رمضان والقرآن..

رمضان والقرآن..
الجمعة 15 ماي 2020 - 12:36

يقول سبحانه (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) وانطلاقا من هذه الآية الكريمة لا أحد يجادل من أهل الإسلام بأن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد محفوظ من عنده، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”. فهو محفوظ بحفظ الله تعالى مصون برعاية الله لا تمتد إليه أيدي العابثين، ختم الله به الكتب السماوية، وأنزله دليلا وهداية ورحمة للعالمين، وضمّنه منهاجا كاملا وتوجيهات وإرشادات لحياة المسلمين، قال تعالى: “إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً” فهو نور الله في أرضه وملكوته.. من عمل به سعد ومن حكم به عدل ومن نطق به صدق، وقد وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه وصفا حافلا بمزايا القرآن، جامعا لفضائله، وذلك في قوله: “ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء..”، وعن أبي ذر رضي الله عنه: قال: قلت يا رسول الله أوصني “قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله” قلت: يا رسول الله زدني قال: “عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء”.

والمقصود من تلاوة القرآن في هذا الحديث هو تدبره والعمل بتوجيهاته وقيمه، ولا يكفي مجرد التلاوة وتحريك اللسان بدون فهم وعمل قال تعالى: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ” قال ابن مسعود رضي اللهُ عنه “والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه..”. لهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يتجاوزن عشر آيات حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل. السؤال المقلق هنا هو أين القرآن الكريم وقيمه وتوجيهاته من شؤون حياة المسلمين؟ صحيح أن الدول الإسلامية وعبر تاريخها الطويل، حافظت على جسد القرآن الكريم؛ من حيث الجمع والضبط والرسم والحفظ في الصدور والسطور وطبعه وترجمته وتوزيعه في بلاد الدنيا كلها، مع إنشاء المسابقات الدولية العالمية في حفظه وتجويده وتفسيره، ناهيك عن قراءته صباح مساء في مساجد العالم الإسلامي وختمه كل شهر هجري على ما جرى به العرف عندنا نحن المغاربة، وهذا واجب وجيد في حد ذاته؛ لكن أين روح القرآن وجوهره وقيمه؟ -من عدل ورحمة ومحبة، وصدق وأمانة وإخلاص، ووفاء وإتقان وإبداع، وتدبر وتفكر، واحترام للمرأة والطفولة والعجزة والمرضى وأصحاب العاهات وحقوق الإنسان عموما، بالإضافة إلى حقوق البيئة والطبيعة- في واقعنا العملي، -للأسف- فقد فُصِلت هذه الروح عن الجسد حتى لا نكاد نجد لها أثرا يذكر في حياتنا وواقعنا العملي، وبمجرد قيام أحدنا بجولة بسيطة في أسواق وشوارع عالمنا العربي والإسلامي ومساجده ومدارسه ومؤسساته وأحزابه وجمعياته وإعلامه سيجد القرآن الكريم وتعاليمه وقيمه شبه منعدمة، ومن هنا فإنّ الله عندما يريد لنا أن نرتل القرآن ترتيلاً، وأن نقرأه بالصوت الحسن، فليس ذلك لأجل أن نلهو بالصوت الجميل وبالترتيل الحسن؛ ولكن لنجعل الصوت وسيلة لتأصيل قيم القرآن ومعانيه في أعماقنا وفي أسماعنا، وبالتالي يسهل إنزالها على واقعنا المعيش، ما فائدة أن يقرأ المسلم ويجود قول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون” وهو ظالم لنفسه ولغيره مرتكب للفواحش ما ظهر منها وما بطن؟! وما الفائدة من ترتيل أحدهم قول الله تعالى: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويحفظوا فروجهم..”. وهو ماجن فاسد لا تمر به امرأة إلا ونظر إليها وتحرش بها..؟! وما قيمة تجويده لقول الله تعالى: “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً”.

وهو بذيء الكلام سليط اللسان لم يترك أحدا من خلق الله تعالى إلا ولعنه وكفره واغتابه؟!! كذلك ما معنى أن يقرأ المسلم قوله تعالى: “وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا” وتجده منغمسا في هذه الآفة الاجتماعية الخطيرة التي عمت بها البلوى في أغلب محاكم المسلمين؟!؛ لهذا تعجبت عندما قرأت تقريرا نشرته صحيفة “ذي جورنال” أعده الباحث البريطاني “بول هوسفورد” حول أكثر دول العالم تطبيقاً لمبادئ الإسلام وتعاليم القرآن الكريم، المفاجأة في التقرير هو أن نتائجه جاءت سلبية تجاه الدول الإسلامية وهو عدم وجود أي دولة منها في ترتيب الدول الـ 45 الأولى في تطبيق مبادئ وقيم القرآن الكريم وتعاليمه؛ بل الدول التي احتلت المراكز الـ 25 الأولى، كلها دول غربية؛ بحيث احتلت إيرلندا المرتبة الأولى في تطبيق تعاليم القرآن الكريم وقيمه، وجاءت الدانمارك في المركز الثاني تليها السويد، وهي دول ذات مستوى رفاهية عالية جدا، وعلل د. “بول هوسفورد”، مُعدّ الدراسة أسباب تدني ترتيب الدول العربية والإسلامية في هذا الترتيب -حسب وجهة نظره- حيث قال إن السبب يكمن في سوء تصرفات المسلمين أنفسهم وعدم احترامهم لقيم كتابهم المقدس وتوجيهاته؛ هذا الانحراف المبكر عن سبيل القرآن الكريم ومقاصده النبيلة أسس لنمطية خطيرة في مجتمعاتنا المسلمة تجلت في تقديس جسد القرآن الكريم، وقتل جوهره وروحه ومعانيه وفعاليته في ضمائرنا وفي حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، ولهذا ترى ازدواجية وتناقضات عجيبة وخطيرة في واقع المسلمين اليوم، تجدنا مثلا في المساجد نقرأ القرآن كملائكة الرحمن، وفي أسواقنا وشوارعها ومدارسنا وتجارتنا ومؤسساتنا نقوم ببعض الأفعال يخجل منها الشطان، وتعاكس تماما ما تلوناه وجودناه في صفحات هذا القرآن نفسه، وبدون أن نشعر بأي حرج أو خجل !!.. مع العلم ان أهمية القرآن الكريم لا تكمن في ترتيله وتجويده وحفظه وإجراء مسابقات دولية فيه أو افتتاح القنوات التلفزية وبعض المحاضرات الإسلامية بآياته وسوره فقط؛ بل الأهمية الكبرى للقرآن تكمن في ما اشتمل عليه من هداية وتزكية وأخلاق كريمة، وتشريعات عادلة وقيم إنسانية كونية، وما اشتمل عليه كذلك من تعاليم وتوجيهات حكيمة لبناء الأسرة والمجتمع الفاضل، وتنظيم الدولة القوية الآمنة، يسودها العدل والشورى والديمقراطية والرحمة والمساواة والكرامة وحرية الرأي والعقيدة.

‫تعليقات الزوار

6
  • ملح الطعام
    الجمعة 15 ماي 2020 - 21:51

    "إنا نحن نزلنا الذكر..

    روى الحافظ السيوطي عن عائشة، أنّها قالت: " كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن.
    وروى المتقي عن زر بن حبيش أيضاً، قال: " قال اُبيّ بن كعب: يا زر: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاث وسبعين آية. قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة أو هي أطول من سورة البقرة…
    وروى أيضاً عن البخاري في تأريخه عن حذيفة قال: " قرأت سورة الأحزاب على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها.

    .. وإنا له تقريباً لحافظون". صدق الله العظيم

  • ملح الطعام
    الجمعة 15 ماي 2020 - 23:02

    قد يفهم البعض التقرير الذي نشرته صحيفة ذي جورنال للباحث البريطاني بول هوسفورد بشكل مغلوط، فالدول المتصدرة للدراسة لم تعتمد الإسلام كمرجع لها فيما وصلت إليه، لأن نظافة الشارع مثلا لا تحتاج إلى حكم ديني كي تدرك فائدتها، بل ما تحتاجه هو إعمال العقل، والدليل هو كون شوارع روما القديمة أنظف حتى من شوارع كابول أو نواكشوط اليوم، وسيكون من السذاجة القول إن كل ما هو مفيد أصله الدين وإلا لقلنا إن المسيحية أنجح من الإسلام باعتبار أغلب الدول المتصدرة للترتيب ذات أغلبيات مسيحية.

    المشكلة مع الإسلام هي أنه أنهك عقل المسلم بكثرة الأذكار والتلاوة والتفكير في الماورائيات كالجنة والنار، وأشغل وقته الثمين بالوضوء والصلوات المفروضة والنوافل وقيام الليل والنهار.. إلخ، ولم يركز على ما هو أهم؛ العمل الجاد على أرض الواقع، حتى صار المسلم يناقش تخليل الأصابع وإسبال الرداء وسد الخلل والإدغام والطقطقة عوض مناقشة ذرة الهيدروجين وهندسة القناطر وقوانين نيوتن للحركة والسيالة العصبية.. لقد أخطأ الإسلام في ترتيب الأولويات

  • ملح الطعام
    السبت 16 ماي 2020 - 01:58

    إن سبب تفوق شعوب الدانمارك وسنغافورة ولوكسمبورغ وإيرلندا.. في رهان الأخلاق والقيم والتربية يعود إلى كون هذه الشعوب تنظر إلى هذه القيم من منظور كوني إنساني عقلي مبني على التعاقد بين الأفراد وتبادل العلاقات فيما بينهم، وتربي أبناءها على تبني هذه القيم لما فيها من مصلحة الفرد والمجتمع والدولة، بينما فشلت الدول الإسلامية لأنها ظلت تربط هذه القيم بالجزاء والعقاب الإلهيين، حيث يكون الهدف من الإلتزام بالأخلاق الحسنة والتصرف بشكل جيد هو إرضاء الله الذي يراقب من السماء، فإن قمت بكذا نلت الجنة، وإن قمت بكذا ألقيت في النار، وأخلاق الخوف والطمع هذه هي أسوأ نموذج تربوي على الإطلاق ولعل نتائج الدراسة المذكورة خير دليل على ذلك

  • mimoun
    السبت 16 ماي 2020 - 21:47

    المعلق رقم 1
    لم يشهد الا بما قرئ
    تنطع الذين يقرون ببعض الذين سبقونا وهم يعلمون ان هناك تناقضات لا يقبلها العقل مع ذالك يهجرون كتاب الله ويفنون طاقتهم في تفسير العنعنة ويحاولون ايجاد لكل عنعنة حتى لو انها تناقض ايات في القران يعني مصممون معزة ولو طارت
    تعالى: "إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً.
    هذا هو القران يسره الله الايمان والعمل الصالح
    ليس بالضرورة حفض مجلدات التراث لنعلم كيفية سلك الطريق الى الله

  • مواطن
    الأحد 17 ماي 2020 - 17:42

    العودة دائما إلى نفس الأسطوانة منذ 1881 حين حضر محمد عبده إلى باريس وقال قولته: وجدت الإسلام ولم أجد مسلمين…بعض مقالات الفقيه السابقة كانت واعدة! لكن يبدو أنه عاد إلى' المنبع' من جديد. وهذه الأفكار يرددها العامة حيث تسمع دائما أقوالا من قبيل: المسلمون الحقيقيون يوجدون هناك، إنهم من يطبقون الإسلام…
    يعيش بعض المسلمين عقودا في الدول المتقدمة ينظرون ولا يبصرون !

  • abdo
    الأربعاء 27 ماي 2020 - 02:40

    نحن المسلمون بعيدون كل البعد عن أدب القرآن و أخلاقه، لأننا لم نعرف وما زلنا لا نعرف كيف نستثمر هذا الكتاب الجليل و نعطيه ما يستحقه من عناية و إجلال، فالكاتب بكل صدق أعطى شمولية ما نعيشه في قالب صحيح، فهجر المسلمين للقرآن و عدم تدبره خلق مجتمعا تسوده أنواع شتى من الإنحرافات سلوكية و أخلاقية ستكون لها عواقب وخيمة عاجلا أو آجلا.ومن هذه العواقب سوء الآداب مع الأباء و الأساتدة و الأهل و الأقارب و الإنكباب على الإدمان على الحشيش و شرب الخمر ووووو كل هذه الخصال الدنيئة سيترتب عليها عاهات سيكون لها مفعولها السلبي داخل كل أسرة من أسرنا و داخل المجتمع ككل.

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والجن
الأربعاء 5 ماي 2021 - 22:00 15

بدون تعليك: المغاربة والجن

صوت وصورة
مع رشيد الوالي
الأربعاء 5 ماي 2021 - 21:30 4

مع رشيد الوالي

صوت وصورة
قصة حي الأحباس
الأربعاء 5 ماي 2021 - 21:00 3

قصة حي الأحباس

صوت وصورة
نادر .. سيدة تضع 9 توائم
الأربعاء 5 ماي 2021 - 18:27 34

نادر .. سيدة تضع 9 توائم

صوت وصورة
واقع الصحافيين في المغرب
الأربعاء 5 ماي 2021 - 15:46

واقع الصحافيين في المغرب

صوت وصورة
الفد والريحاني والأصدقاء القدامى
الأربعاء 5 ماي 2021 - 10:46 13

الفد والريحاني والأصدقاء القدامى