[دروب الإنسانية من سقراط إلى ميسي]

[دروب الإنسانية من سقراط إلى ميسي]
الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 11:12

أذكر فيما أتذكر،من حكايات مدرسة بداية الثمانينات،وأنا في سلك الإعدادي،أن أستاذ مادة الاجتماعيات،وهي الحصة التي بقيت أعشقها كثيرا،لايوازيها في هذا المقام غير الفلسفة،باغتنا ذات ظهيرة بسؤال، وأغلبنا قد استغرقته شبه قيلولة بسبب قيظ مراكشي ساخن،عن مدى معرفتنا بسقراط؟.

أسرع أحد التلاميذ برفع أصبعه،وتنبجس من عينيه ثقة عالية في مايريد قوله،تجلت بوضوح عبرترديده المتتالي لنداء : “أستاذ،أستاذ،أستتتتتتاذ”. أيقضنا بقوة،من سباتنا الصحراوي، التفتنا صوبه جميعا،تلهفا لسماع جوابه، لاسيما وأن صاحبنا اشتهر بمستواه العلمي الضعيف.

أشار عليه الأستاذ بالتكلم ،فلم يتردد التلميذ بأن تفوه بعبارة أغرقتنا في ضحك هستيري،استعاد صمت الأموات فقط،لما انقلب الأستاذ إلى وحش كاسر يرغي ويزبد ويصرخ صوب كل الاتجاهات،ملقيا بأنواع من الشتائم ماصلح منها ومابطل في وجه التلميذ،ومتوعدا إياه بشتى الويلات والتبور،ثم قاذفا المسكين خارج الفصل إلى غير رجعة بركلة لولبية على مؤخرته،ولن ينعم قطعا مرة ثانية بمقعده الدراسي،حتى يحضر معه إلى إدارة المدرسة،السلالة السابعة لأولياء أمره،إلخ.

تدرون،ماهو التلفظ اللغوي الذي فجر كل هذه العاصفة الهوجاء؟

-“سقراط،ياأستاذ،لاعب المنتخب البرازيلي”.لقد اعتقد اعتقادا صادقا فيما أدلى به،ولم يكن الأمر تهكما،لأنه والحق يقال،أفراد جيلي كانوا يخشون المدرس جدا،ولم نكن نجرؤ حتى تخيلا،على ارتكاب صنيع من هذا القبيل.

مناسبة الإحالة الخاطئة،أن تشكيلة فريق السامبا،ضمت آنذاك فعلا بين صفوفها لاعبا مشهورا يحمل هذا الاسم،يقال أيضا بأنه كان طبيبا.لكن نهايته،لم تكن سعيدة،لما أدمن الكحول بعد نهاية مساره الكروي،ومات قبل الأوان.

بالمطلق،لم يكن الأخير،نموذجا لأفق الأستاذ،وهو يستحضر بمتعة تفاصيل الحضارة الإغريقية،بل أراد بكل بساطة شغفا جامعا مانعا بالفيلسوف سقراط،ربما قدم له ارتياحا نفسيا بخصوص توجهنا في الحياة،بجعل الحكمة والمعرفة العميقة،هاجسنا الأول والأخير.

أستحضر هذا المثال،بمثابة وجهة نظر ناقدة، قد لاتجد ترحيبا لدى أفراد الجيل الحاضر،ومدرسيهم الشباب الذين انزاحوا بمائة وثمانين درجة،عن مرجعية وأسانيد وقصديات وأحلام،زمرة مدرسنا المشار إليه أعلاه،الذي علمت صدفة عن طريق بعض معارفه،أنه قد رحل عن هذا العالم يائسا ومتذمرا من المنحى القيمي الغريب والسوسيو-ثقافي الجديد،الذي أطفأ كليا شعلة القيم الكبرى،وأضحى لايفرز غير الغباء.

من المفترض،ممارسة التاريخ لحقه،لكن ليس طبيعيا أن يجرف كل شيء تشوفا لأي شيء.كما أن التاريخ،قبل كونه مقولة مجردة،يجسد سياقا لكائنات حية.

فيما مضى وبالضبط عقدي السبعينات والثمانينات،اعتبر أهل تخصص الاجتماعيات،من النخب الطليعية التي ابتغت للمدرسة ومن خلفها المجتمع المغربي،مشروعا حداثيا وتقدميا.السبب،يعود بغير أدنى تفكير،إلى معرفتهم الموسوعية بالتراكمات الزمانية والحضارية، و ماتخلقه في أمخاخهم من وعي تاريخي ثاقب، بنوعية مرتكزات المنظومة المجتمعية القائمة،ثم العتبات الممكنة للتجاوز.يستوعبون،أكثر من غيرهم،الحدود الابستمولوجية الفاصلة بين العلم وسياق المفهوم والإيدولوجيا،وتأرجح الأخيرة بين الوعي الزائف(التكريس)ثم الحس التاريخي(التغيير).

إذن، التلميذ وقد حدث لديه خلط بين الحكيم سقراط،بسقراط لاعب الكرة،ارتكب زلة معرفية جسيمة بناء على وضعية المدرسة المغربية آنذاك،وهو ينحدر بالفلسفة كمنظور إنساني أصيل،للتحرر من عفن الإيديولوجيا،إلى مرتبة كرة ارتقت لدينا من مجرد فيزياء جسدية،إلى أدلجة ماكرة تنبه لها جيدا خبراء الحس اللا-إنساني ،بهدف بناء تجمعات منخورة عفوا روبوتيكية،صنمية،توثينية،نمطية،لايفهم أفرادها غير الخطاب الكلياني والوحيد.ألم تلاحظوا،أنه قد أضحى موضة،بل قدرا يتفنن الجميع في تمثل أقصى مناحيه،والاجتهاد في مراكمة الطقوس والأنماط الإشارية والخطابية والسلوكية؟التئام جحافل من البشر،كي يشاهدوا مباراة في كرة القدم،لاسيما مع هذه الأندية الكبيرة التي صارت تشبه شركات عابرة للقارات،وعناصرها غدت لهم مكانة القادة التاريخيين.

في ظل السجال ذاته،لكن مع بروز فارق سوريالي،حيث انتهى أستاذ الاجتماعيات إلى غير الملهم السقراطي،والكرة انتفخت فوق الفائض،مقابل مزيد من تفريغ لحمولة العقول.

التقيت مؤخرا صدفة،مدرسين يتأبطون شهادات جامعية في التخصص عينه.بعد جمل الود والمجاملة،شرعنا نناقش موضوعات عامة،لكني حدست بأنهم لم يكونوا على سجيتهم،ويطويهم ارتباك ما، فيستعجلون أمر النقاش.فجأة، حدث هرج ومرج،أدرت عنقي صوب الضجة،بدت لي حشود تلج باب المقهى مثنى وزرافات.

ماكدت أستعيد وضعي الأصلي،حتى اعتذر مني الزملاء مسرعين إلى مقاعد أمامية،شدوا وثاق بعضها إلى بعض بحبل منذ الصباح،كدليل على أنها محجوزة وغير شاغرة.حرب مخابراتية،ومهارات جيو-ستراتجية،كي يستبقوا مكانيا،الصغار الذين يدرسون عندهم،في سبيل ماذا؟الالتصاق أمام الشاشة،من أجل متابعة حرفية وخطية لمقابلة كروية بين برشلونة وريال مدريد.

بالتأكيد،في اليوم الموالي،سيطرحون معهم في الفصل،نقاشا يتعلق مضمونه بإشكاليات الخطة ومنطقية النتيجة وميسي ورونالدو،ومنذئذ لن يحق لهذا المربي المستلب أن يحث التلاميذ على التفكير الحر والجد والاجتهاد واستثمار الوقت بشكل معقول،مادام هو ذاته في حاجة ماسة إلى إعادة تكوين معرفي وتهذيب تربوي، لم يستوعب بعد، نهاية العلم وبداية الإيديولوجيا.

وبما،أن الشيء بالشيء يذكر، فحينما تسأل حاليا تلميذ التخصص العلمي عن مدى معرفته بنظرية أينشتاين،سيجيبك بكل بداهة أن “ميسي” أرجنتيني انتقل إلى برشلونة !!!وعندما،تخبر تلميذ الآداب،بوجود رموزمن طينة طه حسين،يساجلك بأن “رونالدو” يأكل كذا ويصاحب في أماسيه تلك.

فما نصيب الغثيان السارتري،في هكذا مواقف؟؟.

‫تعليقات الزوار

6
  • اللعب والجزاءاو العقاب
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 12:14

    ان استادك لا يعرف الرياضة ومأساة فريق 82.لقد كان دلك الفريق نهاية الرياضة كفن وبدايتها كمهنة،وصدمة لازالت في نفوس الرياضيين،تقول المناهج التربوية الجديدة انه يجب استثمار اهتمامات آلتلاميد والارتكاز عليها في بناء المعارف فالتربة الحديثة ستصاب ايضا بصدمة لمواقف الاستاد الكلاسيكية ،ما معنى الجزاء والعقاب او الترغيب ولو بدرهم او الفلقة اوالتهديد ولو توعدا في التربية ،يقول بياجي ان هدان النهجان هما عنوانان للفشل التربوي للأب او المدرس ،وعدم قدرتهما على الحوار مع الاطفال او الشباب،كل المدارس التربوية باستثناء مايسمى بالحديتة تبيح الضرب والرشوة من اجل دفع آلتلاميد الى العمل ،اما اللعب فبياجي يعتبره وسيلة ناجعة ولكن صعبة للتدريس وتعليم الفكر الديموقراطي ،اليسار التربوي الدي لا يعترض على الجزاء والعقاب متل ماكرنكو الشيوعي يعتبره اداة للتعليم ولادكاء روح التعاون والاتحاد ،اما المدرسة الكلاسيكية والتي ينتمي اليها استادك فإنها تعتبر اللعب ومنها الرياضة مضيعة للوقت ،ان اصعب ما في التعليم هو فهم وحوار آلتلاميد ،ولسيما في المغرب حيت يصل عدد آلتلاميد الى الخمسين وعلى الخصوص في تناويات ضواحي المدن ،

  • مغربي حتال الكفن
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 16:21

    أسلوبك السي بوخليط الجميل والمتعالي لم يكن مدعوما بشهادة عميقة وقابلة لأن تلقن للأستاذية وتدرس للتلاميذ لماذا؟ إليك
    الأستاذ ديال الاجتماعيات الذي تتفاخر بالمرور في طابوره هو نموذج للأستاذ المتغلق وغير المنفتح على شروط عيش الواقع،‘بحاجة لشرط التكيف مع الوااقع ،الذي عبر عنه التلميذ في قالب رياضي يفلت من مخيال المتعلم
    ضيع فرصة خلق توتر مفصلي لشرح مايرغب في شرحه لأن ماقاله التلميذ الذس وصفته بالكسول أرضية لبناء وضعية مشكلة غاية في الروعة’لكن محدودية معارف الاستاذ الإجنماعية والفنية وحسه الوثوقي الأحادي الرؤية جعله يفقد أعصابه متسببا في سلخة وطرد غير مبررين لشاب يعيش الواقع الذي صمنه الكرة وحدوثة منتخب 82 التي ربما كان واحدا من المتفاعبسن معها لكنه في القسم يريد فكرة النظام والجد وطرد خطابات الزنقة
    نقطة أخرى أش بين الاجتماعيات والفلسفة وزيدون سقراط ماشي مؤرخ هو فيلسوف الساحة والاغورا كما أن التلميذ لن يتعرف على سقراط لأن الفلسفة لن يتعرف عليها سوى في أواخر الباكالوريا,شخصيا ولكوني أستاذ أتفهم مثل هكذا حالات أستاذية متشنجة وأشفق عليهم حتى،لأنهم للأسف بينهم وبين طريق تمرير المعرفة بون شاسع

  • الاستاذ ميسي
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 17:14

    لقد تغير الزمان كثيرا يا صاحبي و يبدو انك مشتاق الى ذلك الماضي الغابر الذي كان فيه الاستاذ يقدم نفسه على انه فيلسوف الفلاسفة و أعلم العلماء ..و حتى لا يكتشف احد من طلابه كذبه و تدليسه تجده دكتاتورا متجهما جائرا لا يستطيع ان يفتح حتى ولو ابسط النقاشات مع تلامذته خوفا ان يكشوا امره و عدم كفاءته في بعض المجالات ..و انا اكتب هذه الاسطر تذكرت استاذا في الاجتماعيات اراد ان يشرح لنا نظرية مالطوس في الاقتصاد لكنه سرعان ما تعثر بين المتتاليات الهندسية و الحسابية. و لما رأيت ان صاحبنا قد اشكل عليه الامر رفعت اصبعي لأوضح له الامر فلم يتقبل ذلك بالمرة رغم اني كنت طالبا في شعبة العلوم الرياضية و اكثر منه دراية في علم الحساب….
    و الأن فهمت اكثر من اي وقت مضى لماذا كان الرجل ديكتاتورا جائرا ..لابد انكم فهمتم انتم ايضا ..حتى يبدو كقناع عالم يختفي وراءه جاهل.
    بقلم استاذ يجلس جنبا الى جنب مع طلابه في نفس المقهى لمتابعة مباريات الشبينسليغ

  • close
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 17:25

    ay ya yay, des gens qui ont découvert quelques bouquins de philosophie de l'histoire et quis'empressent par la sensation d'avoir quqchose de haut, à écrire. mais qu'est ce qu'ils ecrivent? je vous conseille d'aller vous resposer et réflechir de faire quqchose de positif et de rentable pour votre vie.

  • أستاذ الزلاقة الإبتدائية
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 22:30

    ليست الثقافة الكروية أو الرياضيةعموماعائقا ابستمولوجيا في سيرورة الإكتساب بل بالعكس وللأسف لاينبغي أن نسجن أراء المرء في قوالب الفلسفة العامة وهنا يجب أن نقر أنه قد تكون هذه القوالب عائقا تستند على مدخرات الذات وبالتالي ننسكن لها فتصبح "حتمية"عقلية أقل مايمكن أن توصف بالكسل أو الخمول.ربما حادثة القيلولة تشهد على ذلك."عودا على بدء" أن حقول المعرفة الإنسانية استفادت كثيرا من تطور مجالات الرياضة وأغنت نظرياتها البيداغوجية. لنتوقف قليلا ونطرح السؤال في نظرك أقصى ما يسعى إليه الرياضي هو أن يكون "أداؤه عاليا" متناسقا ولبلوغ هذا الهدف الإجرائي الملموس النتائج ماذا يلزم؟يلزم تدخل علوم عدة تتكامل عند تحقيق الإنجاز؟لاغرابة إذاماشدت وشلت حركات الناس مباريات تلعب على الطراز العالي.شخصيا لاأجد غضاضة في متابعتهامع تلامذتي في مقهى شعبي.
    ربما آن ألآوان أن تقرأ عبارة "الفلسفة لايدخلها إلا من كان [رياضيا]".
    هنا أتذكر حين فاجأنا في تظاهرة رياضية بالثانوية عموم التلاميذ حين بلوغنا النهائي في كرة القدم ونحن كنا ندرس في شعبة العلوم الرياضية لاحظنا دهشة عارمة،مبارةاستقطبت جميع من في الثانوية للحضور"ذهنيا".

  • sifao
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 23:28

    الحياة تغيرت 180 درجة حقا ، لكن ليس من الاحسن الى الاسوء كما تريد ان تقول لنا وانما العكس تماما ،الحياة السعيدة للاجيال القادمة ، حياة المتعة والفرجة ، سيتم تجاوز معضلة الخبز قريبا ، الفلسفة ليست افكارا لأشخاص ينزوون في زوايا مظلمة منعزلة ويبدأون في الهلوسة ،الفلسفة طريقة في الحياة ايضا ، فاذا كان سقراط الفيلسوف يعشق المعرفة حتى الموت ، فأن ميسي ايضا يغازل الكرة بطريق جنونية ، اما سقراط اللاعب فقد رفض عروضا مغرية من" بيبسي" مقابل لوحة اشهارية ، هذا موقف فلسفي ايضا ، قرأت في احدى الصحف ان "ميسي " تبرع لاطفال سوريا ب100 الف اورو ، من ماله الخاص ، وهذا موقف فاسفي كذلك،الفلسفة هي كل فعل ابداعي مميز وليست افكارا عن الموت والحزن والارادة ، حقا لا تعجبك عروض فن "الاكروبات" أوالسباحة الايقاعية ؟
    في السبعينات كان امتلاك تلفزة مثل امتلاك تحفة نادرة ، بشق الانفس تتبين لنا الصورة المشوشة لقناة واحدة تفرض عليك فرضا ، اما الآن فقد تغير الوضع كثيرا ، الأف القنوات ثابتة ومحمولة ، الانسان يحمل العالم في جيبه ، ويكون ميسي هو من اوائل المستقبلين للزوار على الصفحات الاشهارية والافتراضية ،العالم يتغير .

صوت وصورة
البوزيدي وتقنين القنب الهندي
الثلاثاء 2 مارس 2021 - 22:06 4

البوزيدي وتقنين القنب الهندي

صوت وصورة
أسباب إيقاف الحق في المعاش
الثلاثاء 2 مارس 2021 - 21:27 4

أسباب إيقاف الحق في المعاش

صوت وصورة
متضررون من فيضانات تطوان
الثلاثاء 2 مارس 2021 - 18:58 8

متضررون من فيضانات تطوان

صوت وصورة
مستجدات محاكمة الريسوني
الثلاثاء 2 مارس 2021 - 17:40 3

مستجدات محاكمة الريسوني

صوت وصورة
اعتصام أطر الإدارة التربوية
الثلاثاء 2 مارس 2021 - 16:31 5

اعتصام أطر الإدارة التربوية

صوت وصورة
أزمة فناني الأطلس المتوسط
الثلاثاء 2 مارس 2021 - 15:27 13

أزمة فناني الأطلس المتوسط