رياح الثورة وإيجابية المومن الرسالي وفعاليته

رياح الثورة وإيجابية المومن الرسالي وفعاليته
الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:23

يكاد يجمع الدارسون والملاحظون والمحللون لأوضاعنا في الوطن العربي إلى وقت قريب على بلوغ أمتنا حدا في دركات الأزمة لا يطاق، ولا يحتمل في الميزان الحضاري، وتجذر العفونة والفساد في نسيجنا السياسي والاقتصادي، وانعكاس ذلك على مختلف مجالات الحياة، ويكاد يتفق الجميع إلى أسابيع قليلة ماضية أن الوضع على وشك الانفجار، ولكن التوقيت بقي في مكنون الغيب وغاب تحديده عن معظم التقديرات، وكانت المفاجأة سيدة الموقف حتى لدى دهاقنة المستقبليات وخبراء الاستراتجيات.


فاجأت الثورة التونسية ومن بعدها الثورة المصرية الجميع ومفاجآت أخرى في الطريق، وتهاوت أنظمة عاتية في الظلم والاستبداد والفساد بسرعة مذهلة وبتكلفة زهيدة من غير أن نقلل أبدا من تضحيات الشعبين أو أن نبخس من دماء الشهداء الذين نسأل الله أن يتقبلهم في المقام المحمود، وإنما المقياس هنا ثمن المنعطفات التاريخية العظمى في حياة الشعوب، وأشبهت مفاجأة الثورة، لحظة الموت بالضبط لجسم عليل، لا يمكن التنبؤ بها على وجه الدقة، فكما للأفراد أجل لا يجاوزوه، كذلك الشأن في الأمم والأنظمة الحاكمة، قال تعالى” وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)الأعراف.وأجل موت نظام معين هو بالضبط أجل ولادة نظام جديد.


المومن الرسالي إيجابي فعال


والمومن الرسالي في كل هذا، وفي مثل هذه الانعطافات التاريخية بالتحديد لا بد أن يكون إيجابيا فاعلا وليس سلبيا منفعلا، فإما أن يكون على الموعد مع التاريخ وإما أن تجرفه السنن الغلابة وتكون الريادة لقوم آخرين، إما أن يكون ممن “ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” أو يكون كلا “عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ” لا يحسن اقتناص الفرص، مرتبك في فهم الشرع وفهم الواقع معا، يسالم في زمن يفرض المدافعة والمقاومة والتظاهر والحشد، ويحارب في زمن واجبه السلم والمنافحة بمجرد البيان والحجة والبرهان والعمل الهادئ الدؤوب، يختلط عليه زمان الزرع والحصاد، ولا يحسن التعامل في جني الثمار، فيقطف قبل الأوان أو يبقى فاغرا فاه حتى تسقط الثمرة وتفسد..


العواصم من القواصم


كثيرا ما تختلط الأمور على قليلي الفهم عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعيفي الفقه للمراد من كلامهما، وكذا قليلي الفهم لواقعهم وما يجري حولهم ولآليات التأثير فيه وتغييره، فتجد من يلتبس عليه مفهوم الفتنة ويخشى كل حركة حتى يصاب بالشلل ويسقط فيما يحذره “ألا في الفتنة سقطوا” وتجد من يعمل جانبا من الكتاب والسنة ويغفل عن جوانب أخرى وربما أكثر وضوحا وإحكاما وبيانا فيما هو بصدده، والعاصم من كل ذلك: كما نؤمن بالكتاب كله وبصحيح السنة كلها ، نستحضر ونعمل ما يتعلق بالنازلة من الوحي كله بعد فقه النازلة في ذاتها. واعتماد آلية الاجتهاد الجماعي وإعمال الشورى في الأمور التقديرية واحترام المؤسسات المشروعة في العمل الإسلامي وما يصدر عنها من مواقف وقرارات.


فرياح الثورة التي هبت على أقطار أمتنا تقتضي بعد التسليم بالإيجابية والفاعلية تجاهها، فقها يناسبها، ويحرر مواطن الالتباس والفروق الدقيقة بين هذا الذي نعايشه وبين مفاهيم رسخت عندنا في التراث الذي تركه لنا الأجداد. ومما ينبغي تحريره من فقهاء الأمة ونشر الوعي بذلك:مسألة الخروج السلمي على الحاكم الظالم المستبد، أو مجرد الرغبة في تحسين الأوضاع إلى ما هو أفضل وأرشد، ومسألة كيفية الجمع بين أدبيات طاعة الحاكم وتغيير مناكر رجال السلطة الذين لم تنفع معهم نصائح السر، ومسألة التضحية ببعض الأرواح إن اقتضى الأمر ذلك في سبيل تحرير الأمة من الاستبداد والظلم، وتصدي أهل الخبرة لتفصيل القول فيما يسمى بالخصوصيات المحلية وهل الفروق حقيقية معتبرة أم هي مجرد أوهام لا تصمد أمام التمحيص العلمي الدقيق، وغيرها من القضايا التي تنير الطريق أمام الشباب الرسالي ليأخذ موقعه المناسب في موجة التغيير..


رياح الثورة قدر محتوم


ذلك أن رياح التغيير عندما تهب تكون قدرا يصعب صده ورده، ولا يبقى غير حسن استثمارها وتوظيفها والتكيف مع اتجاهها وإعمال المرونة المناسبة حتى لا يكون المآل هو الاجتثاث وقلع الجذور والرمي بعيدا في مزبلة التاريخ، والدارس للتاريخ القديم والحديث يقف على شيء من ذلك، ويرى في حقبه موجات عندما تهب لا يكاد يوقفها شيء، فما إن تنطلق الموجة حتى يسبقها رعب أو استعداد لتقبلها من طرف من تتجه إليه، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم “نصرت بالرعب مسيرة شهر” ولما انطلقت موجة التاتار كان يقال للرجل في بغداد على ما يحكى انتظر مكانك فيقف حتى يأتي ذابحه فيذبحه، ولما انطلقت الثورة الفرنسية تتابعت الثورات في الدول الغربية فحدث التغيير المحتوم إما بجمهوريات أو ملكيات برلمانية تقلص فيها نفوذ الملوك إلى حد كبير، ولما انطلقت موجة “الاستعمار” لم يكد ينج منها أحد من بلدان العالم الثالث، وقل مثل ذلك في موجة المقاومة والاستقلال، وموجة الانقلابات والآن هي موجة ثورات الشعوب العربية والتي ستتولد عنها أوضاع جديدة إما بولادة يسيرة كما كان الشأن في مصر وتونس أو ولادة عسيرة كما هو الشأن في ليبيا اليوم..


الاستجابة لرياح التغيير عين الرشد والحكمة


فليس أمام الأنظمة المتبقية غير المسارعة – إن لم يكن الوقت قد فات- إلا تغيير ما بنفسها تغييرا جذريا حقيقيا، وقبول التنازل في أمور السلطة والثروة، ومنح الشعوب مزيدا من الحرية والعدالة، وليس أمام الشعوب غير اقتناص الفرصة الذهبية وأخذ زمام المبادرة لاسترداد كرامتها وسيادتها وحريتها واختيار خدامها، بحيث لا ترضى بأقل من جمهوريات جديدة في الأنظمة الجمهورية، أو ملكيات رمزية تكون فيها السلطة للشعوب ومن يمثل تلك الشعوب، في الأنظمة الملكية القابلة للاصلاح، لا تقبل فيها سلطة بغير محاسبة، ولا يقبل فيها جمع بين الإمارة والتجارة، ولا تقبل فيها مظاهر الإهانة والمهانة والركوع لغير الله، كما أنه ليس أمام الحركات الإسلامية غير التجاوب مع نبض الشارع إن أرادت أن تكون لها مكانة في الشارع لتستمر في مهمة إقامة الدين وإصلاح المجتمع، وإن لم تكن قد تقدمت شعوبها وتزعمت مطالبه فلا تتأخر عنها أوتتباطأ باللحاق بها، بل المطلوب المسارعة إلى تأطير هبتها وترشيد فورتها احتياطا لحرمة الأرواح والأعراض والأموال وعقلنة سقف مطالبها بما يناسب الخصوصيات الحقيقية، وأي تأخر عن هذا المستوى ستؤدي تلك الحركات ثمنه غاليا وتندم حيث لا ينفع الندم.


آن أوان المراجعات


إن عقلاء التغيير والإصلاح وهم ثابتون على المبادئ والكليات، يتحلون بمرونة كبيرة في الخطط والبرامج بما يناسب تغير الأحوال والظروف ويلائم رياح وموجات الثورات، حتى لا يفوتهم الركب ويلفظهم الناس، يتشبثون في إطار الرؤية الإسلامية بمبدأ إقامة الدين وإصلاح المجتمع وهو مبدأ صالح قبل الثورة وأثناءها وبعدها، ويفتحون أعينهم وآذانهم وقلوبهم لاستيعاب الجديد من الوسائل كقول بعضهم “عليك بالفايسبوك حتى لا يغلبوك”، ويرفعون سقف طموحهم بقدر ما ارتفع طموح بيئتهم لا يزايدون ولا يتخلفون ولا ينجرون وراء أوهام وأحلام لا رصيد لها من الواقع، وشعارهم كما قال عمر رضي الله عنه لما سئل عن اختلاف قوله في أمر بين فترة وأخرى:” تلك على ما قضينا يومئذ ، وهذه على ما قضينا” وكما جاء في معنى قوله لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تراجع فيه نفسك اليوم ، فلقد تكسرت كثير من المقولات من مثل: الشعوب ميؤوس منها، فهاهي تصنع الأحداث وتسبق الحركات والأحزاب، أو الأنظمة تستميت في الدفاع عن نفسها، فمن كان يحلم بسقوط نظامي بنعلي ومبارك في أيام معدودة، أو مقولة: حتمية تدخل الغرب لاسناد الأنظمة الفاسدة، فقد أدرك الغرب أن التعامل مع أنظمة أكثر ديموقراطية أقل تكلفة من ربط مصالحه بأنظمة قمعية مستبدة، وغير ذلك من المقولات، الأمر الذي يتستوجب تغيير ما بني عليها من خطط واستراتجيات.

‫تعليقات الزوار

8
  • mansour
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:29

    وما قولكم في أميركم الشيخ ياسين ووريثته الشيخة نادية يس؟
    وكيف لها أن تفتي بجواز مجالسة شارب الخمر بعد أن تبث
    جلوسها مع مجموعة من الإسبان حول مائدة فيها خمر؛ومن
    يريد التأكد ليدخل ليوتوب ويكتب نادية يس والخمر؟ومتى
    أصبح النساء يفتون في أمور الدين؟؟وهل يحق للمؤمن أن
    يبني إيمانه على أحلام أميركم ياسين؟ووو؟؟؟إسمح لي أن
    أجيبك على مقالك الصوفي هذا في هذه الكلمات`:إن أبغض
    الناس هم الإنتهازيون،راكبي الأمواج،الصائدون في المياه
    العكرة،هؤلاء هم سم هذا المجتمع ونحن إن شاء الله لكم في
    المرصاد،لأنه ببساطة لايشرفني أن يحكمني صوفي تحكمه
    إمرأة ولا ماركسي يستقوي بالأجنبي ولا إشتراكي منافق.
    أنشري ياهسبريس وشكرا لك

  • عشير
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:31

    أعتقد أنه من البلادة و التخلف العقلي أن يتحدث امرؤ في أمر أو عن شخص يجهله كليا .
    ليكن في علمك أن كاتب المقال هنا هو أحد الدعاة و الكتاب الذين يكتبون في جريدة التجديد و هو من حركة التوحيد و الاصلاح و ليس من أتباع الشيخ ياسين أو نادية ياسين كماتتخيل.
    ثم عليك أن تناقش الأفكار لا التجريح للأشخاص.
    يستشف من تعليقك أنك من أعداء دين الأمة ومن أعداء الداعين الى الله . و أنت حر في اختيارك. لكن أخبرك أنك و أمثالك قد فاتكم الركب و أنكم الى مزبلة التاريخ و اذا لم تتوبوا لى بارئكم فان مصير كم معلوم عند رب العالمين.
    أما عن الاحداث الاخيرة التي تعم معظم الدول العربية فهي من صنع من يشارك فيها ويتحمل مسؤوليتها. و قد يلتحق بها آخرون اما بعد انطلاقلها مباشرة أو متأخرين أو …و كل حر في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب و للشعب قدرة التمييز و اصدار الاحكام على القيمة.

  • أرهان
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:25

    السلام اس منصور
    مالك مبرمج على نقد الاشخاص
    حسب علمي هذا الكاتب ليس من جماعة الشيخ ياسين اصلا
    هلا ناقشت الافكار افضل ؟

  • مصطفى
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:33

    الأستاذ بولوز أسي منصور ليس مع العدل و الإحسان ليكن في علمك …هذا مقال رائع جدا اقرأه مرة أخرى لتفهم..فالأستاذ ضد تحركات بعض الإسلاميين الخانعة المتراجعة و التي يبررونها بتبريرات واهية..فتحية للاستاذ على نقده الثاقب

  • ياسين
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:35

    لصاحب المقال رقم1 المتفلت من كل لياقة وأدب والعاري من كل لباقةومروءة.من تكون ياترى؟أعتقد أنك لا شيء.لإنك تكلمت فعرفناك.سقطت أمانتك وانكشف عورك ولا وزن لمقالتك فكنت حقا ممن استخف به طيشه وغلبت عليه رعونته.سامحك الله.

  • aali
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:39

    المقال والحق يقال لن يتذوقه الا عشاق اللمسات النورانية …
    الباحتون عن حلاوة الكلمات المنيرة لدروب الضلام التي يريد ان يفرضها علينا ارباب الاقلام الماجورة ولاحسو الاحذية -كصاحب التعليق الاول- وهذا هو داب العقلية البوليسية ….تخريب كل شيء جميل في هذا الكون.. واناللمخبرين ذالك …
    مقالك لوز يامحمد استمر ولاتلتفت الى نباح……

  • عبدالكريم كعداوي
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:27

    السلام عليكم ورحمة وبركاته
    بارك الله فيكم أستاذنا الجليل وكثر الله من أمثالكم
    والله بقدر فرحنا بكلامكم البليغ بقدر ما نأسف لبعض الخرجات الإعلامية لبعض القياديين الذين يتقاسمون نفس المشروع ونفس المدرسة الفكرية
    ويا ليت هؤلاء يستمعون لمنطق الحكمة ويأخذوها من معينكم الصافي الذي لن ينضب بعون الله تعالى
    نسألكم الدعاء بالرشاد والسداد والهداية إلى طريب الصواب
    والله المستعان

  • عبد النور
    الإثنين 28 فبراير 2011 - 17:37

    أخي بولوز أشكرك على هذا المقال،لكن يؤسفني ألاتملك الشجاعةفتواجه حركتك ـ التوحيد والإصلاح والتي أنت عضو مكتبها التنفيذي ـ حول موقف الحمداوي عندماصرح بأن 20 فبراير لاتعني حركتكم في محاكاة ببغائيةمخجلة لموقف بنكيران غير أن هذا الأخير وجدأحرارا في الأمانةالعامةلحزبه جهرت برأيها في حين لم يجد الحمداوي في مكتبه التنفيذي من يجاهر برأيه معالأسف، ومنهم فضيلتك الذي طلعت علينا اليوم بهذه المعاريض، وأين كنت أخي الفاضل يوم أصدر مكتبكم التنفيذي بيانا يثمن فيه 20 فبراير بعد مرورهابيوم واحد أليست هذه انتهازية مكشوفة لكل ذي عقل سليم، يصرح الحمداوي يوم الجمعةبأن الحركة غير معنية،ويوم الاثنين بيان التثمين،أرجوك أخي الفاضل أن تكون رساليا داخل هيئتكم و بعدهامرحبابهذا المقال

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل