ذكرى الاتحاد المغاربي وسقطات الجارة الشرقية

ذكرى الاتحاد المغاربي وسقطات الجارة الشرقية
الأربعاء 17 فبراير 2021 - 22:52

يصادف اليوم 17 فبراير ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي. ومن المفارقات المثيرة أن تحل علينا هذه الذكرى ونحن نشهد فصولاً جديدة من انفكاك الفضاء المغاربي وانفضاض جمعه بدل لم شمل شعوبه، بسبب أخطاء متتالية يقترفها دعاة الفرقة ومناهِضو الوحدة. ولعل آخر هذه الفصول تلك السقطة الفنية التي وقعت فيها قناة الشروق فصارت حديث مختلف المنابر الإعلامية الوطنية والإقليمية وحتى الدولية. لم أُكمِل دقيقتين في مشاهدة تلك المادة التائهة الضائعة التي لا هي بالهجاء السياسي ولا المحاكاة الساخرة ولا كوميديا الأخلاق، بل هي في رأيي مسخ فني أخطأ الهدف وحاد بفن المحاكاة والكوميديا عن هدف هذا الفن السامي الراقي، ولم يفلح إلا في زرع المزيد من بذور الشقاق والفراق بين شعبين يجمعهما الكثير ويأبى البعض إلا أن يُمعنوا في التنقيب عما يفرقهما.

ففي أقل من دقيقتين، يقف المتفرج بأسى على سلسلة المزالق والمغالطات التي تزدري ذائقة المتلقي قبل أن تزدري العاهل المغربي المترفع عن كل تلك الطلقات الفنية الفارغة التي حاولوا توجيهها له. وما زاد الطين بلة هو الاستعانة بشخصية سياسية من الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) للمشاركة في هذه المهزلة، مما يدل على أن الأمر أبعد ما يكون عن الأداء الفني المحض كما يسوق البعض، بل إساءة ممنهجة لا تمت في رأيي بصلة إلى الأصناف الفنية الكوميدية. ومن بين المغالطات التي وقعوا فيها القول بإلزامية تقبيل يد الملك، وهذا لا أساس له من الصحة باعتبار الأمر أحد الطقوس الاختيارية التي اختار بعض المغاربة التمسك بها طواعيةً تعبيراً عن حبهم واختار البعض الآخر الاستعاضة عنه بمصافحة يدوية دافئة تصون احترامهم وتقديرهم لملكهم. السقطة الثانية هي وضع اليهود في خانة واحدة وشيطنتهم واعتبارهم كلهم خطراً داهماً، أو بالأحرى التعبير صراحةً عن معاداة السامية، والحال أن المجتمع المغربي يضم مواطنين يهوداً كاملي المواطنة، فضلاً عن كون معتنقي اليهودية هم أتباع النبي موسى عليه السلام الذي يعد إيماننا به من أركان الإيمان لدينا كمغاربة دينهم الرسمي الإسلام. أما السقطة الثالثة فهي ذلك الإقحام الفج للقرآن الكريم والدين الإسلامي لازدراء أمير المؤمنين المغاربة رغم أنف من لا يعجبه هذا اللقب! وذلك عبر القول إن أمير المؤمنين ليس مذكوراً في القرآن وإضافة السياسي المتطفل على الكوميديا بأنه لا يسجد إلا لربه، وهذا إقحام ساذج ودغمائية فاشلة تفتقر إلى أبسط المقومات الاستدلالية والجماليات الفنية. السقطة الرابعة هي التدخل السافر في علاقة الملك برئيس حكومته، وليس وزيره الأول كما أشاروا، ويبدو أنهم نسوا أن المغرب لم يعد له لقب وزير أول منذ آخر تعديل شهده دستوره المتجدد، وكانت هذه السقطة مغالطة يائسة تنم عن جهل بحقائق الحياة السياسية المغربية. السقطة الخامسة تجلت في التدخل في سيادة المغرب وممارسة وصاية خطابية مصطنعة وقومية مزعومة عبر رفض قراره السيادي في إقامة علاقات مع الآخرين! السقطة الخامسة هي المزايدة على المغرب في مسألة اتباع تدابير الوقاية من كورونا في حين أن القاصي قبل الداني يعرف سجل كل طرف في مواجهة جائحة كورونا، ولسان الحال أبْيَنُ دوماً من لسان المقال.

كلنا نحتاج في هذه الأوقات العصيبة لكوميديا وفنون تُدخل البهجة والفرحة على قلوبنا وتخفف عنا وطأة زمن كورونا، لكن شرط أن تكون هذه الكوميديا هادفة ومبتكرة وتحترم ذكاء المشاهد وقيمة الاختلاف ومبدأ التنوع. فغاية الفن هي البناء وليس الهدم، التجميع وليس التفريق. أنا لدي أصدقاء جزائريون أُعزهم وطالما قرأتُ كتب مبدعين جزائريين وشاهدتُ عدداً من أعمالهم الفنية المبدعة، لكنني وأنا أشاهد تلك المادة لم أرَ إلا سقطة تعكس إفلاساً فنياً وسياسياً يثير الشفقة. فمتى كان الفن أداة لتأجيج مشاعر التحاقد والتباغض بين شعبين جارين يتحدثان اللهجة نفسها ولهما قواسم تاريخية مشتركة عدة؟! متى كان التضليل والتظليم غاية للإعلام بدل التثقيف والتنوير؟ عندما يتحول الإعلام إلى معول هدم وبث للفرقة ونشر للنفايات العقلية، فإنه يغدو مع الوقت هباء وغثاء ويصبح مآله الاندثار مع الوقت.

من أجل كل هذا أقول: سيأتي اليوم الذي نحتفي فيه بذكرى تأسيس الاتحاد المغاربي ونتبادل التهاني بالإنجازات المشتركة العظيمة، ويومها سيكون على مثل هذه المنابر الاعتذار للجماهير التي أساءت إليها وآذت مشاعرها. وحريٌّ بنا والحال هذه عدم الانجرار وراء السقطات التي تقع فيها بعض منابر الجارة الشرقية، فالمغرب طالما رد على الإساءات بالإحسان والترفع، وطالما نجح في النجاة من الفخاخ المسمومة التي ينصبها له أشخاص منهم الضالون ومنهم المضلون. فنحن نعلم علم اليقين أن السواد الأعظم من الجزائريين ليسوا بالشتامين ولا اللعانين، ولذلك لن ننساق إلى التشاتم والتباغض والتحاقد. بل نقول مهلاً أيها الأشقاء، فإن غداً لناظره لقريب.

نعم، ستشرق شمس اتحادنا المغاربي يوماً ما، ويحتفل أبناؤنا وأحفادنا بثمار تلك النبتة التي زُرعت في مراكش قبل أكثر من ثلاثة عقود. تمنينا لو كانت نقاشاتنا اليوم احتفالاً بالإنجازات التي حققتها الشعوب المغاربية في مواجهة كورونا وفي حرية تنقل الأشخاص بين بلداننا ونقل البضائع بين أسواقنا. تمنينا لو احتفينا براءات الاختراع التي ضاعفناها بفضل مراكزنا البحثية المشتركة. تمنينا لو تشاركنا أعداد الوظائف الوافرة التي خلقتها اقتصاداتنا القائمة على المعرفة وليس على ثروات طبيعية زائلة فانية. تمنينا لو دشناَّ مشروعاً مشتركاً جديداً في البنية التحتية عبارة عن مترو مغاربي يصل المغرب بموريتانيا وتونس والجزائر وليبيا، فضلا عن مد سكة الحديد التي تنقل البضائع بين أسواقنا. تمنينا لو وضعنا لبنة جديدة في جدار صناعاتنا المغاربية الثقيلة التي تديرها أدمغة مغاربية صرفة. تمنينا لو تصادفت هذه الذكرى بعناوين عريضة في الصحافة العالمية عن اكتشافنا لقاحاً جديداً ضد كورونا بطفراتها المتعددة. تمنينا لو صادفت هذه الذكرى افتتاحنا مجمعاً مغاربياً طبياً استشفائياً قارياً يحجه الأفارقة وتديره أدمغة من شتات الداخل والخارج. تمنينا لو حلت هذه الذكرى ونحن نحصي إنجازاتنا الجماعية وبيوت خبراتنا الرائدة في التعليم والصحة والقضاء، وحتى الفضاء. تمنينا لو جاءت هذه الذكرى ونحن نحتفل بتعافينا من أسقام التجريح والتبخيس والتحقير والتنقيص. تمنينا لو حلت هذه المناسبة ونحن نحتفي بتصفير مشاكلنا وخلافاتنا. تمنيتُ لو كنا نخلد هذه الذكرى بوضع أهدافنا المشتركة للعام المقبل والخمسية القادمة، بل وحتى العشرية الآتية وبالاتفاق على جعلها عشرية ذهبية زاخرة بالإنجازات.

كنا قد استبشرنا خيراً بذلك الإنجاز المشترك الفريد من نوعه الذي حققناه في ديسمبر العام المنصرم عبر قبول اليونسكو ملفنا المغاربي المشترك لإدراج الكسكس المغاربي في قائمة التراث اللامادي، وتمنينا أن يتوسع عملنا المشترك ويشمل مجالات أخرى حيوية، لكن تلك الأمنية سرعان ما صارت أمنية مُجهَضة بسبب بعض معاول الهدم التي لا يغمض لها جفن إلا بقطع الطريق على صُنَّاع الوحدة. ولهؤلاء نقول: غداً سيكون أفضل، غداً سننفض الغبار عن هذا الاتحاد الذي لا يملك من اسمه نصيب، وننتشله من السبات العميق الذي لازمه في مهده فأصابه التقزم وتأخر النمو بفعل فاعل، وتم استهدافه حتى حين بدأ يزحف ليتعلم المشي والوقوف على قدميه، فأصيب بشلل مزمن. غداً سنمنحه قُبلات حياة تجعل قلبه ينبض محبة ومودة واحتراماً وشغفاً بالعمل الجماعي والقيم الإنسانية المشتركة. ولا ننسى أننا نعيش في عصر وفرة المعلومات التي يتلقفها البعض دون تمحيص ونقد وتمييز بين الغث والسمين. ولذلك حريٌّ بنا أن نضطلع بدورنا التنويري لا التضليلي، وأن نكون رافعات بناء لا فؤوس هدم، ودعاة فن راقٍ لا كوميديا هابطة. يحيا الاتحاد المغاربي ويحيا دعاة الوفاق والوئام.

صحفي مغربي مقيم بأبوظبي

‫تعليقات الزوار

1
  • Ibis Sacré
    السبت 20 فبراير 2021 - 09:57

    شكرا على نظرتك المستقبلية للاتحاد المغاربي الذي لا يوجد حل لا زدهار منطقتنا الا به. شكرا لعدم سقوطك في فخ الشتم والتبخيس ومحاولة إهانة جيراننا وعدم حشر انفك في شؤونهم الداخلية ،بل تكلمت في صميم الموضوع :معاكسة حكام الجزائرالبائسين لشرعية استرجاع المغرب لصحرائه والتي لا يعاكسها الا كل معتد اثيم ،يتشبت بالمبدئ الاستعماري الذي زرع بدور الفتنة في منطقتنا و انصرف الى حال سبيله لكي تبقى له اليد العليا و نستمر في شراء أسلحته.

صوت وصورة
تطويق مسجد بفاس
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 00:00

تطويق مسجد بفاس

صوت وصورة
مع هيثم مفتاح
الإثنين 19 أبريل 2021 - 21:30

مع هيثم مفتاح

صوت وصورة
بين اليقين وحب العطاء
الإثنين 19 أبريل 2021 - 17:00

بين اليقين وحب العطاء

صوت وصورة
مبادرة "حوت بثمن معقول"
الإثنين 19 أبريل 2021 - 15:32

مبادرة "حوت بثمن معقول"

صوت وصورة
حماية الطفولة بالمغرب
الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:10

حماية الطفولة بالمغرب

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال