زمن العتمة

زمن العتمة
الثلاثاء 15 فبراير 2011 - 17:38

“إن المستبدين لا ينكرون أن الحرية رائعة، لكنهم يريدونها لأنفسهم ويرون أن غيرهم غير جدير بها” توكفيل


إننا على عتبة زمن انتقال على المستوى الكوني.. تونس ومصر ليستا سوى المختبر الأساسي لصراع أفكار ومواقف لاهتزاز بنيات وطبقات.. لقد انتهت نظرية “هينتينغتون” حول أولوية الاستقرار وأسبقيته على الديمقراطية، والتي من وحيها كانت أمريكا والدول الغربية عموماً تدعم الأنظمة الاستبدادية والتوليتارية وأشكال الحكم الأوليغارشي، ما دامت تضمن الاستقرار في منطقة نفوذها وتحمي المصالح الأمريكية والأوروبية..


لقد صنع الشاب البوعزيزي ربيع الشارع العربي، وتبعه كل الشعب التونسي، ثم المصري والجزائري واليمني والسوري والبقية تأتي..


فحبات السُّبحة لا زالت تَكِرُّ.. وتحطمت معها نظرية المؤامرة والعمالة، وأن الديمقراطية ليست حكراً على مجتمعات الوفرة وحدها. لقد دخل النظام العربي مرحلة مختبر سياسات التدبير ونظريات التحول، واستراتيجيات الصراع… مرحلة تاريخية يجري داخلها كل شيء بسرعة وتتفاعل الأحداث من غير سابق إنذار.. وخارج المعالجة السطحية المتسارعة التي نراها في وسائل الإعلام المعروضة، بحكم وظيفة وسائل الاتصال، فإن الفكر لا زال عاجزاً عن القبض على ميكانيزمات التحول التي تحكم هذه اللحظة التاريخية من زمن النظام العربي.. البعض يمكن أن يتحدث عن ضريبة التحديث المعطوب في غياب الديمقراطية التي تؤسس لصراع المصالح والهويات، فيما سيرجع البعض ما يقع إلى تكلفة تحول المجتمع التقليدي في صراع مع متطلبات الحداثة في غياب أي تأهيل اجتماعي أو ثقافي، أو إلى كون الدولة التوليتارية ظلت جامدة، فيما التحولات الاجتماعية كانت في حالة سكون، لكنها حاصلة بسبب ضعف اقتصاد التضامن أمام ارتفاع تكلفة الخيارات الليبرالية الهجينة والمتوحشة، وغياب مجالات ثقافية واجتماعية لتنفيس الاحتقانات والإحساس بنوع من الإقصاء والعقم الذي لازم الشارع العربي منذ لحظات الاستقلال والثورات الموؤودة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.. فيما قد يربط آخرون ما حدث بانغلاق النظام السياسي العربي برغم العولمة الضاغطة واتساع مساحات تأثير وسائط التكنولوجيا الجديدة، بما يعني أننا أمام ثورة المحرومين من التعبير عن أنفسهم بحرية، والمهمشين المبعدين من المساهمة في خلق الثروة والاستفادة منها..


وفي الوقت الذي انتشر فيه التعليم وتطورت الديمغرافية في العالم العربي، استمرت المؤسسات والرموز في الحكم العربي هي نفسها: نخبة حاكمة تراكم السلطة والثروة، طقوس متخلفة لممارسة السلطة بشكل غريزي، وفكر سياسي جامد لم يعد ينتج أساطير دافئة للشعوب العربية، وصل أقصاه مع تحويل الأنظمة الجمهورية إلى ملكيات للتوريث العائلي والنهب الاقتصادي على حساب أغلبية الشعب..


لقد سقط بن علي بتونس واهتزت بنيات حكم حسني مبارك بمصر، لأن تكلفة نظاميهما السياسيين أصبحت باهضة، ولم تعد الطبقات المتوسطة وجيل الشباب الجديد قادرا على تحمل أعباء التنمية فقط دون اقتسام فوائدها.. لم يعد الشعب قادراً على أن يؤدي فواتير ترف الحكام الأبديين، وشراهتهم في السلطة الاستبدادية على حساب حريتهم وحقهم في التنمية والتقدم والديمقراطية. إننا نعيش “زمن العتبة” (الذي تحدث عنه باختين عن روايات دوستويفسكي)، لحظة مفصلية بين زمنين.. إنها لحظة انتقال عسيرة، نتمنى أن تكون بأقل تكلفة، وتتم بالسرعة المرجوة.

‫تعليقات الزوار

3
  • عمر
    الثلاثاء 15 فبراير 2011 - 17:40

    كنت أعتقد أن بعض الممثلين والمفكرين المصريين هم فقط الذي يحاولون جاهدين الركوب على ثورة الشباب،بحثا عن الشهرة، لكن اليوم اكتشفت أن الكتاب والصحافيين المغاربة، هم أيضا، يركبون هذه الموجة، للدعاية لأنفسهم بعدما فشلوا في استقطاب الشهرة بالطرق الشرعية، كل واحد منهم يحاول أن يظهر على أنه ثوري أكثر من ثوار مصر،… سيروا ثوروا على أنفسكم أولا، تعلموا مبادئ الحرية والديمقراطيه مع أهلكم ومن يحيط بكن قبل أن تقوموا بالدعوة والدعاية لها..

  • Omar
    الثلاثاء 15 فبراير 2011 - 17:44

    إلى كوكاس الذي عرفته :
    إني واحد من رفاق دربك أيام الصحيفة المرحومة، وقتها ما كان لهؤلاء ‘جين’ يستطيع أن يحرك شفاههم ليقولوا “قج”.
    ها أنت ذا يا صديقي ترى كوكاس الجديد الذي تمخزن وأُمم وهو يداعب افكارك في زمن الصحافة الإلكترونية وتستمتع بتعليقات المخازنية وهم يتطاولون على اسمك من وراء حاسوب.
    تحية نضالية للرفيق المرحوم عبد العزيز كوكاس

  • ayman
    الثلاثاء 15 فبراير 2011 - 17:42

    وسقطت معه أطروحة المحافظين الجدد التي تم اختبارها في حرب افغاتسان والعراق بمباركة الأنظمة التي تتساقط اليوم وقوبلت بالدعم والترحيب من المحافظين العرب والصدمة التي أصابت الحكام العرب مردها إلى ثقتهم العمياء في أن التبعية للغرب وتحسين سياساتهم الخارجية كافية للحفاظ على كراسيهم وتجنبهم ما حدث لصدام ونظامه والبشير وبشار هؤلاء رفضوا السجود إلى أمريكا وفضلوا اقتسام الكعكة من دون أن يتقاسموها مع الأمريكان. ألان العالم الغربي والعربي على مشارف مرحلة جديدة تغير تلك النظرة التقليدية التي كانت تنقص من قيمة الإنسان العربي فالشباب المنتفض يعطي الدروس لكل من حقر هده الشعوب وأحسها بالدونية واعتبرها قطعان يرعاها الراعي كما يشاء أما المحافظين الجدد بالعالم العربي فعليهم أن يحزموا أثاثهم قبل أن تلتهمهم نيران الاحتجاجات . لان من يفكر بعقلية الماضي جزاؤه ومآله الزوال.فالقرن الواحد والعشرين ليس هو أيام الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين وإنما هو عصر أخر له شعارات وقيم ومفاهيم جديدة تتجاوز الحدود والجغرافية لتشمل العالم الذي أصبح قرية صغيرة

صوت وصورة
الصقلي .. نقاش في السياسة
الأحد 7 مارس 2021 - 21:49 18

الصقلي .. نقاش في السياسة

صوت وصورة
العزلة تقتل بإقليم الحوز
الأحد 7 مارس 2021 - 17:45 32

العزلة تقتل بإقليم الحوز

صوت وصورة
عسكريات المصالح الاجتماعية
الأحد 7 مارس 2021 - 17:30 2

عسكريات المصالح الاجتماعية

صوت وصورة
فيضان في القصر الصغير
الأحد 7 مارس 2021 - 11:59 16

فيضان في القصر الصغير

صوت وصورة
مأكولات في أكياس مفيدة
الأحد 7 مارس 2021 - 10:59 2

مأكولات في أكياس مفيدة

صوت وصورة
حفل المعهد الموسيقي بسلا
السبت 6 مارس 2021 - 22:52

حفل المعهد الموسيقي بسلا