك قوى لا تقهر، تسيطر على كل شيء وتوجهه، ولا حركة ولا سكون ولا حدث مهما صغر أو كبر إلا بأيديها، ومن لا يؤمن بها ويتخذ غيرها ربا يخشاه فله الويل وسوء العاقبة….إلخ إلخ، قد يكون شيء مما ذكت صحيح، إذ الكل يلهث وراء المصالح، لكنهم يمكرون ويمكر الله، والشعوب تستعمل الموجود، نعم كان للإعلام دور كبير جدا وهو أهم أدوات الحرب المعاصرة، لكن لا يملك هؤلاء توجيه كل شيء، هم يحاولون، لكن لن يفلحوا في تغيير وجهة الشعوب كلية، هم يحاولون مجاراتها وتوجيهها نحو مصالحهم، التي من المفروض أن تكون متبادلة، في غير تكافؤ في مرحلة ما، في أفق الاستقلال التام الذي لا زال أمامه انقراض أجيال الانهزام والهزيمة…

  • سميرة
    الإثنين 24 يونيو 2013 - 18:09

    على الأقل هذا الرجل يكتب ويبحث ويعبر عن آراءه بشجاعة تنقص من يكتب مو وراء الستار بأسماء مستعارة، قد يكون مُخطئا الأستاذ عبد الحميد لكنه على الأقل استطاع كعادته أن يستفز فينا الأسئلة والفكر النقدي وعدم الاستكانة الميكانيكية للجاهز، وفعلا أثارتني إشارته التالية "ما سرّبه الجاسوس الأمريكي الهارب يؤكد هذه الفرضية ويؤكد أن آليات التواصل التي ساعدت على سقوط بعض الأنظمة، هي نفسها التي تُشرف على مراقبتنا والتأثير في قراراتنا الجمعية، وأن صانعها ومُحررها يستعملها في مراقبتنا بدقة وتفصيل أكثر من السابق وبمحض "إرادتنا".
    في نظري هذا أبسط ما ستحاوله القوى العظمى والإمارات التي تعيش في فلكها، وبالمناسبة لا أفهم التحامل على الكاتب بسبب أو بدون سبب وكلما كتب والهجوم البليد، نعم البليد على شخصه بدل مقارعة ما يطرح من أفكار.. واضح أنه لا يعبأ لهؤلاء ويواصل منتجا كاتبا مُتألقا..

  • zakarov
    الخميس 27 يونيو 2013 - 02:43

    لعل الرفاق والإخوان في ال 20 لازالوا يكرهون من يكتب أو ينشر حقائق الربيع الأمريكوصهيوني …لا يهم ، سوف يتعلم صبيان الأنترنيت أنهم أتفه من أن تهتم الخارجية الأمريكية لمطالبهم وحقوقهم المشروعة أو المزعومة…وما صارت إليه تونس-ليبيا-مصر والآن سوريا هو الممر الوحيد الممكن لمسار ما سمي ربيعا وعربيا …

صوت وصورة
بوابة إلكترونية للتغطية الصحية
الجمعة 9 أبريل 2021 - 19:57 1

بوابة إلكترونية للتغطية الصحية

صوت وصورة
مشروع "اسمع صوتي"
الجمعة 9 أبريل 2021 - 18:36

مشروع "اسمع صوتي"

صوت وصورة
آية تتحدى التوحد
الخميس 8 أبريل 2021 - 17:43 16

آية تتحدى التوحد

صوت وصورة
احتجاج ضد نزع الملكية
الخميس 8 أبريل 2021 - 16:33 10

احتجاج ضد نزع الملكية

صوت وصورة
إتلاف كمية من المخدرات
الخميس 8 أبريل 2021 - 14:30 7

إتلاف كمية من المخدرات

صوت وصورة
بلبل يكشف سر النجاح
الخميس 8 أبريل 2021 - 12:11 3

بلبل يكشف سر النجاح