رحيل محمد جسوس .. أو أزمة المثقف داخل التنظيمات الحزبية

رحيل محمد جسوس .. أو أزمة المثقف داخل التنظيمات الحزبية
الأربعاء 19 فبراير 2014 - 19:41

ووري التراب أحد الأعلام البارزين الذين تركوا بصمات واضحة في الجامعة المغربية، ممن أرسوا الأسس الأولى للدرس السوسيولوجي بالمغرب، الرجل الذي كان يجمع- بحسب شهادة رفاقه وطلبته- بين دماثة الخلق، والنزوع الإنساني العميق، والولع بالمعرفة، وترسيخ الدرس السيوسيولوجي، بقواعده ونظرياته ومناهجه وكتبه المرجعية، في نفوس الطلبة والمهتمين.

لكن الرجل، الذي تشرب على يده العشرات من الباحثين قيم البحث والمعرفة العلمية، واكتسب منه العديد آلية البحث الميدان في القضايا الاجتماعية اليومية، وتربى على يده سياسيون زرع فيهم هم النضال العضوي، هذا الرجل، بهذه المواصفات الكبيرة، ظل لفترة طويلة خارج الضوء.

لا ندري بالضبط ما الذي جعل رجلا بهذه السيرة الثقيلة يعانق هذا الجفاء ليس فقط من دائرة الانتماء الذي ظل يعتز به، ولكن أيضا من محيطه العلمي والأكاديمي.

ربما يرجع ذلك في جزء منه إلى ورع الرجل وزهده في الكتابة، فالأمر ليس حكرا عليه، وإنما هي خصيصة المغاربة منذ التاريخ، لكن الأجيال التي تربت على هذا الرجل، ومنها مثقفون وباحثون مشهورون، لا يعدمون القدرة على إحياء درسه السوسيولوجي وجمع آثاره وخدمة تراثه، فهذا أقل الوفاء الممكن في حق هذا الرجل، فكثيرة هي المؤسسات التي تقام لخدمة تراث مفكرين ابتلاهم الله بقلة الكتابة، أو سياسيين ندر بعض الباحثين أنفسهم لخدمة آرائهم وإعادة صياغتها وتقديمها إلى الأجيال القادمة. فما بال هذا الرجل، لم ينل من ذلك شيئا مع أنه جمع بين المعرفة والسياسة، بين علم الاجتماع والنضال الحزبي.

مثل هؤلاء الذين يتيسر لهم الأمران، العلم والسياسة، يفترض أن يخدموا من الزاويتين معا: الحزبية والأكاديمية، وأن توضع في رأس الأولويات النهوض بتراثهم وجهودهم المعرفية، وأن تكون نبراسا يهتدي بها الأجيال، لاسيما الذين يقاسمونه الانتماء.

هناك مشكلة ما، تفسر هذا الجفاء وقلة الوفاء، وهي غير بعيدة عن مشكلة المثقف السياسي، الذي يرى الأمور بطريقة مخالفة تماما للسياسي الاحترافي. تلك المشكلة التي تحتاج اليوم أن تجد تدبير توترها بصيغة ما تحفظ للمثقف دوره ومجاله وحريته، وتستثمر فيه قدرته على التأطير وبناء قيم النزاهة الفكرية، ووصل السياسة بعمقها الفكري والنظري، ودرجة يقظته العالية حينما تشتد المآزق والمعضلات، وتجعل من وجوده وفعاليته دليل حياة التجمعات الحزبية.

هناك بعض التنظيمات نجحت في أن تعطي مساحات واسعة للمثقف داخل بنيتها الحزبية، كما أن هناك مثقفين عرفوا كيف يتكيفون مع نسق اشتغال التنظيمات الحزبية، فأنتج التنظيم والمثقف صيغا لا واعية من التعايش والتوافق خدمتهما معا، وهناك في المقابل تنظيمات انزعجت من المثقفين ومارست عليهم ستالينة قاسية قادتهم إلى هجرة السياسة أو هجرة السياسة بإطارها الحزبية

مشكلة الجفاء، أو التهميش، أو قلة الوفاء، سمها بأي الأسماء شئت، هي مشكلة مزدوجة، تظهر في إحدى جوانبها في صورة عدم ارتياح المثقف من الأشكال الاحترافية التي تدار بها التجمعات الحزبية، وتبرز في جانبها المقابل، بانزعاج السياسي من ثقل حضور المثقف في البناء الحزبي، ولعل هذا بالضبط ما يجعل النتيجة تنتهي في الأخير في اتجاه عزلة أو عزل المثقف، تماما كما هو المصير الذي عاشه مثقفون كثر داخل تنظيماتهم الحزبية، ومنهم بدون شك مؤسس الدرس السوسيولوجي.

نأمل أن يأخذ سؤال العلاقة بين المثقف والتنظيم حظه من التداول، وأن يتم تأطير هذا الإشكال بما يلزم من العناية، ليس فقط من تأمين موقع للمثقف داخل تنظيمه الحزبي، ولكن من أجل حماية السياسة وتحصينها من أن تصبح من غير عمق فكري أو تأطير نظري يعطيها معناها الحقيقي.

‫تعليقات الزوار

7
  • الحمماصي سعيد
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 20:51

    مفهوم المثقف و الفنان و العالم و المفكر (بالمفهوم الحديث) لا وجود له في المرجعية الاسلامية و لن يوجد ابدا- فالمثقف ظهر كرد فعل على اللاهوت و استقل عنه في نهاية القرون الوسطى باوربا مما مهد لعصر النهضة فيها المبنية على الفضول العلمي البشري و اخضاع كل المعارف للفحص العقلي،الخ – لن تقوم قائمة للعرب طالما هم متقوقعون في الهذيان و الخرافات و مسجونون في نفس الدائرة من الغيبيات المتجاوزة و التي صارت لا تقنع احدا- التاريخ العربي الاسلامي مليئ بقتل و اضطهاد كل مفكر حر – كيف تكوين "مثقف" لا بل حتى "انسان سوي" و هو يسمع في الصباح الباكر بخشوع اقوالا تتوعده باوخم العواقب و اشذ العذابات و ابشعها و يتخيل مشاهد عديدة من الويل و الترهيب و الوعيد و النار و جهنم و السعير و سقر، الخ- انه خطاب الشلل الكلي للانسان و خاصة الطفل- بل اننا نتساءل اذا كان مأله النار و جهنم و اعظم العذاب: فلم اتى الى الارض و ماذا يفعل فيها- انه الانتحار الذهني و العقلي و الحضاري – ثمة قيم مضادة للحياة في ابسط صورها و اشكالها ينفتها الدين- المثقف هو الانسان الحر الناقد و المعري لكل اشكال القهر و الاستيلاب بما في ذلك الدين-

  • AMANAR
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 21:12

    سؤال العلاقة بين المثقف والتنظيم الحزبي أجيبوا عنه في حزبكم فقط واتركوا الآخرين يدبرون أمرهم بينهم.
    اليوم فقط أصبح المرحوم كسوس رجل ثقافة ونضال،بينما بالأمس القريب كان هدف سهامكم ورماحكم لأنه ينتمي لحزب إسمه الإتحاد الإشتراكي ولا ينتمي لمدرستكم التي تسمونها إسلامية.
    قبل كسوس كان أيضا الجابري هدفا لكل من هب ودب من الإسلاميين وكان محط نقد بل وتكفير في سبعينات وتمانينات القرن الماضي،ولم تعترفوا به إلابعد وفاته أوانكفائه عن العمل السياسي.
    لو كنتم ديموقراطيين وموضوعيين بل لو كنتم تتصفون بأخلاق الإسلام الحقيقية لاعترفتم بما لزيد وبما لعمرو،لكن أيديولوجيتكم أعمتكم عن قول الحق
    اليوم فقط بدأ رئيسكم بن كيران وقادتكم يصفون عبد الرحمان اليوسفي بأوصاف حميدة ويعترفون بما لاقاه من صعوبات في الإنتقال بالمغرب نحو الديموقراطية، بعدما كنتم أشد معارضيه ومنتقديه وهو في السلطة.
    اعترفوا أو لا تعترفوا:الإتحاد الإشتراكي واليسار أنتج الأنتلجينسيا المغربية لخمسة عقود:الجابري،العروي،محمد برادة،عبد اللطيف اللعبي ،محمد سبيلا،علي أومليل،سالم يفوت واللائحة طويلة،وكلهم حملوا مشعل التنوير في المغرب
    يتبع

  • marrueccos
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 21:38

    لا أتذكر من المرحوم " جسوس " إلا جلسته وطريقة كلامه في المحاضرات واضعا كفه على فكه الأسفل ! وهي وضعية تعطي الإنطباع براحة البال وأظنه تخلى عنها بعد دخول الإتحاد الإشتراكي تجربة التناوب التوافقي غير المنبثق من صناديق الإقتراع !!!!!!!!!!!

  • AMANAR
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 21:50

    في الوقت الذي سعى فيها هؤلاء المفكرين المتنورين الأفداد على التأسيس لعصر تنوير مغربي ،عملتم ولا زلتم تعملون على إشاعة الفكر السلفي على النمط الوهابي،وأغلقتم على العقول بسجن الفكر في البحث في "أصول الفقه"، لإعادة إنتاج الموروث الفقهي المتخلف والمنتج للتخلف(الدائرة المغلقة)
    أولائك المثقفين كانوا يسعون لتغيير عقول الناس وطريقة تفكيرهم وسلوكهم من أجل مستقبل أفضل والبحث في أسباب انحطاط المجتمعات المحلية، وسبل إخراجها من وضعها المأساوي.
    حتى وأنتم تتناولن الراحل كسوس (أو الجابري أو غيره)تتناولونه كتوظيف سياسي ومحاولة إبرازه وكأنه لا يتفق مع ما يقوم به حزبه ،وبذلك تكشفون عن وجوهكم الماكرة،لأنه في نهاية الأمر لا يهمكم لا فكر ولا تاريخ الرجل بقدر ما يهمكم ضرب خصومكم السياسيين,
    أتركوا الراحل ينام بسكينة في قبره،وابحتوا عن سبل أخرى تكون أكثر أخلاقية لمواجهة الخصوم.

  • ABDOU AFGANE
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 23:30

    بداية رحم الله الفقيد ،لازلت احتفظ بإحدى مقالاته المنشورة في صحيفة الاتحاد الاشتراكي في بدابة التسعينات المعنونة ب '' المفرب بدون أمازيغية فهو أعمى و بدون عربية فهو أعور''
    رحم الله الفقيد
    مقولة للتأمل من طرف المتعصبين و لكل من يكن الحقد للطرف الأخر

  • Nasser
    الخميس 20 فبراير 2014 - 07:37

    هذه المرة مقاربتك نوعية و تحليل رصين برؤية واضحة. برافو بلال.

  • محمد
    الخميس 20 فبراير 2014 - 11:17

    ازمة داخل حزب يتوفر على مفكرون و مدبرين حقيقيين ، و ماذا يا بلال عن احزاب لا مفكرين و لامدبرين ؟؟؟؟ حتى طه عبد الرحمان تحاولون استمالته الى تنظيمكم لكنكم تفشلون لان الرجل يقدر مركزه الفكري

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري