خطاب أبيدجان.. خارطة طريق ملكية نحو تعاون جنوب – جنوب

خطاب أبيدجان.. خارطة طريق ملكية نحو تعاون جنوب – جنوب
الخميس 27 فبراير 2014 - 21:27

جاء خطاب الملك محمد السادس بمناسبة إعطاء انطلاقة أشغال المنتدى الاقتصادي المغربي -الإفواري، الذي انعقد يوم الاثنين الماضي في أبيدجان، ليضع خارطة طريق للفاعلين الاقتصاديين بين البلدين وباقي الدول الإفريقية على أساس تعزيز أسس التعاون والتكامل “جنوب جنوب” وخلق قطب اقتصادي إفريقي كبير يحقق التنمية ويلبّي تطلعات الشعوب الإفريقية التي تنشد التقدم والإنماء.

ويمكن القول إن ھذا الخطاب يعدّ الأول والأقوى من نوعه في تاريخ إفريقيا الحديث بالنظر إلى الرؤية المتكاملة التي جاءت بھا مضامين الخطاب الملكي، التي وضعت ما يمكن أن نسميه “خارطة الطريق” للنھوض بالتنمية في إفريقيا، التي رزحت لعقود من الزّمن تحت التخلف والفقر والأمراض والحروب الأھلية، التي مزقت نسيجھا المجتمعي وأعدمت كل فرص التنمية ودفعت شعوب القارة إلى الھجرة نحو الشمال، حيث تحولت إفريقيا إلى ملف أمني أثيرت حوله كثير من النقاشات السياسية بين دول الاتحاد الأوربي ودول الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. وھنا يجب التذكير-في سياق الخطاب الملكي في الكوت ديفوار- بأن ملف الھجرة ھذا ظلّ وسيلة للمزايدات السياسية والأمنية حتى جاءت المبادرة الملكية في السنة الماضية، التي أسست لمقاربة حقوقية وإنسانية أخرجت ھذا الملف من التوظيف السياسي لبعض الدول، خاصة الجارة الجزائر، التي استثمرته للإساءة إلى صورة المغرب الحقوقية في علاقته بالمھاجرين السريين.. ھذه المبادرة الملكية أبانت عن تفهم المغرب لمشاكل إفريقيا، كما أبانت عن وعي حقوقي وإنساني لدى المؤسسة الملكية.

ھذا الوعي يبرھن على أن المبادئ الحقوقية تشكل وحدة متكاملة، ولا يمكن تجزيئھا أو اقتسامھا بين الناس، حيث تتم رعايتھا للمواطنين الأصليين وحرمانھا تجاه العابرين والمھاجرين في ظل مفھوم “العالم -القرية”، الذي لا يمكنه أن يحجب أي شيء عن أنظار الإعلاميين والملاحظين والمراقبين إقليميا وجھويا ودوليا. وبناء عليه فإن ھذه المبادرة شكلت درسا عمليا بكل المقاييس على المستوى الحقوقي والمساواة وعلى وعي المغرب بالتحديات التي تنتظر القارة الافريقية.

ولعلّ أبرز وأھم ما أسسه الخطاب الملكي في الكوت ديفوار ھو إيمان المغرب بقدرة القارة الإفريقية بإمكاناتھا المادية والبشرية على تحقيق آمال شعوبھا في التنمية والتقدم من خلال التعاون بين جميع دولھا وتطوير آليات الاشتغال على المستويات التي تسمح بخلق قوة اقتصادية عن طريق تحفيز الموارد البشرية والطبيعية واستغلال الإمكانيات الھائلة التي تختزنھا القارة الإفريقية، التي لا ينقصھا سوى الثقة في النفس والاعتماد على الذات والانخراط في مسلسل التنمية والاستثمار المشترك. وقد كانت لتنظيم المنتدى الاقتصادي في الكوت ديفوار رمزيته الخاصة، فھو يشكل من جھة اعترافا بأھمية ومكانة الاقتصاد الإيفواري ودليلا على ثقة ملكية في آفاقه المستقبلية، ومن جھة أخرى يعتبر اعترافا إقليميا ودوليا بتعافي ھذا البلد الإستراتيجي في غرب إفريقيا والدور الذي يمكن أن يلعبه في التنمية الاقتصادية والأمن الإقليمي بالنظر إلى المؤھلات الكبيرة التي يملكھا، والتي جعلت كوت ديفوار يحتضن إحدى القواعد الصناعية الأكثر نشاطا في المنطقة وأحد الأقطاب التجارية الأكثر حيوية فيھا. ويعدّ قرار عودة مقر البنك الإفريقي للتنمية الموجود مؤقتا في تونس، إلى أبيدجان انتصاراً للمنطقة الجنوبية والغربية لإفريقيا، واعترافا للدور المركزي الذي تلعبه الكوت ديفوار.

البعد التأسيسي الثاني في خارطة الطريق الملكية ھو إعادة الاعتبار للبعد الاقتصادي في العلاقات بين الدول الإفريقية، ذلك أن العلاقات الدبلوماسية بشكلھا التقليدي أصبحت متجاوزة ولا تلبي تطلعات الشعوب الإفريقية نحو التقدم والتنمية والازدھار. فالمقاربة الدبلوماسية الكلاسيكية وحدھا تحرم بلدان إفريقيا من استثمار إمكاناتھا الاقتصادية في ما بينھا في إطار تكتلات إقليمية وقارية.

إن ھذه الدينامية الاقتصادية من شأنھا أن تحلّ كثيرا من المشاكل التي تعاني منھا إفريقيا وتوقف “تسونامي” الھجرة التي تعرفھا القارة نحو “الشمال المتقدم”، بإنعاش التشغيل والدورة الاقتصادية من خلال المشاريع الكبرى عامة، ولكنْ أيضا المشاريع الصغرى والمتوسطة على الخصوص لدورھا الكبير في امتصاص البطالة وخلق الثروة، مع الاعتماد الكلي على الكفاءات الوطنية في جميع مراحل إنجاز المشاريع، ويمكن الاستئناس في ھذا المجال بالتجربة المغربية كما أكد ذلك الملك. إن ھذه النھضة الإفريقية لا يمكن لھا أن ترى النور دون اعتماد القارة السّمراء على نفسھا، مستثمرة قواھا الحية وجھودھا الخاصة، وأن تتجاوز صفحة الماضي الاستعمارية وتضع جانيا الخلافات والصّراعات السياسية المؤدية إلى الحروب الأھلية، التي فوتت على القارة الكثير من المواعيد مع التاريخ، فبقيت ردحا من الزمن ومازالت خارج ھذا التاريخ..

ومن أجل بلوغ ھذا الھدف، كانت لخارطة الطريق الملكية دلائل ومعالم في مسالك التقدم والتنمية، ولبلوغ المنى فإن المغرب -بعمقه الإفريقي- مستعدّ لتوظيف ما يتمتع به من مصداقية وثقة لدى أبرز الفاعلين الدوليين لمساعدة إفريقيا في بناء صرحھا الاقتصادي التنموي، وفي ذلك تعميم للفائدة بين جميع البلدان الإفريقية، بما في ذلك المغرب. وخير شھادة على ھذا الدور الطلائعي للمملكة ھو ما أبرزته نشرة “دي أفريكان بولتان”، وھو مركز رائد ومستقلّ للأبحاث متخصص في الشؤون الإفريقية، حول نجاعة رؤية الملك محمد السادس من أجل تنمية إفريقيا، وإن من شأن ھذه الرؤية المساھمة في صعود إفريقيا مستقرة ومزدھرة.

* “صحيفة الناس”

‫تعليقات الزوار

2
  • ahmed nouri
    الخميس 27 فبراير 2014 - 21:39

    فعلا أنا متفاجئ من أسلوبك الرائع وباللغة العربية، ما أعرفك عنك هو إتقانك للغة الفرنسية بشكل كبير….دمت متألقا أيها الرائع.

  • marrueccos
    الخميس 27 فبراير 2014 - 21:54

    لو إستثمرنا في " الكاكاو " الإڤواري سنحقق هدفين ! أولا إحداث مقاولات صغيرة داخل المغرب لتحويل الكاكاو لشكلاطة في مستوى ذوق المغاربة وما كلفنا الوزير " الكروج " وغيره أمولا طائلة لإستيراد شكلاطة أوربية ! ثانيا سنقدم نموذجا للتعاون جنوب جنوب يشترك في إستهلاكه المواطنون والوزراء على حد سواء ! وساهمنا في دمقرطة إستهلاك الشكلاطة عالية الجودة !!!!!!!

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 3

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 18

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 4

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية