حجرة في "سباط" المغرب

حجرة في "سباط" المغرب
الجمعة 27 نونبر 2020 - 07:11

اشتهرت مقولة “غاندير حجرة فسباط المغرب” منذ سنة 1976، إثر تصريح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين أثناء الاحتفال بعيد العمال ببلاده؛ وهو ما يجرنا إلى التعريج على مجموعة من الأحداث التي أعقبت تشكيل ووضع هذه الحجرة، كما جاء على لسانه. ويقصد، هنا، إقامة مخيمات تندوف -على أساس أنهم لاجئون مغاربة- والرغبة في السيطرة على الحركة المغربية التي طالبت بتحرير الأقاليم الجنوبية من قبضة المستعمر الإسباني وتوجيهها ضد المغرب.

لقد كانت بداية إنشاء المخيمات عام 1974، مباشرة بعد الإطاحة بالقيادة الأولى لـ”البوليساريو” التي كان الهدف الأول لإنشائها سنة 1973 مقاومة الاستعمار الإسباني الذي امتد من سنة 1885 إلى سنة 1976 بالمنطقة، وكردة فعل على حادث إخماد الحركة المدنية السلمية المنضوية تحت الحركة الجنينية التي كان يقودها المفقود سيدي براهيم بصير، المطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية بالمنطقة؛ الأمر الذي تم بتاريخ 17 يونيو 1970 بمدينة العيون.

إن هذا العمل الشنيع المنجز من طرف النظام الفرنكوي شكّل نقطة انفصال ما بين الإسبان وساكنة الإقليم؛ وهو ما أدى إلى العمل على تأسيس حركة مسلحة ضد الوجود الاستعماري سنة 1973.

وبحكم أن المجتمع الصحراوي قائم على القبيلة، فقد انتشر الوعي بخطورة الاستعمار الإسباني، فضلا على تزامن هذه الفترة مع المد الثوري الذي عرفه العالم أجمع؛ وهو ما شكل هذا الوعي دفعة نحو تبني قرار مجابهة الاستعمار الإسباني وطرده من الساقية الحمراء واد الذهب، بتنسيق مع العديد من الصحراويين والقيادات الشبابية.

ليقام، بعد ذلك، المؤتمر التأسيسي للحركة بـ”الزويرات”- موريتانيا، بتاريخ 28/04/1973، الذي شهد تسمية الحركة بـ”الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وادي الذهب”، لإطلاق الكفاح ضد الاستعمار الإسباني، وحيث لم يرد في الوثيقة التأسيسية أي مصطلح للانفصال عن المملكة المغربية أو تأسيس دولة مستقلة.

فيما بعد، فقد جرى تغيير العناصر القيادية “للبوليساريو” مع المؤتمر الثاني الذي أقيم بمنطقة تبعد عن تندوف بـ70 كلم، ما بين 25 إلى 28 غشت 1974، بتدخل غير مباشر من الجزائر، حيث تم إنزال الكثير من الصحراويين الجزائريين من أجل الإطاحة بالأمين العام المنتخب الوالي مصطفى السيد وعدد من الأطر المنحدرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها إسبانيا، والمنتمين إلى القبائل التي لا تخضع للنفوذ الجزائري. وبذلك، جرى وضع قيادة جديدة وبرنامج سنوي وعلم للجبهة، مع الاستمرار في العمل بالمبادئ المؤسسة للحركة وإغنائها بأخرى.

وبعد هذا المؤتمر بشهرين، جرى استدعاء القيادة الجديدة للحركة، بغرض المشاركة في مؤتمر الشبيبة الدولية الديمقراطية بالعاصمة الجزائر، وتم اللقاء مباشرة بالرئيس الجزائري آنذاك بومدين.

بعد الرجوع من المؤتمر، اجتمعت اللجنة التنفيذية في تندوف، حيث قامت بطرد الأمين العام الوالي مصطفى السيد، تحت يافطة أنه انفرادي في قراراته، وتم تغييره بمحمد الأمين الوالي أحمد بطريقة غير شرعية، إذ لم يتم تعيينه عن طريق مؤتمر استثنائي؛ وهو ما يؤكد إرادة تدخل الجزائر في تعيين قيادة الحركة، إذ إنه خلال استضافتها للمؤسسين في المؤتمر المقام بالعاصمة الجزائر، سيتبين لهم عدم انتماء أيّ فرد من عناصر القيادة إلى القبائل التي تكن الولاء للجزائر، ليتم بعد فترة وجيزة كذلك، فرض أمين عام جديد هو محمد عبد العزيز، المنتمي إلى إحدى القبائل المعروفة بولائها للجزائر.

جاء قرار إنشاء المخيمات بالضبط بعد مؤتمر تلمسان، الذي اجتمع فيه الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الموريتاني الراحل المختار داداه والرئيس الراحل بومدين. وفي خضم أشغال المؤتمر، سيصرح بومدين بأنه لا توجد مطامع للجزائر على الأراضي الصحراوية المغربية، وفي الوقت نفسه يعطي تعليماته لإنشاء المخيمات بتندوف عام 1974، حيث أمرت الجزائر اللجنة التنفيذية-التي تم فرضها- للحركة بجمع البدو الموجودين في تلك المنطقة، والذين كان عددهم لا يتجاوز سبع خيمات بالضبط، ويعدون من قبيلة صحراوية جزائرية. الأمر الذي يزكي مقولة بومدين “غاندير الحجرة فسباط المغرب”، أي أن القيادة الجزائرية كانت لها الرغبة في الرد على حرب الرمال ولا يهمها أمر الحركة والأهداف التي تقوم عليها.

بالتزامن مع هذه الأحداث، استغلت الجزائر “المسيرة الخضراء” التي أقامها المغرب، لتشويه صورته، وخلق نزعة انفصالية بين الصحراويين المغاربة، خصوصا أن هذه الفترة كانت مع بداية سنوات الرصاص بالمغرب.

وفي هذه الفترة بالذات، سيتم توسيع المخيمات التي كانت في الأول عبارة عن سبع خيمات لقبائل صحراوية جزائرية، كما أشير سلفا، واستقطاب بدو من مختلف المناطق والقبائل الصحراوية التي تنحدر من أصول مختلفة موزعة ما بين المغرب وموريتانيا والجزائر، إذ هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من ما زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أراضيهم في ظروف يعلمها العالم أجمع. ففي ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 المحتمة للجلاء الإسباني، كانت الشاحنات الجزائرية تجوب الأقاليم الصحراوية لتهريب السكان، عبر التغرير بهم حينا واستعمال القوة في أحيان كثيرة. ولما تبين أن أعداد المرحلين لا تفي بالغرض المطلوب-الإيهام بإمكانية إقامة دولة- عمدت الجزائر إلى إيواء قبائل صحراوية من شمال موريتانيا، ومن المناطق الجزائرية (تندوف، تبلبلت، العباضلة…) لتضخيم أعداد اللاجئين.

ومع قيام أحداث انتفاضة تندوف لسنة 1988، التي كانت نتيجة لتراكم أخطاء ما بعد أحداث 1974 و1975، فضلا عن الانتهاكات التي توالت في تندوف، وكذا تعذيب كل المحتجين ضد القيادة غير الشرعية، التي تنكرت للمبادئ الأولى التأسيسية للحركة؛ حيث تم قتل البعض وسجن أربعة أفراد من المؤسسين للحركة والمنافين لتوجيهات القيادة الجديدة، بدون حكم أو قانون، في ظروف مهينة بالكرامة لمدة أحد عشر شهرا، ليتم كذلك اغتيال الأمين العام الأول، بعد الإطاحة به مباشرة بعد ستة أشهر.

بالإضافة إلى حال الأسرى المغاربة، الذين كانوا وما زالوا يعاملون -معاملة العبيد في القرون الوسطى- بمختلف أنواع التعذيب، وفي خرق واضح للقانون الدولي ولمبادئ حقوق الإنسان.

مقتطفات من المقابلة العلمية مع الكاتب البشير الدخيل، أحد المؤسسين للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وادي الذهب.

* باحثة في مجال العلاقات الدولية

‫تعليقات الزوار

6
  • امين
    الجمعة 27 نونبر 2020 - 11:24

    شكرا جزيلا لكِ على هذا المقال الملَخِص للتذكير عن مراحل تكوين هذه المرتزقة. حبدا لو كان نشر عدة مقالات لفضح كل هذه المؤامرات على حقية وحدتنا الترابية. شكرا لكِ سيدتي بالتعريف اكثر فاكثر عن تاريخ و العلاقات الوثيقة بين قباءل الصحراء و المملكة المغربية.

  • Amaghrabi
    الجمعة 27 نونبر 2020 - 18:57

    شكرا سيدتي اميمة المحترمة على غيرتك الوطنية وحب الوطن من الايمان ولا خير فيمن لا يحب وطنه ,بوخروبة جعل الحجرة في حذاء المغرب والمغرب بانتصاره المبين في الكركرات وضع حجرة مؤلمة في قلوب حكام الجزائر بحيث زعزع ارادتهم وكشف عن نواياهم الخبيثة وجعلهم يعيشون على الاعصاب ولا يغمض لهم جفن بالضربة القاضية وخاصة انها كانت ضربة المختصين بدون اراقة نقطة من دم ومع ذلك جعلت قطاع الطرق ينسون حتى احذيتهم وسراويلهم,انها هظيمة تبقة حجرة في قلوبهم الى يوم يبعثون

  • Hassan
    الجمعة 27 نونبر 2020 - 22:57

    هي لم تكن ((حجرة في السباط)) بل ((عصا في الرويدة)) المغرب كان له مشروع اقتصادي مندمج فكر بالربط القاري وطريق سيار و سكك حديدتربط أوروبا بافريقا من باريس إلى داكار و من طنجة إلى الإسكندرية . هذا المشروع كانت له نظرة مستقبلية للأسف وئد

  • ولكن العكس ...
    السبت 28 نونبر 2020 - 01:18

    …هو ما حدث بسبب سوء نية بوخروبة.
    (الحجرة في ضباط الجزائر).
    المغرب تحالف بحسن نية مع موريتانيا لإخراج الاستعمار من الصحراء وجمع شمل القبائل الحسانية المقسمة بين فرنسا وإسبانيا والعودة بالعلاقات مع اهل شنقيط الى ما قبل الاستعمار.
    بينما بوخروبة تحالف مع اسبانيا لتكريس التقسيم الاستعماري وسلط الأقلية الانفصالية على الأكثرية الوحدوية من القبائل الحسانية وأشعل الحرب الأهلية بينها وشتت شملها و حرض عصابة البوليزاريو للهجوم على نواق الشط.
    المملكة المغربية تنفق أموالها لإنجاز منشآت كبرى في الصحراء وإطلاق تنمية اقتصادية لضمان العيش الكريم للسكان.
    بينما الجزائر تنفق اموالا طائلة على جمهورية بوخروبة وهي حبيسة رمال تندوف.

  • سولوه
    الإثنين 30 نونبر 2020 - 19:16

    ي حكي لي انسان كان يسوق بالكلونيل المقبور واثناء ذهابهم الى وجدة بالطبع بالسيار من مركز المقاومة في ضيعة اولاد باحاج معروفين بزاف في بركان اثرياء ووجهاء ايام زمانمنذ اللخمسينات او قبل من القرن الماضي.قلي السائق الله ارحمو واصله مغربي.ان بوخروبة قتل اثنين من المجاهدين اكلاوا له من بيضه.وتق فيه كان تزلم نوع حوت اتخب تحت الاحجار في الماء.

  • عبد الله بوكابوس
    الأربعاء 2 دجنبر 2020 - 13:15

    تحية صادقة لك الأستاذة أميمة الادريسي على المقال الرصين المفيد جدا خصوصا لأجيال السبعينيات وما بعد..، وأود هنا أن ألفت نظرك، وجميع الباحثين المهتمين بالقضية الوطنية الأولى للمغاربة، إلى ما يحاول "بثه" بخبث شديد المدعو "محيي الدين عميمور" أحد أكبر عرابي العداء الجزائري نحو المغرب من مغالطات وأكاذيب وافتراءات استمدها من حقد سيده هواري بومدين، فلقد كان مستشارا له ووزيرا للإعلام في عهده، وحتى ما بعده، وللأسف يجد من ينشر له سمومه وأضاليله، لذلك وجب التصدي له ولأمثاله بالحجة والعلم والحزم الواجب، والله من وراء القصد.

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري