جورج لابَّاسَاد .. الرجل الذي كشف للعالم عن كنوز الصويرة

جورج لابَّاسَاد .. الرجل الذي كشف للعالم عن كنوز الصويرة
الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 10:10

إذا كانت الصويرة من بين المدن القليلة التي تزدهر بتراثها الثقافي، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى رجال شغوفين آمنوا بمؤهلاتها حتى في وقت كانت تعيش فيه على الهامش، متقوقعة على ذاتها.

من بين هؤلاء جورج لاباساد، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الذي خصص حيزا هاما من حياته لتسليط الضوء على الكنوز التي تزخر بها مدينة الأليزي.

لاباساد، الذي ازداد في 10 ماي 1924 بآربو (جنوب فرنسا)، ارتبط بعلاقة مثمرة بمدينة الصويرة، دامت حوالي 20 سنة، وذلك منذ اليوم الذي اكتشف فيه المدينة خلال سنة 1968. طيلة تلك السنوات، التي كان خلالها مدعوما بثلة من الشباب المثقفين والفنانين الصويريين من مختلف التيارات، قام لاباساد باستقاء وتحليل ونشر كل ما شكل جوهر تراث الثقافة الشعبية لهذه المدينة.

وبذلك استطاعت أهازيج الفلاحين أثناء موسم الحصاد، أغاني الفنانين والبحارة، الزوايا الدينية والنساء، وحتى أناشيد الأطفال التي كانت تغنى قديما داخل دوائر اجتماعية مغلقة، أن تتخطى الحدود، إذ نشرت نتائج الأبحاث التي قام بها لاباساد وزملاؤه المحليون، في أرقى الجرائد والمجلات والدوريات الوطنية والأجنبية.

كما أنه كان، بشكل أو بآخر، أحد رواد الدينامية الثقافية للصويرة، بالنظر لمساهمته المتميزة في أول مهرجان شهدته المدينة سنة 1980، الذي حمل شعار “الموسيقى أولا”، والذي، وبالنظر لمفهومه المتفرد آنذاك، أسفر عما كان يعرف ب”النموذج الصويري للمهرجان”.

غير أن السؤال يطرح حول مكونات هذه التوليفة الناجحة بين المسافر البسيط الذي كان بإمكانه الاستمتاع بالفضاء ويمضي لحال سبيله، وبين مدينة تمتنع عن البوح بأسرارها¿

يعتبر عبد القادر مانا، باحث أنتروبولجي وكاتب مغربي وأحد الصويريين الذي شاركوا في أبحاث لاباساد، أن عوامل عدة دفعت بالرجل المتعدد الاهتمامات (التحليل النفسي، علم الأحياء، العلاج النفسي المؤسساتي، علم النفس الاجتماعي، الإثنولوجيا)، للغوص في الحيز الثقافي لمدينة الصويرة.

فقد كان لاباساد، الذي قدم إلى الصويرة شابا باحثا، مهيئا، بفعل أبحاثه السابقة، إلى الاهتمام بالتراث الثقافي للصويرة، خاصة كناوة، كما يؤكد السيد مانا في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، مذكرا بأنه “حين كان يدرس مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، بتونس، كان قد بدأ حينها البحث في تراث السطمبالي، أي ما يضاهي كناوة، في كل من الجزائر وتونس”.

“كان يشتغل أيضا إلى جانب روجي باستيد حول الماكومبا بالبرازيل (ويعني مجموع الثقافات الإفريقية البرازيلية). كان أيضا شديد الاهتمام بموسيقى البلوز والجاز الأمريكيين، أي كل ما هو إنتاج موسيقي للساكنة الزنجية”، يوضح السيد مانا، مضيفا أن أعماله عبر العالم، جعلته يحظى بإشادة ليوبولد سيدار سنغور، الذي كان آنذاك رئيسا للسنغال، خلال المهرجان العالمي للفنون الزنجية، الذي نظم بدكار سنة 1966”.

