رواية "المتشرد" ـ 18ـ: وأخيرا .. نحوَ لندن من أجل استعادة الكتاب!

رواية "المتشرد" ـ 18ـ: وأخيرا .. نحوَ لندن من أجل استعادة الكتاب!
الإثنين 11 ماي 2020 - 17:25

مرّت الرحلة بسلاسة من طنجة إلى مطار الدار البيضاء ولم يحدث شيء. كان هناك بضع نقاط تفتيش، وصعد فعلا رجال دركٍ تفحصوا الوجوه ثم غادروا دون أن يلتفتوا إليّ. إنها واحدة من أكبر ميزات التشرد: أن تكون شخصا مجهولا الهوية لا يمكن التعرف عليك بأية وسيلة، إلا إذا أتى الشاهد أو المبلــِّـــغ وأشار إليك بسبابته.. عدا هذا، أنت في أمان دائما.

كانت قد أصبحت عادةً لدى منير أن يعترض طريق شروق من حين لآخر ويبتزّها بطريقة غير مباشرة طالبا منها 5 أو 10 دراهم. شروق لم تبالي كثيرا وكانت تمنحه إياها معتبرة إياها صدقة ثم تمضي في طريقها. في ذلك اليوم بدا لها مرعوبا ومهتزّا، وعندما لاحظ هو نظرتها المتسائلة إليه قرّر الاستفادة من الأمر إلى أقصى حدّ، فطلب منها مبلغ 500 درهم مقابل إخبارها بأمر يخصّ عماد، والذي يعرف أنها تهتم لأمره.

أخبرها منير أنهم قبضوا على “الدندول” وأنه يشعر بدوره قادم لا محالة، ويريد أن يغادر المدينة حتى تهدأ الأمور. منحته ما يريد ثم غيرت وجهتها نحو منزلنا بدل مقهى الإنترنت لتخبرني.

كان كلّ خوفي أن يتمّ إقحام شروق في الموضوع بشكل ما. منير يعرفها من خلال سؤالها عني. “الدندول” شاهدها يوم أتتْ تبحث عني في ذلك المخبأ، وإن كنت أرجو ألا يكون قد تفرّس في ملامحها بشكل جيد.

لو غادر منير طنجة فعلا فأعتقد أنه لا خوف علينا. “الدندول” لن يقدم لهم أية معلومة باستثناء اسمي الشخصي، أما شروق فلا يعرف عنها إلا صوتها، وربما بعض ملامحها.. وهذا يجعل التعرف عليها صعبا جدا.

إنهم يبحثون عن متشرد اسمه عماد. وأنا – الآن – شابّ عادي اسمه “عماد الطنجاوي” ويعيش حياة عادية، بل ويهمّ بالسفر إلى بريطانيا. يستحيل أن يربطوا بيني وبين الحدث.

مع قطع الحافلة للكيلومتر تلو الكيلومتر بدأت نفسي تهدأ تدريجيا.

أخيرا، ها أنذا أصعد الطائرة لأول مرة في حياتي. شعور غريب ذاك وأنت تجلس فوق الفراغ. خطأ صغير جدا.. هفوة ما.. ونصير كلنا رمادا. انتابني بعض الهلع عندما أقلعت الطائرة وعندما كانت تهم بالنزول.

أتسلى قليلا، وأنا بالطائرة، بتصفح المعلومات التي قمت بتحميلها عن “فيلا هاريس”. بدا لي أن الفيلا نفسها كنز لا يقدر بثمن، لكن لا أحد أدرك قيمته فتمّ إهماله. أو، بالأصحّ، أدركوا قيمته فأهملوه. الوجهان معا محتملان.

“والتر هاريس”، صاحب الفيلا، كان صحافيا شهيرا، ويقال أيضا أنه كان جاسوسا. وقد كان يراسل جريدته “التايمز” من طنجة. عندما توفي أوصى بدفنه في الفيلا، لكن شخصا ما قرّر أن يحرف الوصية قليلا ويدفنه بالمقابر البريطانية بطنجة، ولازال قبره موجودا فعلا إلى الآن.

الفيلا كانت تحفة بيئية أيضا، لأن هاريس غرس بها نباتات نادرة أحضرها من أماكن مختلفة حول العالم. بنى الرجل مسرحا مصغرا (أذكر الآن بخجل أننا كنا نتبوّل فيه دائما)، وكانت تقدم فيه عروض مسرحية خاصة له ولأصدقائه الذين كان صاحب الكتاب المفقود واحدا منهم.

أسرار كثيرة وعجيبة تعرفت عليها من خلال معلومات متفرقة، على رأسها مذكرات كتبها والتر هاريس نفسه، يصف من خلالها تفاصيل اختطافه من طرف المقاوم الجبلي المثير للجدل آنذاك “مولاي أحمد الريسوني”، وطلبه لفدية مقابل إطلاق سراحه.

الوحش المعدني الطائر أدّى مهمته ونزل بنا بنجاح، وها أنا أخيرا بمطار “هيثرو” الدولي.

في الدار البيضاء كانت المسألة سهلة مع مغاربة مثلي، لكن هنا، يبدو أنني سأعاني الأمرين من أجل الخروج والعثور على مقر إقامتي.

استنجدت بطريقة خفية بأحد رفقاء الرحلة وكان مغربيا مثلي، تتبعت خطواته وأنا أتظاهر أن مسألة السفر بالنسبة لي هي فعلٌ أمارسه يوميا.

أتظاهر بالتعوّد، بالبساطة.. سلاحي الصمت والمراقبة وتتبع الخطوات. حتى الضابط الذي يراقب الجوازات لم أبادله الكلام إلا بهمهمات وإشارات تؤكد أو تنفي أسئلته.. لو فعلتُ لكان صوتي خرج مبحوحا مرتبكا، وأنا لا أريد لهذا أن يحدث. لقد بدأ النفاق الاجتماعي يسكنني أنا أيضا وبدأت أبحث عن “البريستيج”.

كنا قد راجعنا أنا وشروق مسار الرحلة أكثر من مرة من خلال عدد من مواقع الخدمات “أون لاين”. عندما خرجت توجهت مباشرة إلى محطة الميترو وأنا أبدو فعلا كبدويّ في روما. هذا عالم آخر علي أن أقضي نفس ما قضيته في طنجة من عمر لأتعود عليه وأفهمه.. وربما أكثر.

من نافذة المترو، أرى في محطاته متشردين هنا أيضا، وأشعر بقربي الروحي منهم. لماذا لم يقرر متشردو العالم إنشاء تحالف؟ سؤال مضحك خطر ببالي فجأة وأنا أتأملهم وأقارن بينهم وبين متشردي طنجة. سأعرف فيما بعد أن مسألة التشرد هنا في الغالب تكون عن اختيار أو ناتجة عن صدمة نفسية أو مالية ما، وليست مسألة تبدأ منذ الصبى مثلما يحدث معنا. أي أنها اختيار إنسان راشد، وليس واقعا يفرض نفسه على طفل لم يبلغ الحلم بعد، أو حتى رضيعٍ أحيانا.

في ذلك النــّــُـزل البسيط، الذي حجزنا فيه أنا وشروق غرفتين متجاورتين، أضعُ حاجياتي وأغتسل مستعيدا نشاطي وانتباهي. ذلك الشعور بأنني أحلم فقط لازال يسكنني لحدّ الآن ولا أدري متى سأتخلص منه.

أتساءل إن كانت هذه الثروة التي خسرتها شروق مقابل تنفيذ هذه الخطة ستنفع في الأخير وستعود علينا بثروة أكبر؟ أم أن الندم والحسرة سيكونان من نصيبنا؟ لا جواب لحدّ الآن.

أطل من نافذة الغرفة لأتأكد أن اختيارنا كان صائبا، فأجد ذلك المنزل أمامي كما شاهدتُ صوره على النت. إنه مكان إقامة “آلفي”.. بين نافذتنا وبينه أمتار معدودة. من هنا ستسهل المراقبة وسيسهل تدبير خطة محكمة لاستعادة الكتاب.

أتأمل المنزل المكوّن من طابقين وأحاول أن أتخيل مكان الكتاب. أين وضعته أيها اللص الوغد؟ أين تخفيه وأنت تدرك قيمته؟ بالتأكيد ليس في المكتبة ولا في مكان ظاهر.

أحدهم يحرك الستائر ويفتح النافذة ثم يطلّ منها. والله إنه هو… إنه “آلفي”، يستحيل أن أنسى وجهه المتظاهر بالبراءة..

أعود إلى فراشي وأنا أغمغم:

مرحبا بك أيها اللعين.. سيكون بيننا حساب عسير.. أعدك بذلك!

رواية “المتشرد” ـ 17ـ .. زواج وتأشيرة ومفاجأة جديدة لم تكن على البال!

‫تعليقات الزوار

6
  • said gourrama rich
    الثلاثاء 12 ماي 2020 - 19:17

    فعلا الاحداث تتشابك وتصنع الفرجة اني اشاهد هذا العمل كفلم ناجح. عما بداء في تقمص النفاق الاجتماعي واستعمال البريستيج انه لامر رائع. وواقعي. هل يا ترى سيتم الحصول على الكتاب. وحدها الايام القادمة ستخبرنا شكرا للكاتب

  • مهاجر
    الثلاثاء 12 ماي 2020 - 19:39

    رواية مشوقة واضبت على متابعة فصولها يوميا. لكن يين الفينة و الاخرى هناك ارتجاج يفسد لذة المطالعة مثلا:
    _ لماذا غرفتين منفصلتين بالفندق؟ في لندن يمكن اخذ غرفة بالفندق مع من تريد، زوجة صديقة عشيقة…
    _ايمكن لانسان لم يزر لندن ولا حتى مدينة اخرى ولو بالمغرب ولا يتكلم الانجليزية ان يتنقل ويصل الى وجهته بسهولة، الم يكن من الاحسن لو سرد الكاتب بعض التفاصيل عن لحظةالوصول الى المطار وحتى الذخول ال الغرفة.
    وشكرا

  • قارئ
    الثلاثاء 12 ماي 2020 - 19:58

    أشعر بالحماس كلما أنهيت جزءا من الرواية، و أقوم بالانتظار حتى ينزل الجزء الجديد. أعتقد أن الكاتب يستحق أن يصير مشهورا و خاصة إذا ما قام بطباعته و بيعه بعد أزمة كورونا

  • أسماء الهاني - مكناس
    الأربعاء 13 ماي 2020 - 04:13

    تحية طيبة للأستاذ عبد الواحد استيتو أنا من المتتبعات الوفيات لفصول الرواية كل يوم بلهفة و شغف… قصة جميلة ذات أحدات مشوقة تصلح لأن تكون فيلما سينمائيا أو مسلسل تلفزي شكرا لك و دامت لي و لك و للقراء الكرام متعة القراءة و صداقة الكتاب

  • يوسف
    الأربعاء 13 ماي 2020 - 11:06

    احدات الرواية المتسارعة والخالية من الاطناب جعلتها مشوقة وكذلك انتقال الاحدات للندن جعلها اكتر جادبية

  • السعيدي
    الأربعاء 13 ماي 2020 - 21:19

    لم يتم بالأمس نشر الحلقة 18من الرواية، ولكن من خلال هاته الحلقة قمت بالضغط على الرابط باسفل المقال لكي أقرأ الحلقة 18 ومن بعد قرأت حلقة اليوم، وكما قال سبحان آلي مايسها.

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 13

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 23

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 10

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى