دفــاعا عن الدولـة

دفــاعا عن الدولـة
الخميس 8 شتنبر 2016 - 11:51

لم يعد خافيا على أي متتبع نبيه ما وصله مستوى تبخيس الدولة لدى فريق هام من النخبة السياسية المغربية، حيث باتت فكرة الدولتين تشكل جزء من الخطاب السياسي التحريضي بعد أن تواتر استحضارها، بمناسبة أو بدونها، بغير قليل من الخفة ومن غياب الوعي الفكري والنظري بمفهوم الدولة وتمايزه عن مفهوم السلطة. غير أن هذا الخلط والتماهي في المفاهيم لا يقف في حدود البناء الخطابي، بل يقـود ، في غالب الأحيان، إلى استنتاجات مغلوطة ومنزلقات سياسية تهدد بنيان الدولة ووحدة المجتمع.

وتتناسل عن فكرة الدولتين توصيفات شتى بين دولة عميقة و دولة موازية و أخرى مخزنية، بل دولة داخل الدولة نفسها… ! وهكذا حتى صار الجميع، من أصوليين وفوضويين، يشتهون جثة الدولة و يتفننون في شيطنتها وإثقال كاهلها بكل التهم والمساوئ وكأنها أصل الشر المستطير والنكبات كلها، غير آبهيـن إلى أن إسقاط الدولة هو مقدمة للفوضى المعممة وإعلان ميلاد نظام الطوائف والمذاهب و مجتمع الفتنة والانقسام. يقع هذا في وقت لا يتردد الناقمون على الدولة في العيش في كنفها والاستفادة من مزايـاها و خدمـاتها، وتلك انتهازية مقيتـة: إنهم يأكلـون غلّتـها ويسبّـون ملّتها.

الدولة الحديثة عقلانية بطبيعة وظائفها داخل المجتمع، ولا يمكن أن تكون شيئا آخر غير ذلك.وإذا لزم الأمر، سنُذكّر بالمبادئ الأولى في القانون الدستوري و علم السياسة حول مكونات الدولة من أرض وشعب وسلطة سياسية. على هذا، ففكرة الدولتين تعني، قيـاساً واستنتاجاً، وجود أرضين وشعبين وسلطتين سياسيتين ! وهو الاستنتاج القاتل الذي يسقط صاحبه في مغالطة نظرية فادحة يختلط فيها الموقف من الدولة بالموقف من النظام السياسي. لذلك، فالشجاعة السياسية تقتضي أن يتجه الناقمون على الدولة إلى مخاطبة النظام السياسي رأساً، بدل تعويم الخطاب وتسفيه الدولـة التي هي دولة الجميع وفوق الجميع.

وخلف هذا الموقف الملتبس من الدولة، تصطف جملة من الأسباب، ليس أقلها الخلط والمماهاة بين الدولة والسلطة: فنصاب الأولى سيادي و مؤسساتي يتصل بحقل البنى والمؤسسات. أما نصاب السلطة فهو سياسيٌ تنافسي ينتمي إلى حقل الخيارات السياسية والبرنامجية، و مرتبط بتنازع المصالح والنوازع بين القوى الاجتماعية. الدولة كيان مؤسساتي جامع يدخل في حكم تكوينه الدستور والبرلمان و الحكومة والقضاء والجيش والإدارة والأحزاب و الشعب والحدود…الخ، وهي من مقومات السيادة التي لا تستقيم دولة بدونها. في حين، السلطة هي تجسيد لحقل الصراع السياسي بين النخب و الفاعلين، تحكمه ضوابط قانونية وأخلاقية، وغايته الوصول إلى الحكم لتدبير شؤون الدولة والمجتمع.

المشكل يبدأ في عدم تقدير الكلفة السياسية الناتجة عن عدم رسم الحدود والفواصل بين المفهومين. فمثلاً، حين يعمد زعيم حزب سياسي أصولي إلى شحن أتباعه ومريديه بالعداء للدولة التي يصفها بالعميقة تارة وبالموازية تارة أخر، فإنما يتوخى من وراء ذلك خلق الاعتقاد بالحاجة إلى دولة أخرى بمواصفات سيادية جديدة وبشرعيات نقيضة للشرعيات المؤسسة للدولة العصرية. ولن يكلف المرء تفكيره عناء البحث في الأصول الفكرية للمشروع الأصولي الذي يتبنى أطروحة تفكيك الدولة وإسقاطها في شباك الجماعة الدينية على مثال ما حاول تجريبه تنظيم الإخوان في مصر، و التنظيمات الإرهابية كالقاعدة و داعش في مناطق أخرى من بلاد العرب والمسلمين.