“غير أن الأمر لم يقتصر على ذلك. فلدى وصوله إلى الصويرة، عايش لاباساد حدثا هاما شهدته الثقافة الكناوية، والذي يهمله التاريخ دون شك، غير أنه كان له أثر عميق على مستقبل الصويرة كمدينة ذات إشعاع ثقافي.

آنذاك، وفي إطار عرض ليفينغ ثياتر ” المسرح الحي” (فرقة المسرح التجريبي التي تأسست بنيويورك سنة 1947)، الذي كان يقدم على شاطئ الصويرة، كان يتم، وللمرة الأولى خارج الزاوية، إحدى “ليالي كناوة”. وكان وراء هذه المبادرة، المعلم الراحل عبد الرحمان باكو، الذي سيصبح في ما بعد، أحد نجوم فرقة ناس الغيوان”، كما يحكي ذلك السيد مانا.

في تلك اللحظة، تغير مجرى الأمور. “لاباساد باحث شغوف. حين يهتم بموضوع، يقوم بذلك بشكل كامل وطيلة الوقت. فبالتالي، وطيلة كافة فصول الصيف التي تلت، مع انتهاء السنة الجامعية، كان لاباساد يأتي إلى الصويرة ليكتب”، يقول السيد مانا، مستطردا، ” كان طوال الوقت يصبر أغوار الثقافة المحلية إلى جانب مجموعة من الفاعلين الصويريين.

وقبيل عودته إلى باريس في شتنبر، كان يرسل مقالا إلى، “لاماليف”، “لوبينيون”، “الأزمنة المعاصرة”، أو دوريات أخرى متخصصة في الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا بفرنسا. فقد نشر ما لا يقل عن 30 مقالا حول كناوة.

وبهذا النشر المتكرر لمقالات، رسخ الصويرة كمدينة لكناوة، ليقوم بذلك بدعاية كبرى لتراث كناوة، فبعد أن كان مهمشا كليا في البداية، ومتخندقا ضمن ممارسات وطقوس غامضة على مستوى الزوايا، أصبح معروفا على المستوى العالمي بفضل لاباساد، كما يؤكد الباحث المغربي.

غير أن عمل لاباساد لا يتوقف عند حدود البحث والنشر. ففي سنة 1980، شرع في مرحلة تطبيقية بشكل أكبر، تمخض عنها مأسسة التراث الثقافي من خلال إسهاماته في العديد من المهرجانات، من بينها “الموسيقى أولا”، للطيب الصديقي، الكاتب المسرحي الصويري.

في إطار هذا المهرجان، تكفل جورج بتنظيم مؤتمر حول علم الموسيقى العرقية، الذي انعقد بدار الصويري، يقول السيد مانا، مضيفا أن الأمر “يتعلق بمفهوم جديد في تلك الفترة، تم خلاله مواكبة التظاهرات الموسيقية بمائدة مستديرة حول الإثنولوجيا، شارك خلالها جامعيون ولكن أيضا معلمون كناويون ومقدمو حمادشة و عيساوة، ومؤدو الرزون في عاشوراء (أهازيج كانت ترافق احتفالات عاشوراء). كان بالإمكان إذن الجمع بين وجهات نظر متقاطعة حول كل حدث ثقافي”.

هذا المهرجان، الذي تم تخليده من خلال إصدار خلاصات المؤتمر ضمن مجلدين، أحدهما خاص بالغناء الشعبي (النساء، الحصادين، العيطة)، والآخر حول الأناشيد الروحية، كان، وكما يبدو، فرصة أخيرة لإنقاذ تراث كان يحتضر.

“إنها المرة الأولى التي تمت خلالها دراسة، وعن كثب، الحضرة عند حمادشة والحضارات، غناء غزاوة، عيساوة، كناوة، منظومة الزوايا التي كانت مهمشة وتعتبر كمجال شعبي دون أهمية”، يؤكد السيد مانا، مضيفا أن “هذين المجلدين سيصدران ضمن دورية ترانزيت التابعة لجامعة باريس 8، في ظرف استراتيجي كانت المدينة تفقد خلاله هذه الذاكرة والثروة التي لا تقدر بثمن.

يتعلق الأمر بتضافر للإرادة بين لاباساد، الذي جلب المنهج، وثلة من الصويريين الذين، وفضلا عن وعيهم الثقافي، كانوا يجدون جزء من تراث مدينتهم في كل ركن منها، في كل زقاق، وحتى داخل بيوتهم. هذا العمل، في نظر السيد مانا، كان حاسما في تحديد مستقبل الصويرة”.

“جورج جلب المنهج الإثنوغرافي، في حين كنت أنا نفسي، خليلي (ممثل ومغني)، بوجمعة لخضر (فنان) والآخرون، قد ترعرعنا في هذا التراث. جورج مكن بطريقة ما، وإن كانت غير رسمية، من مأسسة البحث في التراث الثقافي للمنطقة”، يقول السيد مانا.

ويختم بالقول إن “العمل الثقافي الذي أطلقه جورج لاباساد (الذي توفي في 30 يوليوز 2008)، أعطى نتائج ملموسة لحد الآن. فمع إغلاق آخر معامل تصنيع سمك السردين أبوابها، أضحت المدينة تعيش بفضل السياحة الثقافية، شئنا ذلك أم لا. فأصحاب الفنادق والمطاعم يستفيدون من عائدات الاشتغال على التراث”.

* و.م.ع

‫تعليقات الزوار

10
  • محمد كمال الهﻻلي
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 10:48

    قبل لا باساد هناك الستاد و المسرحي الطيب الصديقي المثقف الدي أعطى الكثير لمدينة الصويرة من إشعاع ثقافي و فني و أ تمنى ، و كما فعلتم مع ﻻ بساد، أن تخصصو مقال يثحدث عن الصديقي و مجينة الصويرة ﻹنه مغربي حتى النخاه و الساحة الفنية تعترف له بدالك لنعطي قيمة لفنانينا و مثقفينا قبل كل شيء

  • السياحة بالصويرة
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 11:18

    اذا كانت مدينة الصويرة تعيش على السياحة، فانها تحتاج الى تأهيل لا يتطلب استثمارا باهضا من قبيل العناية بالأغراس ةخلق حدائق على طول اسوارها على غرار شارع اليرموك بمراكش…وايلاء أهمية للنظافة..
    هناك العديد من الدور الايلة للسقوط تحتاج الى صيانة، ويجب توزيع الدور المشيدة قبالة البحيرة على من يستحقها عوض أن تبقى فارغة لسنيين وهي في طور التخريب الآن ..حرام.
    اعادة تنشيط الحي الصناعي أو اعادة تخصيصه لمنطقة سياحية تستقبل فنادق ومطاعم وحدائق ومنتزهات ودائق الألعاب..
    الميناء يوجد في حالة مزرية من حيث النظافة وعيب أن يبقى هكذا متسخا والروائح الكريهة تنبعث من بقايا الأسماك…وعرض السمك وبيعه وطهيه في نفس المكان يحتاج الى عناية خاصة من حيث التطهير الصلب والسائل والمراقبة الصحية…
    أما الغزوة فانها تحتاج لكل شيء ابتداء من الأمن……………….

  • Redouane Essaouira
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 11:34

    الصويرة مدينة غارقة في التهميش و البطالة، مشاريع البنية التحتية تبدأ و لا تنتهي، مصانع كانت تشغل بعض الشباب و النساء بدون التحدث عن ظروف العمل و الأ جرة، ميناء لا يستفيد من خيراته الا اصحاب الجاه و السلطان، و شباب غارق فالإ دمان، و كنوز كثيرة باقية……..

  • Karima
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 12:45

    Essaouira est une très belle ville , en plus sa population est très gentille , très serviable et très simple

  • souad aqrissa d essaouira
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 15:40

    c est la perle du mogador calme et romantique

  • cap3
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 17:55

    مقال جميل حول هذا المثقف والفيلسوف والكاتب الجمالي جورج لاباساد حرره باحترافية الصحافي بوكالة المغرب العربي للأنباء علي رفوح وبين فيه دور هذا المثقف في احياء ثراث مدينة الصويرة وجعل العيون العالمية تشرأب نحو موغادور لكن هناك نقطة سوداء في تاريخ هذا الوافد انهت علاقته بالصويرة وبالمغرب تتمثل في فضيحة استغلاله الجنسي لأطفال معوقين كان ينظم لهم رحلات سنوات اقامته بالصويرة وهي الفضيحة التي صدمت المجتمع الصويري حينذاك….

  • مغربية خالصة
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 18:23

    لا شك انه قبل جورج لاباساد و قبل ان ينتبه الى التراث الشعبي الغني لهده المدينة العريقة , كان هناك باحثون وطنيون قاموا بانشطة فنية تراثية خالصة لمدينة الصويرة لكن لم يبال بهم احد , فلا تنسوا الظرفية التاريخية التي بدات فيها بحوث و دراسات جورج لقد جاءت في الفترة الاستعمارية و قبل ان ينال المغرب استقلاله و تستتب به الامور و تستقر لدا لا يمكن ان نقدس اعمال لاباساد لدرجة التاليه لا لشيء سوى لانه كان اول من اصدر كتبا و نشر مقالات في الصحف الوطنية و الاجنبية معرفا بالفنون الشعبية المختلفة التي تزخر بها مدينة الرياح و معامل التصبير و غيرها من الخيرات . و لا ينبغي ان ننسى انه اعتمد في دلك على العديد من الكتب والمجلدات التي ارخت للمدينة و لمؤهلاتها الحضارية, و اطلب من المختصين ان يزودوا القراء في بعض تعاليقهم ببعض هده المؤلفات التي يمكن ان يجرعوا اليها للمزيد من المعلومات عن مدينتنا العظيمة احتفظت بتراثها الشعبي بالرغم من المعوقات و الصعوبات التي صدفتها و تصادفها. على كل لا يمكن ان ننكر ان بعض المفكرين الفرنسيين قد احسنوا الينا برغم الاساءات و الاضرار التي لحقتنا من المستعمر الفرنسي الغاشم.

  • Fatah Philly
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 21:53

    شباب موكدور مثقف ورائع ومن هذا المنبر الحر نريد إلتفاتة لهذه المدينة الجميلة ونطالب من رجل الأعمال السيد ميلود الشعبي العودة لهذه المدينة وإعادة فتح جميع المشاريع التي كانت تقتات بها جل الأسر الصويرية بما في دلك النواحي و شكرًا

  • ghazwa
    الجمعة 20 شتنبر 2013 - 16:16

    merci de donner une attention a la ville d'essaouira car il manque bcp de chose et sa ce rait bien une piscine pour les jeune puis entréner

  • مغربي قح
    السبت 21 شتنبر 2013 - 16:17

    Essaouira est le meilleur endroit pour se reposer , et pour changer ses idées loin du stress des grandes villes , elle a un potentiel d'etre parmis les meilleurs pole touristique au maroc , mais se baser sur une seule activité qui est le tourisme est tres dangereux , le tourisme est un secteur très sensible , et rend le commerce saisonnier et surtout avec la fermeture de plusieurs des usines du conserverie de poissons et le grand usine de cuir jean carell , travaux des égouts ne sont jamais finis et s'ils sont finis ile ne sont jamais fait comme il faut , au niveau sécurité il y a un grand manque surtout dans la médina , des touristes agressés et volés ,c'est très fréquent, des charetiers qui demandent des pri tres exagerés ( 20 dh a 50 DH ) pour une course de 300 m ,des faux guides qui proposent du HACHICH partout dans la medina , les touristes se croient en colombie , tous cela pose une grande responsabilité sur les responsables de la ville , et il y a encore un grand travail

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 3

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 6

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار