رواية "المتشرد" ـ 17ـ .. زواج وتأشيرة ومفاجأة جديدة لم تكن على البال!

رواية "المتشرد" ـ 17ـ .. زواج وتأشيرة ومفاجأة جديدة لم تكن على البال!
الإثنين 11 ماي 2020 - 19:25

كان حفلُ عقد القران بسيطا جدا. تواجدَ بضعة أشخاص من عائلة شروق، في حين كنت أنا وحيدا بدعوى أن أسرتي الصغيرة في لندن. والدة شروق تعلم الحقيقة كاملة، لكن العائلة لا داعي أن تعلم ولا ينبغي لها. قالت لي شروق أن الجحيم هو الآخرون، وكلما اقتربوا أكثر ازداد هذا الجحيمُ استعاراً.

بضع نساءٍ متشككات ينظرن لي ويتساءلن بينهن – بالتأكيد – عن حقيقة هذا المخلوق العجيب الذي اخترق العائلة فجأة وخطف منهن “صفقة” شروق. واضح جدا أن بعضهن كن يتمنين أن يحظى أحد أبنائهن بشروق. “دجاجة بكمونها” كما نسميها. لكنني أفسدتُ عليهنّ الخطط والمشاريع على ما يبدو.

كان هناك أحد أخوال شروق وابنٌ له، وشخص آخر عرّفوني عليه قبل أن أنسى خلال ثوانٍ من هو. قلنا كلاما هامّا جدا على غرار (إيه – سبحان الله –الدنيا تغيرت – رياح “الشّرقي” اليوم في طنجة…) !

هو نفسه ذلك الكلام السخيف المكرور الذي يقال في المناسبات الاجتماعية، فقط لأنه ينبغي أن يقال، بينما لو تركت للجميع الحرية لفرّوا من هذا الموقف فرارهم من المجذوم.. وأنا أولهم.

انتهت الأمسية بقدوم العُدول وكتابة عقد الزواج. وهي لحظة فعلا كانت مهيبة. رغم بساطة الفعل المتمثل في التوقيع وقراءة الفاتحة إلا أنك تشعر أن حملا ثقيلا سيلقى على كاهلك بدءا من تلك اللحظة.. هذا إن كنت رجلا فعلا.

كنا قد اتفقنا أنا وشروق من قبل على مسألة المهر، والذي كان جزءٌ منه فعلا في حوزتي ممّا احتفظتُ به من راتبي الذي أعلم أن شروق تبالغ فيه من أجل تحسين وضعيتي المادية بسرعة. في حين اتفقنا أن يبقى الجزء الآخر ديْنا أكمله فيما بعد.

انتهى كل شيء إذن وأصبحت شروق زوجتي على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

تفرق الشمل الصغير وأوصلتني شروق إلى المنزل والسعادة الصادقة بادية في ملامحها، بينما أنا لازلت أغالب فرحتي وأحاول أن أخفيها بواقعيّة وصرامة كاذبة.

– بالمناسبة يا شروق.. كيف علمت أنني أنا هو عماد الذي أنقذ والدك؟ أم يخطر ببالك أن هناك “عمادا” آخر؟

– وتعتقد حقا أنني أغامر بوجود احتمال كهذا؟ كماأخبرتك، كان والدي – رحمه الله – يريد أن يكافئك وقتها، فترصدنا بك في مقهى الإنترنت حتى استطاع يوما أن يلمحك ويرشدني إليك. ولقد طلبت منه أن يترك مسألة مكافأتك لي، ولم يكن كل هذا المخطط في بالي وقتها. لكنني ارتأيت أن شخصا مثلك، وجميلا كالذي قدمته لنا، ينبغي أن يقابله شيء مماثل. لهذا، بقيت أراقبك عن بعد وأنتظر اللحظة المناسبة، والمكان المناسب، لأكافئك كما يجب. حدث هذا، قبل أن تفاجأني أنت وتدخل المقهى، ولا تدري كم كانت وقع المفاجأة قويا عليّ، ولعله السبب الذي جعلني أتجاهل النظر إليك دائما، حيث كنت في حيرة من أمري.. هل أصارحك أم أواصل لعبة الانتظار؟ ثم أخيرا، أتيتني تستشير في موضوع الكتاب، فانتهت الحيرة وطلبت منك اللقاء بأسرع ما يمكن، ولعلك تفاجأت طبعا حينها من سرعة الموافقة تلك. ولعله من غريب الصدف أن تأتي باحثا عن مساعدة في موضوع يهمني بشدة وهو تاريخ طنجة، وكان سيهم والدي أكثر لو كان لازال على قيد الحياة.

– هذا يوضّح كل شيء فعلا.. والله إن الحيرة كادت تقتلني في كل مرة تقدمين فيها على خطوة ما.. كي لا أنسى.. ماذا عن موضوع ذلك الشخص خالد.. ما رأيك في استشارته؟

– مبدئيا لا مانع، فيبدو أنه يشاركنا في حب طنجة وتاريخها، بل وله تجربة تكاد تتطابق مع ما يحدث لنا، فهو استعاد لوحة تاريخية، ونحن نحاول استعادة مخطوط أثري.. مع اختلاف في بعض التفاصيل.. لكن عموما، دعنا لا نتسرع أفضل.. عندما نحتاجه نقصده.

– لك ذلك.. غدا نسافر للدار البيضاء لتقديم طلب التأشيرة إذن؟ !

– نعم غدا.. سيطلبها كل منا بشكل منفصل.. فعقود زواجنا لازالت لم تجهز بعد..

– نعم.. أفهم.. الله المستعان.. تصبحين على خير.

– وأنت من أهل الخير.

شروق زوجتي الآن. لكنني لازلت جافّ المشاعر بشكل كبير، أو أنني أفتعل ذلك. أحيانا أشعر بمشاعري كبركان يهدر، وأحيانا أفكر أن الكلمة الأخيرة ينبغي أن تكون للعقل، وأن أتمهل أكثر حتى يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

شروق، بذكائها اللماح، لا تطالب بأي شيء ولا تضغط. تترك لي هامشا كبيرا لأقدم على خطوة التعبير عن مشاعري، وهو ما أفعله.

في شرفتي أسترجع ذكريات الشارع فأغمض عينيّ وأفتحهما لأتأكد أنني لا أحلم. هل من الممكن أن تتغير حياة إنسان لهذه الدرجة، وبهذه السرعة، عن طريق سلسلة مصادفات بهذه الغرابة؟ لكن، من قال إنها مصادفات؟ أليست المصادفة قدراً؟

تولد شروق وتعيش حياتها، وأولد أنا وأمضي في طريقي، ونقطة التقائنا قد رُسمت منذ الأزل. لا شيء عبثيّ أو مفاجئ. قد يبدو كذلك بالنسبة لنا، لكن متى كان عقل الإنسان قادرا على إدراك الحكمة من وراء أيّ حدث؟

لم أخبر أحدا من إخوان الشارع بما حدث لي لأنني أعرف أن الأخبار تنتقل بسرعة. وليس في صالحي إطلاقا أن يزورني – حاليا على الأقل – ولا واحد منهم لأنني سأفسد على شروق كل شيء. قد يراعي بعضهم ويتفهم، لكن آخرين – خاصة المدمنين منهم – لن يترددوا ثانية في زيارتي عشرات المرات في اليوم الواحد، وربما أكثر، من أجل الحصول على ثمن جرعات المخدرات مني باعتباري أصبحت مترفا في نظرهم.

محظوظ أنا لأنهم لم ينتبهوا لحدّ الآن أنني أشتغل في مقهى الإنترنت. يصعب عليهم ذلك في الحقيقة لأنهم لا يلـِـجونه إطلاقا، ويبدو أنني الوحيد الذي كان يخوض تلك المغامرة الجريئة.

مرّت ثلاثة أيام على تقديم طلبنا أنا وشروق. سافرنا في الحافلة لأن شروق لا تستطيع القيادة خارج طنجة لمسافة طويلة. شروق من النوع القلق الذي لا ينام في السفر، بينما هوى رأسي على كتفها أكثر من مرة واللعاب يسيل من فمي، وأنا أغط في نوم عميق. أشعر معها بأمان غريب.. أمان طفل بين حضن أمّه. المشاعر المتدفقة بداخلي غطت على شعور فراق طنجة، فلم أنتبه له كثيرا.

تخرج شروق مبتسمة وهي تلوّح لي بجواز السفر المختوم بتأشيرة بريطانيا. “العقبى لك” تقولها وهي تبتسم. أسمعهم ينادون اسمي فيهوي قلبي بين قدميّ. هل ينتهي الأمر هنا.. أم أن الرحلة ستتواصل كما خططنا لها.. أو كما خططت لها شروق على الأقل؟

الجواب هو: بلْ كما خططت لها شروق !

وها أنا بتأشيرة بريطانية عمرها 6 أشهر. الآن ينتهي الكلام الرنان. ينتهي التردد أو المواربة. الآن، نمرّ إلى السرعة القصوى وإلى التنفيذ.

عدنا إلى طنجة. منهكا تماما أتمدّد على المرتبة بالمنزل طامعا في قيلولة أريدها أن تطول من الزوال حتى مغيب الشمس كي أستعيد حيويتي.

فجأة أسمع طرقا قويا ومتتابعا على الباب. من يكون يا ترى؟ بالتأكيد هي شروق ولا أحد سواها.

– شروق، ماذا هناك؟ لمن تركت المقهى؟

– دعك من المقهى الآن.. هناك جديد خطير في الموضوع؟

– ماهو؟

– لقد وقع “الدندول” في قبضة الأمن، وأخشى أن يشيَ بك!!

– يا إلهي.. يا إلهي !!

رواية “المتشرد” ـ 16ـ .. القصة الكاملة لسرّ تعلّق شروق بــــعماد

‫تعليقات الزوار

7
  • متتبع
    الإثنين 11 ماي 2020 - 20:54

    كيف عرفت الفناة ان الدندول هو من كان حجزها في المنزل المهجور،قصة رائعة لكن ليست حقيقية من خلال تسارع الصدفات بصدفة

  • متابع للقصة
    الإثنين 11 ماي 2020 - 21:06

    صراحة لم يكن في الحسبان أن تتطور الأمور إلى هذه الدرجة
    القصة ممتعة و أنتظر كل يوم بعد أذان المغرب بفارغ الصبر أن تنزل القصة لأتمكن من قراءتها

  • يوسف
    الإثنين 11 ماي 2020 - 21:22

    قصة تشدني اليها حتى اصبحت كلما كانت الساعة 17:40 اتصفح جريدة هيسبرس لمعرفة احدات جديدة منها. اليوم احدات جميلة توجت بحفل الزواج لكن خبر الدندول افزعنا

  • قارىء
    الإثنين 11 ماي 2020 - 21:56

    محاولة جميلة لإضافة بعض الاثارة على الرواية من خلال محاولة الربط بينها و ببن قصة زهرليزا و إشراك بطل هذه الرواية في أحداث قصة المتشرد.قليل من سيتذكر خالد هههه يا استاذ استيتو.!

  • تزارين
    الإثنين 11 ماي 2020 - 23:22

    …. محاولة لتربيتنا جميعا على كثير من القيم التي اختفت أو تكاد تختفي… إنها تحي فينا معنى الإنسانية في ابهي تجلياتها.. شكرا لك مرة أخرى وبالتوفيق في عالم الكتابة..

  • السعيدي
    الثلاثاء 12 ماي 2020 - 00:24

    اكتشفت خلال شهر رمضان المبارك، أنه من اليوم الأول اصبحت مدمنا على شيءين ألا وهما قراءة هاته الرواية العجيبة ورياضة الركض قبل أدان المغرب بحوالي ساعة ونصف بشكل فردي في إحترام لقواعد السلامة بالنسبة لهاته الجاءحة التي نتمنى من الله عز وجل أن يزيلها في أقرب وقت.

  • محمد
    الثلاثاء 12 ماي 2020 - 00:30

    في حلقة الامس الامس كانت الاحداث الجميلة تتسارع الا انه لمجرد تغيير الكاتب مسار الحديث فجأة لينتقل للتذكير لعملية الخطف احسست ان الامور ستنقلب بقدر ماكانت توحي باحداث شيقة ومشوقة الى عكس ذلك فحذرت الكاتب ان تحول دون اتمام الفرحة على عماد وعلينا كقراء نعيش الحدث وننسجم معه حتى اصبحنا كلنا عماد وشروق ، صراحة اريد ان اوجه بعض النقد للكاتب لكنه يبقى مجرد رأي شخصي وهو سياق عملية الخطف في النص لم بكن محبوكا بالشكل المثالي للقصة ،لم يكن الكاتب مضطرا الى عنصر المفاجئة في عملية الخطف وربطها برشيد ليس الا لاغناء الرواية بالاحداث الحساسة بل كان له ان يجعلها عملية ثأر منذ البداية لتأخذ مشروعيتها

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 13

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 23

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 10

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى