حق المهاجر و"ابن السبيل"

حق المهاجر و"ابن السبيل"
الثلاثاء 28 يناير 2014 - 19:44

إن المغرب بإمكانه أن يعطي القدوة لباقي الدول الإسلامية في ملف الهجرة بإدماج وتفعيل مفهوم “ابن السبيل” في ملف الهجرة إلى جانب مقتضيات المبادرة الملكية في هذا الملف.

حضي ملف الهجرة باهتمام غير مسبوق على مختلف الأصعدة لما ينضوي تحته من معاناة كبيرة وخطيرة لأزيد من 340 مليون شخص عبر العالم. وأثار في المغرب نقاشا واسعا وجد له بعض الصدى في السياسات العمومية. وإذا كان المغرب بموقعه الجغرافي الذي يجعل منه المعبر “الأيسر” إلى “جنة الغرب” التي يحلم بها الإنسان الإفريقي، أصبح فيه اليوم مجتمع للمهاجرين يقارب 50 ألف شخص. غير أن المقاربات المعتمدة في معالجة هذا الملف، والتي نمى ذلك المجتمع في ظلها، غلب عليها البعد الأمني من جهة السلطة، والبعد الحقوقي الراصد للانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون من طرف السلطة من جهة المجتمع المدني.

ورغم أن النضال الحقوقي الذي عززته الضغوطات الدولية، وخاصة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، انتزع عدة إصلاحات ومبادرات رسمية استجابت لمطالب ذلك النضال كان آخرها المبادرة الملكية في هذا الشأن، إلا أن اللافت للنظر هو أن هذا التدافع الحقوقي حول الإنسان المهاجر يسجل شبه غياب للمجتمع المدني “الحاضن إنسانيا” لذلك المهاجر في مأواه و مأكله ومشربه وملبسه ودوائه وتربية أبنائه وما إلى ذلك. ولعل المقاربة الأمنية المعتمدة في السياسات العمومية قبل المبادرة الملكية الأخيرة في هذا الملف والصورة النمطية السلبية عن المهاجر غير الشرعي، جعلتا المجتمع المدني المهتم بتوفير ضروريات المعاش اليومي الكريم يعزف عن الانخراط الإنساني في ملف الهجرة السرية.

ورغم أن المغرب يأوي اليوم عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين ومن المهاجرين هربا من أعمال العنف الدائرة في سوريا، وتحول المهاجر إلى ظاهرة اجتماعية حاضرة بقوة في أغلب المدن المغربية وفي بعض قراها أيضا، ورغم الأوضاع المزرية الظاهرة التي يعيش عليها هؤلاء المهاجرون، رغم كل ذلك فإن المفارقة الصادمة التي يمكن تسجيلها في هذا الصدد، إلى جانب ما أشير إليه من شبه غياب العمل المدني الحاضن إنسانيا للمهاجر، هو غياب واضح لهذا الملف في الخطاب الديني والدعوي. وربما وجدنا لهذا الغياب أيضا مبررا في المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في الملف سابقا، غير أن ذلك الاعتبار لا يصمد بشكل قوي في ملف المهاجرين السوريين، مما يعني أننا أمام خلل بنوي في الخطاب الديني والدعوي وفي الاهتمام المدني بالمهاجر.

وإذا فتحت المبادرة الملكية الباب لتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين، فإن المنطق يفرض أن يتجاوب المجتمع المدني والخطاب الديني والدعوي مع تلك المبادرة.

قد يستغرب البعض من تخصيص الخطاب الديني والدعوي بالاهتمام. غير أن الاستغراب سرعان ما يزول حين نعلم أن الاسلام جعل للمهاجر حقا مفروضا في أموال المسلمين. وبغض النظر عن وضعيته القانونية ولونه وديانته وجنسيته، فالمهاجر يوجد في حكم ابن السبيل الذي فرض الله له حقا في أموال المسلمين وفي أموال الدولة الإسلامية، ولا تجد اختلافا كبيرا في هذا الشأن بين المذاهب الفقهية السنية منها والشيعية. “وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة توصي بهم وتجعل لهم نصيبًا في الزكاة وأموال المسلمين العامة بل ويجعل لهم حقوقاُ في مال المسلمين غير الزكاة وهي أشبه من المعلوم بالدين ضرورة‏”.‏

إن مفهوم ابن السبيل إذ يفرض حقوقا ماليا معلومة للمهاجر، فهو بالأولى يفرض له حقوقا تحفظ كرامته وإنسانيته، والتي تندرج ضمنها قيم حقوق الإنسان المتعلقة بمختلف مناحي الحياة.

وانطلاقا من كون الإسلام جعل لابن السبيل حقا معلوما في أموال الدولة وأموال المسلمين، فإن الواجب الديني إلى جانب الواجب الحقوقي الإنساني، يفرض على الدولة المغربية بحكم إسلاميتها، وعلى المواطنين المغاربة بحكم إسلامهم، أن يؤدوا حق الله إلى المهاجرين. ولا يتعلق الأمر هنا بالإحسان التطوعي بل بالواجب الديني والإنساني تجاه شرائح تعيش حياة هشة تنعدم فيها الكرامة الانسانية.

وهذا الحق المالي للمهاجرين في الاسلام وفي دولة الإسلام وفي مال المواطن المسلم تفرض على العلماء والخطباء والدعاة القيام بواجبهم الديني والإنساني تجاه تلك الشرائح الاجتماعية، والقيام بما تقتضيه مهمتهم في هذا الباب.

إن صندوق الزكاة الذي جمد لعقود لو قدر له أن يرى النور، لأمكنه أن يلعب دورا حيويا في هذا الملف الإنساني، ولأمكن للمغرب أن يتحول إلى نموذج إنساني، ليس في حرصه على تحقيق المعايير التي يفرضها المنتظم الدولي فقط، والتي ترهن الدعم المالي والسياسي للمغرب، ولكن في تنزيل البعد الانساني للقيم الدينية والشعبية الأصيلة في أكثر الملفات المقلقة للإنسانية اليوم.
ويمكن القول إن المغرب اليوم، دولة ومجتمعا، مطالب بتأطير المبادرة الملكية في ملف الهجرة بالقيم الأصيلة للشعب المغربي، وجعلها في عمق اهتمام الدولة والمجتمع معا، ولتحقيق هذا التكامل، ولمقاربة هذا التكامل ينبغي تحقيق عدة شروط أهمها:

• تعزيز الدور الرقابي والنضالي للمجتمع المدني الحقوقي، بأدوار مدنية ورسمية حاضنة للمهاجر توفر له شروط العيش.

• الإسراع بإخراج صندوق الزكاة بصفته مؤسسة ينبغي لها إدماج المهاجر في برامجها.

• انخراط العلماء والخطباء والدعاة في حملات تطالب الدولة والمواطن معا بأداء حق المهاجر في أموالهم.

• انخراط الإعلام والتربية المدرسية و الجمعوية في تحسين الصورة النمطية للمهاجر والتي لا ترى فيه سوى التسول والسرقة والمخدرات والاغتصاب والدعارة وغيرها من الصور.

إن المغرب بإمكانه أن يعطي القدوة لباقي الدول الاسلامية في ملف الهجرة بإدماج وتفعيل مفهوم “ابن السبيل” في ملف الهجرة إلى جانب مقتضيات المبادرة الملكية في هذا الملف. على اعتبار أن هذه المبادرة غير المسبوقة تشمل المهاجرين في وضعية قانونية وفي وضعية غير قانونية، كما تشمل طالبي اللجوء، وتروم مكافحة الاتجار في البشر. وهذه السياسة تدخل في إطار المقتضيات الدستورية التي تعزز المساواة في الحقوق بين المواطنين والأجانب في وضعية غير قانونية.

‫تعليقات الزوار

10
  • marrueccos
    الثلاثاء 28 يناير 2014 - 20:16

    من حقنا أن نتساءل عن سبب إخراج قانون تسوية وضعية اللاجئين داخل المغرب في هذا التوقيت بالذات !!!! وجغرافية المغرب تتعرض لهذا السيل من المهاجرين الشرق أوسطيين ( دول طوق إسرائيل التي تإن من وجود ملايين الفلسطينيين اللاجئين الذين شطبت عليهم المبادرة السعودية في قمة بيروت 2002 !!! المبادرة ( النسحة الأصلية ) التي أسقطت حق عودة الفلسطينيين إلى بلادهم !!!!
    يجب ربط هوية المغرب بالأرض أما تذويبها في الفروع فهذا إستهتار بتاريخ المغرب المستقل عن المشرق . لا يتعلق الأمر بإبن السبيل أو إبن ( البطيخ ) إن حول المهاجرون إلى تسابق ديموغرافي لترجيح كفة مكون طارئ على مكون أصلي !!!!!!!!! هذا لا يقصي الضيوف من حقوقهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية بمعنى حقوق المواطنة الكاملة ؛ لكن لابد من الحسم في الهوية ! هوية الأرض الأمازيغية ثابت وأهلا بالفروع لإغناءها وليس محاربتها وتذويبها في الطارئ !!!!!!!!!

  • مغربي
    الثلاثاء 28 يناير 2014 - 20:26

    تتكلمون كاننا دولة متقدمة و غنية …فلياوي و ليهتم اولا بمواطنيه بعد دالك يمكننا ان تهتم بالاجانب

    ما حكم الاسلام فيمن يترك اهله و يدهب ليهتم بالغرباء??