وفي ثاني أسباب الالتباس في الموقف من الدولة، نجد ضعف استبطان فكرة الدولة نفسها و صعوبة تمثلها وتوطينها في المخيال الجماعي و في النسيج الثقافي والنفسي. فالعقل السياسي الأصولي مثلا، متمردٌ على كل أشكال النمط المديني للدولة الحديثة بمقومات العصرية من قانون و سلطة ونظام واستقرار وتعايش وتقدم، وهو لا يزال مشدوداً إلى فكرة الولاء لدولة الخلافة التي تتجاوز الحدود الوطنية. لكن المغاربة وهم يستبطنون فكرة دولتهم، فإنما يستبطنون ذاتهم كجماعة سياسية مستقلة ومتميزة. ففي النهاية، الدولة ليست سوى تجسيدا للأمة السياسية التي تعاقد مواطنوها على الولاء لها بعد أن فوضوا لها مهـام العنـاية والرعــاية والحمــاية.

ومع أن الدولة المغربية الحديثة لم يمرّ على تأسيسها سوى ستون سنة، وهي، تبدو، بمقياس الزمني السياسي في المجتمعات المماثلة، غير كافية، لكن واقع الحال يشهد على ما حققه تطورها من أشواط كبيرة على درب توطينها في النسيج المجتمعي، إذ بلغ البناء المؤسساتي للدولة المغربية درجةً من التحديث والعقلنة ما يستوجب تحصينه من كل محاولات الاستئثار الفئوي أو التجنيـد الإيديولوجي أو الاحتكار السياسي. و لا شك في أن محاولات تعطيل الدستور المغربي، وهو الذي تكثفت بداخله كل معاني الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية، لخير دليل على حجم المقاومة الشرسة الذي تبديه القوى المحافظة أمام جميع إرادات تقعيد سلطة الدولة الحديثة والقيـام بوظائفها التنموية والتحديثية للمجتمع برمته.

يجب التمييز، إذن، بين الموقف الملتبس من الدولة الناتج عن خلطٍ في الجهاز المفاهيمي والنظري يضاف إليه واقع ضعف استبطان فكرة الدولة، وبين المواقف الإيديولوجية الواعية التي تخدم مشروعا سياسيا لا ينظر بعين الرضى لنموذج النظام في شكله الحالي، ويريد تغييره انطلاقا من تطويع الدولة بأجهزتها وبآلياتها المادية و أدواتها الإيديولوجية، وهو تفكير ينزع عن الدولة صفة الحياد والتعالي والاستقلالية، و يجندها لخدمة مصالح جماعة دون غيرها. وهذا الموقف الرافض للولاء للدولة، يتولد عنه حكماً نزع صفة المواطنة كرابطة قانونية تعاقدية، والتي لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا داخل مجال الدولة، فحتى الأحزاب السياسية هي أحزاب الدولة ولا يمكن تصور اشتغالها خارج مجالها ما دام حقل السياسة هو قناة مرور رئيسية نحو احتلال مواقع المسؤولية العمومية داخل مؤسسات الدولة دون سواها. ما عدا ذلك، فأي فهم نقيض إنما يشرعن للروابط العصبوية التي تؤسس للولاء للجماعات التقليدية بدل الولاء للدولة، وحسبي إنه مدخل للاحتراب الداخلي و خطر داهــم على وحدة وانسجام مكونات الاجتماع الوطنية.

‫تعليقات الزوار

6
  • مقال في الصميم
    الخميس 8 شتنبر 2016 - 14:53

    حياك الله يا أستاذ ، فعلا الدولة في حاجة إلى من يدافع عنها ، حيث صار ينهش جسدها الكثير من الجهال.
    فحتى وإن كانت شرا ، فهي شر لا بد منه .
    من الأقوال الماثورة : (حاكم ظلوم غشوم ولا فتنة تدوم ).
    (ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان).
    مرض العصر أن كل من تعلم حرفا إدعى فهما.
    قليل من الكتاب و المتكلمين ينتبهون إلى أن اختيارات الدولة المغربية منذ الإستقلال في إرساء قواعد التعددية السياسية و اقتصاد السوق ، جنبت البلاد الزلزال الذي أصاب دول الحزب الواحد و الإقتصاد الإشتراكي بعد سقوط جدار برلين.
    فلو لم يكن من أفعال للدولة المغربية إلا هذه الحسنة لكانت كافية لمغفرة كل ذنوبها.
    والدليل ما أصاب بلدانا مماثلة من دمار و تشريد للشعوب بعد سقوط الدولة فيها.
    وقليل منهم ايضا ممن يقارن بالحساب ما كان قبل الحماية و ما صار بعدها وما كان بعد الإستقلال.
    فعلى سبيل المثال كان عدد السدود في عهد الحماية 12 سدا ، ولقد صار عددها حاليا 150 سدا ، وقس على ذلك الطرقات ومؤسسات التعليم والصحة وكثير من المنجزات التنموية.

  • Mustapha Azoum
    الخميس 8 شتنبر 2016 - 15:46

    من الجدير ذكره ان الصراع السياسي في التجربة العربية بعد
    الاستقلال كانت تدور بين الدولة التقليدية والمعارضة الحداثية
    على العموم قمعت الدول الحاكمة القوى الحداثية التي كانت في
    اغلبها سلمية بالحديد والنار .
    بالجملة كرد فعل لما مورس على المعارضة من عنف وتقتيل
    فبعد هزيمة 67 غيرت المعارضة ثقافتها الحداثية وبدات ترفع
    من المحفزات الايديولوجية المتعمدة نوعا ما على الهويه و
    الا سلا م ا لرا د يكالي .

  • Lamya
    الخميس 8 شتنبر 2016 - 18:24

    مقال جيد وواقعي وهذه هي الحقيقة, شكرا للكاتب على هذه التوضيحات.

  • الحسن لشهاب
    الخميس 8 شتنبر 2016 - 20:48

    في راي المتواضع ،ينبغي اولا ان نفهم مفهوم عمق عبارة ،الدفاع عن سيادة و مقدسات الوطن،و عن درجة مفهوم حقوق و حريات المواطن داخل سلم المقدسات الوطنية،ثم الشعار و رمز المملكة ثم جغرافية الوطن ثم القانون و كل من يحميه و يسهر على تفعيله على احسن وجه،حفاظا على حقوق البيئة و حوق المواطن،و حقوق الاجانب ،في الحقيقة قد نكون جد خاطئون في مفهومنا للدفاع عن سيادة و مقدسات الوطن،عندما ينحصر فكرنا و ايماننا في ان هناك ما هو افضل او اكبر درجة من قداسة المواطن و كرامته ،ثم يليها مباشرة قداسة القانون و العدالة الاجتماعية ،اما قداسة رب العالمين فهت ليست في حاجة يعترف بها او يدافع عنها،فالرب قادر على اموره ،واكثر مما يتصوره العقل البشري،و مما لا شك فيه ان كلما كبرت درجة قداسة المواطن و قداسة القانون زادت درجة قداسة الوطن و رمز الوطن ،عن طريق الاحاسيس و المشاعر النبيلة الخالية من النفاق،اما ما نشاهده اليوم و للاسف الشديد، حيث مفهوم الدفاع عن الوطنية ينحصر في الدفاع عن المؤسسة الملكية منافقاتيا بكل المقاييس ،حيث الفساد انتشر بلا حدود انظلاقا من الفساد المالي مرورا بالفساد السياسي و الاداري و صولا الى الخلقي

  • إلى : 4 - لحسن لشهاب
    الجمعة 9 شتنبر 2016 - 00:44

    الفساد في أنظمة الحزب الواحد والإستبداد أكثر استفحالا منه في انظمة المبادرة الحرة واقتصاد السوق.
    بدليل أن الربيع الديموقراطي انطلق من بلاد المجاهد الأكبر الرئيس مدى الحياة ، ثم أطاح بملك ملوك إفريقيا القائد الأممي ابومنيار القذافي ، ثم كشف عن فساد نظام العسكر في مصر ، ثم دمر بلاد الأسد إو لا أحد وشرد شعبها .
    هذه كلها أنظمة جمهورية كانت تدعي أنها حداثية وتقدمية تقدس المواطن.
    نفس المواطن المنكوب اختار في الجزائر من اراد في انتخابات 1991، فألغى العسكر صوته وأثخنه بالقتل والجراح في حرب أهلية دامت عشر سنوات ،أكلت الأخضر و اليابس .
    الفساد يستفحل أكثر لما تضعف الدولة كما هو الحال في تونس حاليا حيث ظهر الفساد أكثر مما كان في عهد بنعلي, وكذلك العراق الذي نخره الفساد نخرا.

  • ملاحظ
    السبت 10 شتنبر 2016 - 16:39

    كاتب المقال، وكما عرفته، سياسي نظيف ومنسجم مع أطروحاته.

صوت وصورة
رسالة أمير الكويت للملك محمد السادس
الجمعة 7 ماي 2021 - 22:20 3

رسالة أمير الكويت للملك محمد السادس

صوت وصورة
مع ربيع الصقلي
الجمعة 7 ماي 2021 - 21:30 1

مع ربيع الصقلي

صوت وصورة
حزب مايسة: قضية الصحراء المغربية
الجمعة 7 ماي 2021 - 20:00 7

حزب مايسة: قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
سال الطبيب: تجنب العطش والجوع
الجمعة 7 ماي 2021 - 18:30 8

سال الطبيب: تجنب العطش والجوع

صوت وصورة
تعزيز المساواة بين الجنسين
الجمعة 7 ماي 2021 - 15:09 8

تعزيز المساواة بين الجنسين

صوت وصورة
انهيار محلات تجارية بفاس
الجمعة 7 ماي 2021 - 13:34 4

انهيار محلات تجارية بفاس