سحر القراءة…

سحر القراءة…
الثلاثاء 21 يناير 2014 - 17:50

يمكن الجزم أن النقاش حول القراءة هو الموضوع -الجديد القديم- الذي يفرض نفسه على الدوام و سيضل كذلك، نظراً لأهمية الكتاب في حياة الإنسان. إذ أنه من المستحيل الحديث عن أي تقدم ملموس، في ظل غياب هذا المكون المركزي في عملية تطور المجتمعات و ازدهارها. ولا شك أن للقراءة بوصفها منتجة للمعرفة، عدة فوائد مادية، كما أن لها أيضاً فوائد معنوية. غير أن النقاشات الرائجة في مجتمعاتنا حول هذا الموضوع غالباً ما تركز على ما هو مادي و تغفل الكثير مما هو معنوي، مع العلم أن هناك عدة أبعاد معنوية جد مهمة في القراءة، كالبعد السيكولوجي؛ أو لنقل، التأثير الذي تحدثه القراءة في نفسية القارئ.

وبما أن أمة اقرأ لازالت لا تقرأ، وذلك لعدة أسباب موضوعية و ذاتية لا داعي لإعادة سردها. قد تعتبر الإشارة إلى هذا الجانب من فوائد المطالعة نوع من الترف، في حين أن العكس هو الصحيح. ذلك أن تسليط الضوء على هذه النقطة المهمّة يمكن أن يساعد في عملية تحبيب الكتاب لدى الفرد، و تحفيزه على المطالعة، فضلاً عن الترويح النفسي الذي سيستفيد منه بفعل ذلك. خاصة و نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع الهادف من الترفيه و الترويح، في ضل الإحباط الذي يعاني منه كثيرين من أفراد المجتمع. و هو ما تأكده تقارير الصحة النفسية مؤخراً.

يقول الروائي الياباني ( هاروكي مورا كامي ) صاحب الرواية الرائعة (الخشب النرويجي)، في حديث له عن تجربته الخاصة مع القراءة، ” إن قراءة الكتاب المناسب في اللحظة المناسبة، تستطيع أن تحدث انتعاشة في الدماغ، مما ينعكس بصورة مباشرة على مزاج المتلقي و تصرفاته. و سترسل قائلاً، إن عملية اختيار الكتب أيضاً، تأثر على مزاجنا بشكل أو بآخر، علاوةً على أن هذا الوقع يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك، عبر إلهام القارئ بحلول شتى و منحه التحفيز الذي يبحث عنه”.

إن البلدان التي يعتبر الكتاب بالنسبة إليها بمثابة الماء و الهواء؛ تنبهت إلى هذه المسألة منذ عقود، فصارت تدرس تأثيرات القراءة على نفسية القارئ، و دورها في بناء شخصيته، و مدى تدخلها في تهذيب مزاجه، و قدرتها على التخفيف عنه من الضغوطات اليومية. بل و أكثر من ذلك، فهناك أبحاث و دراسات تطرقت لهذا التأثير حسب جنس المادة المقروءة. سواء كانت شعراً أو رواية أو ما إلى ذلك.

وقد اعتقد اليونان قديماً، على أن في قراءة الأدب ” علاج للنفس “، ذلك أنهم كانوا يضعون قرب مكتبة المنزل لوحة مكتوب عليها: ( هذا المكان لعلاج النفس). و مع تطور العلم، و نشأة العلوم الإنسانية، بدأ الاهتمام بالجانب السيكولوجي للقراءة بشكل علمي و أكاديمي. فأصبحت القراءة وسيلةً يعتمدها المختصون في الصحة النفسية لمساعدة الأفراد على التخلص من بعض المشاكل النفسية؛ كالضغط و الإحباط و الأرق و غير ذلك من الأحاسيس السلبية.

و تعود بداية الاهتمام بهذا الجانب من القراءة، إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث كان الجنود الأمريكان يقضون وقتاً طويلاً في المطالعة، و لاحظوا على أنها تساعدهم في التخلص من وطأة الضغوطات النفسية التي خلفتها الحرب في نفوسهم. و كانت هذه المعطيات التي لمسها هؤلاء الجنود عن طريق تجربتهم الخاصة مع المطالعة، نقطة انطلاقة للعديد من الأبحاث و الدراسات حول دور القراءة في التأثير على مزاج القارئ. و لعل هذه النتائج بالضبط هي ما دفع بالمختصين في علم النفس إلى تأسيس ما يسمى الآن ب (bibliotherapy), وهو ما يعني: اختيار بعض الكتب أو غيرها من المواد المقروءة، حسب المشكل النفسي الذي يعاني منه الفرد، قصد تمكينه من رؤية المشكل الذي يضايقه من زوايا مختلفة، عن طريق التفاعل مع الشخصيات أو الأحداث المتضمنة في رواية أو سيرة ذاتية ما، أو أي نص آخر يمكن أن يساعد على ذلك.

ولقد أبانت ” البيبليو تيرابي ” على نجاعتها في تزويد الأفراد ببعض البدائل و الحلول لمشاكلهم النفسية، و كذا تحفيزهم على مواجهة الواقع بشكل متفائل و شجاع فمثلاً، الطفل الذي فقد والديه أو أحدهما، قد تساعده قراءة قصة مماثلة لطفل آخر، على أن يتقبل الوضع و يتعامل معه من منظور إيجابي. كما أن القراءة قبل النوم قد تقوم بدور ” المهدئ”؛ لقدرتها على توجيه انتباه الفرد صوب ما يقرؤه، بدلاً من التفكير فيما يؤرقه. و الجميل في الأمر هو: أن أي شخص يمكنه أن يستفيد من هذه العملية دون تدخل أي طرف مختص، شريطة أن يختار الكتب التي تجذبه و يستمتع بقراءتها…

هذا وقد قامت الباحثة (ناتالي فيليبس) مع مجموعة من الباحثين في (علم الأعصاب) من جامعة ستانفورد، بدراسة حول التركيز و علاقته بالقراءة المتأنية أو المعمقة ( engaged reading) و القراءة السريع (skimming reading). فخلصت الدراسة على أن القراءة المتأنية تأخذ جل تركيز القارئ، لحد أنه قد يتجاهل المحيط الذي يتواجد فيه، كما أنها تنشّط المناطق المسؤولة في الدماغ على الحركة و اللمس، لدرجة أن الفرد قد يقوم ببعض الحركات و الإيماءات كنوع من التفاعل الجسدي مع ما يقرأه. هذا على العكس من القراءة السريعة التي تبين أنها لا توجه التركيز بشكل كبير.

وهناك دراسة أخرى نشرت على الموقع الإلكتروني لجريدة ” الگردين” بتاريخ 7/9/2011، تفيد بأن قراءة الروايات الخيالية (fiction), تقوي من تعاطف فرد إزاء الآخرين.

باختصار، إن موضوع التأثير النفسي للقراءة من بين المواضيع التي شغلت بال العديد من الباحثين و الأدباء و غيرهم من المهتمين، منذ وقت طويل و لازال. لأن كل مصاب ب “جن الكتاب”، لابد و أن يكون قد تساءل في يوم من الأيام حول هذا التأثير؛

ويبقى الكتاب غداء للروح و العقل، يترتب عنه إحساس بالسعادة و الرضا، و ملجأ للاحتماء من قسوة الواقع، و عالم يتحرر فيه العقل و يطلق فيه العنان للخيال، عبر الانصهار و التفاعل مع محتواه.

ومن ابلغ ما قيل في القراءة ما صدر عن الأديب الفرنسي- المغربي المولد: دانييل پيناك ( كل قراءة هي فعل مقاومة، وقراءة جيدة تقيك من كل شيء، حتى من نفسك…).

في انتظار أن تتعقل أمة اقرأ و تقرأ…

[email protected]

‫تعليقات الزوار

8
  • mustapha
    الثلاثاء 21 يناير 2014 - 22:33

    very nice artcle, i promisse you that i will go back to my old hoby.

  • ali marocain
    الأربعاء 22 يناير 2014 - 11:44

    كلنا نتفق على التأثير الإيجابي الذي يحدثه الفعل القرائي في نفسية ووجدان الفرد…لكن ألا تتفق معي أن الموضوع تناولته من زاوية الوظيفة الترفيهية للقراءة؟ أليست الوظيفة التثقيفية للقراءة هي الأولى بالاهتمام ؟ ألسنا نحتاج إلى قراء يختارون بعناية ما يقرأون ويميزون بين الغث والسمين؟ يقرأون كتابات الكبار من فلاسفة ومفكرين وعلماء؟ يستثمرون ما يقرأون بمشاركته واقتسامه مع "الاخرين" في النقاشات والمناظرات؟ لماذا يتم اختزال الفعل القرائي في فوائده النفسية والوجدانية؟ هل يمكن أن نراهن على هذا النوع من التحليل وعرض الموضوع لتحبيب الفعل القرائي إلى "الذين لا يقرأون" ؟

  • هاوية للقراءة
    الأربعاء 22 يناير 2014 - 11:44

    مقال جميل و مفيد في الان داته. فلاول مرة اسمع عن bibliotherapy.
    كنت احس كلما قرات كتابا ممتعا بتغيير في مزاجي وفي نضرتي لنفسي و للعالم من حولي وكدلك الامر عندما اشاهد فلما يمتعني او انصت لاغنية تطربني.
    ولكن المشكل انني لا اعرف الكتاب المناسب في غياب برامج تقدم لنا الكتب .

  • زهير شباكو
    الأربعاء 22 يناير 2014 - 11:58

    مقال رائع استمتعت بقرائته… اتمنى ان تختفي تلك نظرات التي يقصد بها (هدا فيه لعياقا) كلما لمحت انظارهم شخص يستئنس بكتابه في مكان عموم.

  • لشكر
    الخميس 23 يناير 2014 - 06:00

    موضوع جميل واجتهاد رائع، انما السؤال الذي يفرض نفسه هو : إذا كان القرآن رسالة جاءت للعالمين، تخاطبك أنت وخاطبت الانسان من قبلك وستخاطب الانسان من بعدك الى يوم يبعثون. فمن هي أمة إقرأ ؟
    اذا كانت امة قريش، فما شأن الهندوس من رسالة العالمين ؟
    اذا كانت امة العرب، فما دخل الفرس والاوبيجين والامازيغ الخ في هذه الإقرأ ؟
    فمن هي اذن أمة اقرأ ؟
    الجواب على هذا السؤال سيضعك في موقف هزيل تسخر منه الانسانية… جرب وسترى.

  • soussane LAHMIDANI
    الخميس 23 يناير 2014 - 14:22

    Nous ne lisons plus, nos enfants font de même, alors que dans les pays européens partout où tu es il y a des gens qui lisent (métro,bus,trains, jardins publics) si quelqu'un ose brandir son bouquin dans un bus, tout le monde le regarderait comme s'il venait d'une autre planète. Il y a aussi le prix des bouquins qui reste inabordable par rapport aux marocains. En France, tu peux te procurer des livres ou bouquins à 0,30 ou 0,40 Euro donc à la portée même des SDF. Je vois même des SDF en train de lire dans la rue. Personne des pouvoirs publics ne bouge son petit doigt pour inciter les gens à lire. Ils ont les films turcs et mexicains et ça leur suffit amplement, pourquoi se casser la tête à lire. Même les enfants maintenant sont tout le temps connectés à se parler dans un langage absurde et incompréhensible, ou sur leurs PC ou sur leurs téléphones portables. Le constat est désolant et horrible.

  • Hamid
    الخميس 23 يناير 2014 - 18:49

    La lecture est vitale'personne ne peut le nier.mais ce n'est pas de notre culture en tant qu'arabes ,je parle des contomporains et non pas de nos ancetres qui étaient leaders en termes de sciences,lettres,arts….et tout complétement tout.et je veux dire par culture nous ne l'avons pas hérité de nos parents et grand parent comme le couscous le vendredi,jeuner le ramadan,féter les mariages obligatoirement……etclire est une habitude collective plus qu'elle l'est individuelle.c donc une culture.
    Mais ,hélas elle n'est pas la notre.
    Il nous faut donc une rééducation

  • كيكي
    الجمعة 24 يناير 2014 - 02:46

    Not only reading books, but also the act of story telling, and the process of writing are important parts of the social bonds and emotional lives of people. There are several bodies of work that demonstrate the effect of reading and writing on the mind, and the therapeutic capabilities of these acts. Journaling is a great tool used by both teachers and counselors when working with people, and it is two-fold. The act of journaling, so writing, is therapeutic for individuals, but then to go back and read these entries is therapeutic in a different sense. Better yet – journaling in response to something such as passages or books that one has read can have an amazing effect as well.
    I would encourage you to stay on top of this topic and continue to build upon the academic conversation waiting to be had.
    اتمنى لك الافضل

صوت وصورة
منع احتجاج أساتذة التعاقد
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:41

منع احتجاج أساتذة التعاقد

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59 12

البوليساريو تقترب من الاندثار

صوت وصورة
قانون يمنع تزويج القاصرات
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 10:48 25

قانون يمنع تزويج القاصرات

صوت وصورة
المغاربة وجودة الخبز
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 09:59 28

المغاربة وجودة الخبز

صوت وصورة
نداء أم ثكلى بالجديدة
الإثنين 25 يناير 2021 - 21:55 4

نداء أم ثكلى بالجديدة

صوت وصورة
منصة "بلادي فقلبي"
الإثنين 25 يناير 2021 - 20:45 7

منصة "بلادي فقلبي"