خلفيات انزلاق بان كي مون في الصحراء

خلفيات انزلاق بان كي مون في الصحراء
الإثنين 14 مارس 2016 - 19:54

في مقال لنا حول الموضوع نشرته هسبريس بداية شهر أكتوبر من السنة الماضية بعنوان “التجربة السويدية” والصحراء، ردا على الموقف السويدي من القضية الوطنية الأولى، حين راج حديث عن عزم ستوكهولم الاعتراف بالكيان الوهمي، استعرضنا مجموعة من العناصر التي مهدت لموقف مثل ذاك الذي كانت هذه الدولة الاسكندنافية تعتزم اتخاذه وتَبَنيه لولا تدخُّل اللحظات الأخيرة لدبلوماسيتنا البطيئة.

من تلك العناصر أو الأفكار ذكرنا صمْت الدولة المغربية عن إقرار الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن الدولي، منذ بدء المفاوضات مع جبهة البوليساريو في سنة 2007، عن توصيف الصحراويين المقيمين على التراب الجزائري بصفة “لاجئين” بأنهم “شعبُ الصحراء الغربية” ، وهو ما أشارت إليه جل أو كلُّ القرارات ذات الصلة منذ تلك السنة وإلى غاية آخر قرار صدر في السنة الماضية (أبريل 2015) والحامل للرقم 2218.

ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التعلم أو التوفر على زاد من علم السياسة والقانون الدستوري للاستنتاج أن كلمة “شعب” تتعلق وتهم أناسا يجمعهم وطن واحد يعيشون على أرض ويحكمهم حاكم، وهو ما يعني وفق ما تواترت على ذكره وثائق الأمم المتحدة أن الصحراويين اللاجئين أو المحتجزين (كما يصفهم المغرب الرسمي)، لا تنقصهم إلا “الأرض” ليُعلنوا عن دولتهم ويتقدموا إلى هيئة الأمم المتحدة لنيل العضوية، وهو ما يبدو أن السيد الأمين العام الأممي بان كي مون قد مهد له بتصريحاته الأخيرة في زيارته للمنطقة، والتي وصف فيها قضية الصحراء بـ”الاحتلال” وأنه على الأطراف التوصل إلى حل للصراع وهو “ما سيمكن الصحراويين من العودة إلى ديارهم في الصحراء الغربية”، أي إلى “الأرض /الإقليم” الذي ينقص لإعلان الدولة (الوهمية طبعا) !

وبينما كانت السلطات المغربية تأمل في أن يتدارك المسؤول الأممي الأول “انزلاقاته اللفظية” ويلجأ على الأقل إلى “التصويب” –وهذا أضعف الإيمان إذا لم يعتذر- كما يفعل في الغالب المسؤولون المسؤولون عن تصرفاتهم عندما تُفهم تصريحاتُهم بما لا يقصدون أو تُحَمل أكثر مما تحتمل أو تُخرَج عن سياقاتها، كلّف بان كي مون الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، للرد على الصحافيين الذين سألوه عن موقف الأمين العام من الاتهامات المغربية حيث أجاب بالقول: “إن موقف المنظمة الدولية لم يتغير”، وأضاف أنه “يعتقد أن الأمين العام والأمم المتحدة ملتزمان بالحياد”، ومؤكدا في نفس التصريحات بأنه (الأمين العام) يرغب في التأكد وهو في عامه الأخير في المنصب بأن قضية الصحراء الغربية “مطروحة بقوة على جدول الأعمال”.

ولتشريح تصريحات الرد الأممي على الاتهامات المغربية لأمين عام المنظمة العالمية، وبغض النظر عن خلو ذلك الرد من أية إشارة إلى الاتهام بوصف المغرب بلدا “محتلا” وهو ما يعتبر مقصودا وغير مبرر من مكتب بان كي مون، فإن الإشارة إلى أن الأمين العام يريد التأكد وهو في عامه الأخير (ونسطر بالأحمر على عامه الأخير) في المنصب بأن قضية الصحراء “مطروحة بقوة” على جدول الأعمال، إنما تعني أحد الأمرين التاليين:

الأمر الأول: إحساس شخصي بتقصير من طرف الأمين العام إزاء حال الصحراويين الذين عمرت قضيتهم أزيد من أربعة عقود، منها نحو عقد من الزمن في عهده دون أن تجد لها حلا، وهذا الأمر يعتبر مبالغا فيه إن لم يكن كذِبا ونِفاقا، على اعتبار أن المسؤول الدولي الأول الذي قضى نحو عشر سنوات على رأس أول منظمة أممية كان من اللازم أن يتحرك فيه الجانب المهني والإنساني قبل ذلك بسنوات، على الأقل لإعطاء الانطباع بأن تحركاته منسجمةٌ مع قرارات مجلس الأمن الدولي التي ما فتئت كل سنة تشير إلى وضعية الصحراويين المعيشية والحقوقية والإنسانية المزرية، لا أن يأتي في آخر أيام ولايته ويبدي حماسة زائدة غير مبنية لا على أسس قانونية ولا أخلاقية.

الأمر الثاني: ويعني أن بان كي مون تبنى بشكل مطلق موقف خصوم المغرب (الجزائر والبوليساريو) بأن تكون زيارته الأولى من نوعها لمنطقة الصراع فرصة لـ”الضغط” على المغرب لكي يقدم تنازلات ويستأنف جولات الحوار المباشر مع البوليساريو متخليا عن شرطه الأساسي والمحوري المتعلق بـ”الحكم الذاتي” كحل وكأساس لأي حوار؛ وهنا نستحضر مواقف الجزائر الداعية –على لسان مسؤوليها في العديد من المناسبات- المجتمع الدولي للضغط على المغرب والعودة إلى طاولة الحوار مع الجبهة الانفصالية. أضف إلى ذلك أنه عشية زيارة بان كي مون خرج قادة البوليساريو بتصريحات استشرافية متفائلة لزيارة الأمين العام، واعتبرها ممثل البوليساريو في الأمم المتحدة، المدعو أحمد البخاري، في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية أن الزيارة “ستكون عنصر ضغط مهم على المغرب”. بل إن البخاري ربط بشكل خاص بين هذه الزيارة وما سماه “الضغط” على الرباط، قائلا إنه “إذا لم تكن هناك ضغوطات صارمة وفعلية على الموقف المغربي (..) ستضيع هذه الفرصة”.

وفي ذات السياق، وهنا ننبه إلى خطورة تطابق “موقف” الأمين العام مع موقف “الأطراف الأخرى” في قضية الصحراء، نورد تصريحا لنفس الوكالة الجزائرية الرسمية للقيادي في البوليساريو، حيث قال “إن زيارة الأمين العام ستعطي طابعا للقضية الصحراوية وكفاح الشعب الصحراوي في أولوية أجندة الأمم المتحدة وخاصة في أجندة الأمين العام ومجلس الأمن”. وهذا التصريح يكاد يكون نفسه الذي أصدره مكتب الأمين العام تعقيبا على اتهامات المغرب حين أشار إلى أن الأمين العام يريد التأكد وهو في عامه الأخير بأن قضية الصحراء “مطروحة بقوة على جدول الأعمال”. إن ذلك لا يمكن اعتباره ألبثة من قبيل الصدفة إلا مِن لدن ذي نظرة غير متبصرة !

الأمران السالفان يجعلان المرء لا يتردد في وضع السيد الأمين العام الأممي على محك المصداقية لقياس مدى توفرها عنده، وهذا يستدعي منا استحضار معطيات ندعو القارئ لتمحيصها والحكم عليها:

أولا: بان كي مون تجنب زيارة المغرب في نونبر من السنة الماضية وقتها كان الملك محمد السادس يتواجد بالأقاليم الجنوبية للمملكة (الصحراء الغربية) لإحياء الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، حيث فُهم من ذلك أن الأمين العام أراد أن يقف على نفس مسافة الحياد حتى لا يقال أنه يعترف بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية. عكس ذلك لم يتردد الأمين العام أثناء زيارته الأخيرة لجبهة البوليساريو (بالموازاة مع ذكرى تأسيس ما تسميه الجبهة دولتها) من الالتقاء وأخذ الصور مع قيادات انفصالية في منطقة بئر لحلو، وهي منطقة توجد شرق الجدار الرملي الذي أقامه المغرب وقد سلمها الأخير لبعثة الأمم المتحدة منذ وقف إطلاق النار في سنة 1991، واعتُبرت منطقة معزولة بينما سارعت البوليساريو إلى إقامة ثكنات ومنشآت عسكرية بها واعتبرتها “مناطق محررة” تابعة لها، أمام صمت المغرب والأمم المتحدة معا.

ثانيا: بان كي مون لم يتطرق وهو في تندوف والجزائر، لا بالتلميح ولا بالتصريح، لما دأبت تقارير مجلس الأمن الدولي على التنصيص عليه من ضرورة إحصاء ساكنة مخيمات تندوف، مثلا، والعمل على حفظ المخيمات من الجماعات المسلحة العابرة للقارات التي لم يتردد خبراء أمنيون وتقارير مراكز مختصة في اتهام بعضها باختراق المخيمات بل واستقطاب بعض شباب المخيمات إلى صفوفها، هذا عدا عن عدم التطرق لمسألة المساعدات الإنسانية التي أشارت تقارير منظمات إقليمية ودولية إلى تهريبها عن المخيمات وإعادة بيعها من طرف قيادات من البوليساريو وضباط جزائريين.

ثالثا: بان كي مون لم يسلَم على مدى ولايته من انتقادات من طرف مسؤولين وسياسيين ومفكرين، بل حتى مِن طرف زملاء له موظفين دوليين حول “نزاهته”، حيث سبق مثلا لإحدى الموظفات المسؤولة في مكتب خدمات المراقبة الداخلية المكلف بمكافحة الفساد في الأمم المتحدة، وتدعى إينغا بريت الينوس، أن قدمت تقريرا “أسود” اتهمت فيه الأمين العام الأممي بـ”إعاقة عامة”، وخاطبت الأمين العام بان كي مون بالقول دون مواربة بأن “أعماله ليست مؤسفة فقط بل تستحق العقاب” !

لن نزيد أكثر من ذلك ولدبلوماسيتنا ومسؤولينا التعليق والتحري والتحرك.

[email protected]

https://www.facebook.com/nourelyazid

‫تعليقات الزوار

5
  • مغربي
    الإثنين 14 مارس 2016 - 21:40

    السؤال الرهيب هل الدبلوماسية المغربية تمثل فعلا مصالح البلاد؟ الجواب بالطبع لا.
    مع الجزاير و فرنسا فقدنا الكثير حتى بدأت أفكر ان اضعاف المغرب هو مشروع جهنمي فرنسي و الا دات التي استعملت هي الولادة القيسرية لدولة لم يكن لها محلا من الاعراب قبل 1962.

  • hassan
    الإثنين 14 مارس 2016 - 21:46

    لا انزلاق و لا هم يحزنون ,السيد مرسول ….
    الغرب لن ينضر لتقارب امغرب من روسيا بعين الرضى…الله يستر و صافي

  • KITAB
    الإثنين 14 مارس 2016 - 21:47

    كثيرة هي الآراء التي أعقبت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص الصحراء المغربية ، ولو أنها في عمومها غارقة في العاطفة الوطنية ، دون أن نكلف أنفسنا عناء وضع تصريح بان كي مون في سياقه الدولي والإقليمي ، كما هو جدير بالإشارة إلى ديبلوماسيتنا المغربية وهل لها نصيب في هذا الشطط الذي ورد على لسان كيمون ؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى أصبحت القضايا الدولية تتداخل فيها أطراف عدة منها ما يمكن تسميته بالديبلوماسية الموازية على مستوى بعض المؤسسات الحكومية كالبرلمان والأحزاب… فالمغرب يعاني تصحرا كبيرا في هذا الجانب ويكاد يعتمد في تلميع صورته في الخارج أو بالأحرى التعريف بحقوقه هي أسماء تتحرك من حين إلى آخر ولو أن تدخلها يكاد يكون محدودا ، في حين أن خصومنا وفي كل وعلاقاتهم الإقتصادية التي يبرمها مع الآخرين يطرح فيها قضية الصحراء وضرورة اتخاذ موقف منها حتى تستكمل الاتفاقيات والصفقات المبرمة مع هذا البلد أو ذاك ، فهم يوظفون كل شيء لترجيح أطروحتهم لدى كل الدول التي ترتبط بها اقتصاديا أو سياسيا.

  • citoyenne du monde
    الإثنين 14 مارس 2016 - 21:58

    Ce sont les erreurs commises par le Maroc, depuis le début de ce problème, qui ont encouragé certaines parties à transgresser les limites, justement parce l'Etat n'a établi de limites que pour les patriotes qui ne voulaient pas entendre parler de référendum puisque le Maroc a libéré une partie de son territoire. On a également fait taire ceux qui ont considéré la bande du Polizario inapte à négocier quoi que ce soit avec un état souverain. Et puis on ne sait pas quel genre de diplomates est-ce qui ne maitrisent pas les termes légaux et qui ne comprennent pas que cela comporte des conséquences réelles.

  • غيور
    الإثنين 14 مارس 2016 - 22:25

    لا فض فوك أخي الكاتب المحترم على مقالك المتوازن كما عودتنا في كل مناسبة..بالفعل وضعت النقط على الحروف ولدبلوماسيتنا واجب التحرك قبل فوات الأوان. .على سلامتك ااسي اليزيدي بعد تعافيك من العملية والعودة للقراء..

صوت وصورة
رسالة أمير الكويت للملك محمد السادس
الجمعة 7 ماي 2021 - 22:20 3

رسالة أمير الكويت للملك محمد السادس

صوت وصورة
مع ربيع الصقلي
الجمعة 7 ماي 2021 - 21:30 1

مع ربيع الصقلي

صوت وصورة
حزب مايسة: قضية الصحراء المغربية
الجمعة 7 ماي 2021 - 20:00 7

حزب مايسة: قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
سال الطبيب: تجنب العطش والجوع
الجمعة 7 ماي 2021 - 18:30 8

سال الطبيب: تجنب العطش والجوع

صوت وصورة
تعزيز المساواة بين الجنسين
الجمعة 7 ماي 2021 - 15:09 8

تعزيز المساواة بين الجنسين

صوت وصورة
انهيار محلات تجارية بفاس
الجمعة 7 ماي 2021 - 13:34 4

انهيار محلات تجارية بفاس