    انشري يا هيسبريس

  • zak UK
    الثلاثاء 28 يناير 2014 - 21:01

    Illegal immigration is a big problem . Many countries including rich ones are struggling to cope with the influx of illegal immigrants. For our security and stability, illegal immigration should be controlled. And that nonsense you talked about which you termed 'ibn sabil' is not working for us, those laws were practiced in medieval times. First Morocco does not have the resources to deal with it, secondly, you are asking poor people who are struggling to make end meet to give ' zakat' to others. It looks like you don't live in the real world. it is true that Syrians need our help and their women and children should be protected. for the time being it's manageable but we don't know for how long.

  • merrakchi
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 06:50

    ماذا عن اخواننا لاجئي الجبال التي سلبت اراضيهم في السفح والسهول من طرف المستعمر ومعاونيه من الخونة الذين ورثوها بعد الاستقلال والان يعيشون ويلات التهميش والفقر وقساوة الشتاء !!
    اليس الاقربون اولى ام عابر السبيل

  • noexemple
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 08:26

    dans votre article vous dites que le maroc doit etre un exemple pour les autres pays musulmans,ainsi vous parlez comme nos voisins de l'est qui présentaient leur dictature militaire comme le sommet du socialisme,Mr évitez de présenter le maroc comme exemple et contentez vous de soulever les problèmes non résolus ,
    comme la grangrène de la rachwa,les violences contre les femmes et les enfants,l'obscurantisme des takfiristes

  • haksiral
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 08:46

    اين حق المواطن و "ابن البلد" اولا؟….المغرب به من الملفات ما يشيب له الولدان تغننينا عن التفكير في الخارج ومشاكله….

  • خالد ايطاليا
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 09:20

    نعم لحق المهاجر وابن السبيل ,ولا تنسى حق الغرباء في وطنهم .؟؟

  • محند
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 10:35

    كم عدد "ابناء السبيل" من المغاربة الذين هاجروا "واغلبهم قصرا" الى مختلف بلدان العالم? حسب احصاءيات الوزير المنتدب في حكومة بن كيران الاولى السيد عامر يتعدى عددهم الى خمس ملايين. يبدو في العقود الاخيرة بان المغرب انتقل من دولة مصدرة للمهاجرين الى دولة تستقبل المهاجرين. ولكن المغرب يتعتبر منذ القدم بلد للهجرة اما طواعية او بالفتوحات والحمايات والاستعمار. اما ابناء السبيل الذين يضطرون قهرا لجهرة بلدانهم فاسبابها معروفة عند العامة والخاصة وتتلخص في شد الخناق على المهاجر في البلدان الاصلية امنيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. وخيرالامثلة ما يحدث الان في سوريا وبلدان الحروب الاهلية والانظمة التي لا تضمن لمواطنيها ابسط الحقوق للعيش في كرامة. المغاربة المهاجرون وذويهم يعرفون احساس ومعانات ابناء السبيل . لهذا فعلى المغربي المسلم في الداخل ان يراجع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول" لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه". ومن الطبيعي والمنطقي وهذا موجود في كل بلدان الهجرة ان تجد في اوساط المهاجرون فءة قليلة منهم يضمنون نوايا وافكار وممارسات لها علاقة بختلف انواع الاجرام.

  • jalal
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 16:02

    يثيرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصا

  • ندى
    الأربعاء 29 يناير 2014 - 18:30

    هجرة البشر يجب ان تكون محصنة من تداعيات الانتهازية الايديولوجية لبعض التيارات السياسية ..معلوم لدى المختصين ان الهجرة اينما تواجدت الا وساهمت في التنمية واثرت ايجابيا في الاقتصاد المحلي ناهيك عن التنوع الثقافي الذي اصبح مطلوبا و مرغوبا فيه خصوصا في المجتمعات الغربية..من الوقاحة ان نرفض كمغاربة هذه الظاهرة على ثرابنا ونحن شعب لا يكاد يخلو بيت الا وله فرد على الاقل في المهجر..

صوت وصورة
السفير الألماني وتعقيدات الفيزا
الأربعاء 13 يناير 2021 - 22:28

السفير الألماني وتعقيدات الفيزا

صوت وصورة
خطر كورونا على القلب
الأربعاء 13 يناير 2021 - 21:27 6

خطر كورونا على القلب

صوت وصورة
احتجاج فدرالية اليسار
الأربعاء 13 يناير 2021 - 19:30 4

احتجاج فدرالية اليسار

صوت وصورة
هدم منزل مهدد بالسقوط
الأربعاء 13 يناير 2021 - 18:28 3

هدم منزل مهدد بالسقوط

صوت وصورة
صرخة دكاترة الوظيفة
الأربعاء 13 يناير 2021 - 17:44 33

صرخة دكاترة الوظيفة

صوت وصورة
إنتاج وتثمين العسل
الأربعاء 13 يناير 2021 - 13:44 7

إنتاج وتثمين العسل