حركة الجيش المصري.. انقلاب أم ثورة

حركة الجيش المصري.. انقلاب أم ثورة
الخميس 19 شتنبر 2013 - 18:38

على خلاف ما حدث ابان ثورة 25 يناير 2011 من اجماع قوى الإصلاح و التغيير حولها، سجل اختلاف كبير في توصيف حركة الجيش بعد مظاهرات 30 يونيو 2013 بين من يعتبرها بمثابة إنقلابا على الشرعية و بين من يعتبرها حركة تصحيحية لمسار ثورة 25 يناير و تتمة لها. و مما ساهم في تعميق ضبابية الصورة مواقف شخصيات عرفت بتبنيها للديمقراطية و النضال من أجلها و التي وقفت بشكل أو بآخر مع حركة الجيش واضعة نفسها في أتون من الإتهامات و التخوينات. و إذا كنا هنا لسنا بصدد محاكمة أشخاص أو المس من سمعتهم و مكانتهم إلا أن ذلك لا يمنع من الإختلاف معهم فيما ذهبوا اليه في بناء موقفهم المبرر لحركة العسكر.

الملاحظة الأولية التي انجلت مباشرة بعد عزل الرئيس مرسي هو الحملة الشرسة في القنوات الرسمية المصرية على جماعة الإخوان المسلمين و مناصريهم تحت يافطة “ الحرب على الإرهاب”، حملة تشترك فيها قوات الجيش و الشرطة و فيالق الإعلاميين و الفنانين و صناع الرأي عبر الإذاعات والقنوات التلفزية و الصحف و الجرائد. حيث فجأة تحولت فئة عريضة من أبناء الشعب المصري حصلت على ملايين الأصوات خلال استحقاقات إنتخابية عديدة، أجمع الجميع على نزاهتها، أصبحت جماعة إرهابية و أصبح الرئيس المنتمي إليها مطلوبا لدى العدالة، و فجأة بات التظاهر و الإعتصام السلمي مدعاة للتدخل المسلح و بات قتل المدنين مبررا. بالموازاة مع ذلك يصبح من العادي أن يبرئ الرئيس المخلوع و يسطع من جديد نجوم مرحلته السيئة الذكر و يتجدد معهم الحديث عن فضائل القيادة العسكرية للدولة و قصور الإدارة المدنية في تدبير بلاد من حجم مصر.

في هذا السياق انبرى العديد من المثقفين و السياسيين خاصة المعارضين منهم لتجرية الإخوان الى تقديم دفعات تبرر الأسباب الأساسية لتأييد حركة الجيش بعد 30 يونيو أو على الأقل عدم الأسف على مصير تجربة عام من حكم الرئيس مرسي، و لعل أبرز هذه الأسباب: عقد جماعة الإخوان صفقات مع الجيش بعيد الثورة و تهميشها لقوى 25 يناير، انفرادها بالسلطة و صياغة دستور غير متوافق عليه، التسرع في المواقف من الجوار الإقليمي و الرغبة في السيطرة على مفاصل الدولة و تأبيد حكم الجماعة لمصر.

و بالرغم من أن العديد من الأسباب المقدمة سلفا وجيهة أو لها ما يكفي من الجدية لتكون محل نقاش، إلا أن ذلك يجب أن لا يقود إلى الخلط بين أمرين أساسيين: تقييم تجربة حكم الإخوان من جهة و تبرير حركة الجيش من جهة أخرى. فالخلط بين الأمرين قد يودي إلى تشويه فهم و إدراك معنى الديمقراطية، حيث يجعل من خصوم جهة معينة خصوما للديمقراطية عموما و بالتالي لا حق لهم فيها، كما يصبح تفسير نوايا الناس جزء من العملية السياسية. و هي أعراض عاشتها و تعيشها شعوب المنطقة مع أنظمتها الشمولية التي تستعين بهكذا وسائل لتأبيد سطوتها. من هذا المنطلق يكون لجوء بعض قوى التغيير و رموزه الى مثل هذه المبررات انزلاقا خطيرا لن يساهم حتما في بناء عناصر الثقة بين الفرقاء و بالتالي سيصعب من مسار الإنتقال الديمقراطي سواءا في مصر أو في غيرها من بلدان العالم العربي.

فإذا كان خروج جماهير جرارة من الشعب المصري للإحتجاج و الإعتصام و التعبير عن رأيها حقا مشروعا و من صميم مجريات الحياة المدنية لشعوب تتلمس طريقها نحو الديمقراطية، إلا أن تدخل الجيش و انتصاره لمطلب جزء من الشعب على حساب الجزء الأخر خارج الإطار الدستوري و المنطق الإنتخابي غير المعادلة بشكل كلي، بل و أساء للحراك الجماهيري المدني السلمي. و بذلك أصبحنا أمام إنقلاب تكتمل معالمه و تنجلي ملامحه يوما بعد يوم، حيث نسجل نزوعا مستمرا لممارسات أبعد ما تكون عن منطق البناء الديمقراطي السليم، و يكفي هنا التذكير ببعض هذه التمظهرات:

– إذا كان حق التظاهر مضمونا و إعتصام فئة من الشعب ضد الطغيان مطلوبا فإن ذلك يجب أن يكون مكفولا للجميع و ليس لفئة دون أخرى، و هو لا يبرر بحال من الأحول للسلطة العسكرية أن تخرج من ثكناتها و الإنقلاب على السلطة المدنية الشرعية و تعطيل الوثيقة الشرعية الوحيدة التي يجب الإحتكام اليها في حالة الإختلاف بين القوى المدنية و المتمثلة في الدستور.

– الإحتكام الى دستور سيئ و شرعي أفضل بكثير من سن سابقة الخروج عليه مهما كانت الأسباب و المبررات. فذلك سيقود كل فئة قوية مستقبلا الى الخروج على الدستور ما لم يوافق هواها.

– إذا كان السلطة المنتخبة القائمة تنزح فرضا نحو الديكتاتورية، فمن غير المعقول أن يكون الإحتجاج عليها بسلوك أكثر دكتاتورية منها: عزل رئيس منتخب، تشكيل لجنة فوقية لتعديل الدستور، استعمال السلاح لتفريق المعتصمين و المتظاهرين، العودة الى حالة الطوارئ و المحاكم العسكرية، كل ذلك مصحوب بجو من الشحن و التجييش و التخويف.

– تبرير الإنقلاب اعتمادا على تفسير النوايا و الزعم بأن هدف الإخوان هو الحكم خمسمئة سنة و أخونة الدولة يفتح الباب مستقبلا على سلوك جديد في الممارسة السياسة قائم على محاكمة النوايا، و هو سلوك لا ينتمي البتة الى الممارسة الديمقراطية. و إلأ فلما الإعتراض على الإعلان الدستور للرئيس مرسي الذي رفضه الجميع لأنه بني في حينه على نية إحتمال تقويض سلطته الرئاسية، فأسباب الإعتراض على قرار الرئيس مرسي هي نفسها على قرار عازليه.

– إعتقال قيادات تنظيم سياسي بشكل جماعي و في صور مهينة و شيطنتهم في مختلف وسائل الإعلام قبل أي محاكمة جدية وعادلة لا يبشر بالرغبة المعلنة في اعادة الإعتبار للديمقراطية. و إقفال محطات فضائية ( بغض النظر عن مهنيتها) بعيدا عن أحكام القضاء و محاصرة جميع الأراء المخالفة لخطوة الإنقلاب لا يعطينا نموذجا يتجاوز سقف الحرية الذي عاشه الإعلام المصري عقب خلع مبارك.

– جريمة قتل مئات المصريين المسالمين و التبريرات المقدمة والتي بلغت حد إصدار فتاوى تجيز تصفية الخارج عن الحاكمين الجدد تنم عن عدوانية و إجرام تدق أسافين الحقد و الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، و هو ما يباعد مع أمل بناء مجتمع تعددي و متسامح.

لقد كان الأمل كبير في نجاح مصر في تحقيق إنتقال ديمقراطي سليم، و لقد أخقف الإخوان في تجميع ما يكفى من قوى إصلاحية صادقة و مناضلة لتحقيق المراد. لكن مقارنة أداء الإخوان على من إنقلب عليهم كمن يقارن مخالفة من يسوق بدون خوذة دراجة نارية بمن يسوق بسرعة مفرطة سيارة في الإتجاه الممنوع، فمن غير المعقول إذا دهس سائق السيارة صاحب الطفطافة أن نلوم هذا الأخير عن عدم حمل الخوذة ناسين أو متناسين جرم سائق السيارة.

‫تعليقات الزوار

5
  • كمال
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 19:25

    مقال غاية في الموضوعية. يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال

  • مغربي أصيل
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 19:25

    مقال رائع ينم عن قراءة متأنية و دقيقة للمشهد المصري ككل ، بعيدا عن من يحاولون تبرير الإنقلاب بأخطاء الإخوان التي مهما بلغت من قدر لن تكون أبدا مبررا للإنقلاب . هذا إذا فرضنا جدلا الإنقلاب العسكري يعزى لاستبداد الإخوان بالحكم ، فالعاقل و المنصف يتضح له جليا أن هذا الإنقلاب العسكري كان سيحدث في جميع الأحوال و مهما كان التيار الحاكم سواء إخون أو ليبراليين أو ناصريين المهم أن العسكر لا يريد ديمقراطية في مصر تقوض الريع الذي تعيشه و الذي يعتبر من أكبر المستفيدين منه .

  • شرشبيل
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 22:21

    مقال رائع نتمنى منكم تقديم المزيد.

  • عبدالرحيم احمد فهمى
    الجمعة 20 شتنبر 2013 - 22:01

    لماذايا سيدى تسمية انقلابا فهو لم يحسن الحكم على مدار السنة الماضية من ازمات متكررة فى الحياة اليومية للمواطن المصرى

  • محمد السليماني
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 17:44

    الإنقلابيون لم ينقلبوا على الإخوان. فلو كان أحد غير الإخوان حكم العام الماضي و تتبع الفاسدين إلى عش الدبابير و هدد هيمنة الأمريكيين بتنويع علاقاته الخارجية و سعيه الطموح نحو الإكتفاء الذاتي و تجاهل الإسرائيليين لكان وقع له ما وقع للإخوان حتى و لو كان قبطيا أو بهائيا أو حتى ملحدا. بل و حتى في ظل دستور علماني مائة بالمائة.
    الإنقلاب ليس انقلابا للتيار المدني على التيار الإسلامي بل ثورة مضادة قادها نظام مبارك في جزئه الصلب المتمثل في قيادات الجيش و الشرطة و عصابات الفساد و المخذرات و المال منتفعي الإعلام ضد قيم الديموقراطية الوليدة و التي لا بد من الإعتراف أن خطاها كانت متعثرة أحيانا، خاطئة أحيانا أخرى، متهورة تارة و مملة البطء تارة أخرى. و لكنا كانت ديموقراطية مستقبلها في صقلها و تجديدها لا في وأدها و التنكر لها.

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 1

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 11

تحديات الطفل عبد السلام

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 115

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد