سـويـرتي مـولانـا ...

سـويـرتي مـولانـا ...
الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 11:50

تعني كلمة ” السويرتي ” فيما تعنيه ضمن التداول أو القاموس الشعبي المغربي : لعبة الحظ أو المكان أو الحيز العام والشعبي الذي يقصده العامة من الناس للترفيه عن أنفسهم، وممارسة بعض الألعاب المختلفة مثل ألعاب حظهم البسيطة كـلعبة ” الدادوس Dados” ولعبة ” الفأر ” ولعبة ” الورقات الثلاث trois cartes Les” : أي لعبة ” برَّقْ ما تقشع ” كما يحلو للبلاغة الشعبية المغربية أن تسميها تحديدا كذلك. وقد يستعمل البعض أو يشير بكلمة ” السويرتي ” فقط إلى لعبة الحظ نفسها أو إلى ذلك الرواق الكبير المنصوب وسط ساحة ” لافوارLa foire “.

والذي تُعرض فوق رفوفه شتى أنواع الأواني المنزلية البراقة والمرتبة بعناية. قطع لماعة ومصقولة يسيل لها لعاب الزوار والباحثين عن حظ عابر أو لحظة يختلسون من خلالها نظرة ماكرة إلى أهم ” قطعة ” أو شخصية موجودة بالرواق : ” الرجل – الراقصة ” أو ما يسميه المغاربة تحديدا بـ ” شطَّاحة لافوار “. هذه الشخصية العجيبة ذات الغنج الأنثوي الماكر، والتي ظل أصحاب هذه الأروقة يستعملون حركاتها الراقصة الدلوعة لجلب أنظار الزوار وفضولهم، ثم استدراجهم ــ بالتالي ــ إلى اقتناء تذاكر اللعب وانتظار الأرقام السعيدة التي قد ترسو عليها عجلات الحظ الثلاث أو الأربع المثبتة أمام الجمهور وسط الرواق.

ومن يتابع هذه الأيام أطوار وتسريبات تشكيل النسخة الثانية المرممة أو المعدلة من الحكومة المغربية داخل فضاء ” لافوار السياسي المغربي ” الذي غالبا ما ظل يبدو للكثير من المغاربة مثل معرض كبير للمتعة والتسوق واللعب ( لعب ” الكبار” طبعا ). إذ تعرف أرجاؤه الفسيحة حركة غير مسبوقة من الجري والسعي والإعداد ونصب الأروقة والدكاكين وتهييء فضاءات ” اللعب “. مع ما يصاحب ذلك طبعا من أشكال الاتصال والانفصال والانتقال وجريان المصالح والمناصب التي سرعان ما تُحقق المحال وتُبدل الأحوال..

وما زلت أجدني ككل المغاربة البسطاء ــ مع اقتراب كل موسم انتخابي أو موعد تشكيل حكومة مغربية ــ مثل طفل في مقتبل العمر تستمتع حواسه الطرية بمشاهد ” الألعاب ” ومهرجاناتها المسلية. فهناك صاحب ” الورقات الثلاث ” الذي تجعلك خفة يده وحركاته السريعة والمخادعة لا تفلح أبدا في وضع يدك على الورقة الرابحة من ورقاته الثلاث. وهناك صاحب لعبة ” الخيط ” السحري الذي تشبكه اليد المخادعة أمام عينيك على طاولة اللعب، لكنك تضع دائما أصبعك خارج تشبيكاته ودائرته المغلقة مهما كانت درجة فطنتك ونباهتك. ثم هناك صاحب لعبة ” الدادوس ” ( لعبة النرد ) أو المكعبات البيضاء النزقة، والتي لا تأتي أرقامها أبدا متشابهة بين يديك على رقعة اللعب.

ثم هناك اللعبة الشهيرة والمعروفة بلعبة ” الفار الدايخ “. هذه اللعبة العجيبة التي يظل صاحبها ” يمرمد ” أو ” يمْخُض ” الفأر المسكين في ما يشبه الإناء أو ” السطل ” الصغير لدقائق عدة من دون رحمة أو شفقة، ليقذف به في النهاية على أرضية رقعة اللعب دائخا لا يعرف أين يسير ؟ بعد أن تكون كل الاتجاهات قد اختلطت في رأسه الصغيرة. والمحظوظ فقط من اللاعبين هو الذي يدخل ” فأر اللعبة ” في صندوقه الخشبي ( أو الحزبي ) الصغير ( لا فرق ) والذي يقال أنه بدافع ” الشفافية ” و ضرورات ” المرحلة ” أصبح زجاجيا في أيامنا هذه.

والعجيب أيضا أنه قد تعرف هذه اللعبة العديد من المفاجآت غير السارة طبعا بالنسبة لبعض اللاعبين ” الكبار “. مفاجآت تنحبس لها أيضا أنفاس هؤلاء اللاعبين أنفسهم وتشرئب لها أعناق المتفرجين والفضوليين من الجمهور وعيونهم. إذ يبدو لك ” الفار الدايخ ” المسكين متجها نحو رقم من الأرقام أو نحو صندوق من الصناديق، لكنه سرعان ما يغير اتجاهه في آخر لحظة نحو رقم حظ أو نحو صندوق حظ آخر يكون صاحبه من المحظوظين الفائزين.

ولطالما تساءلت مع نفسي كذلك ( ضمن نزق الطفولة الجميل ) وأنا أتأمل مجريات هذه اللعبة الماكرة العجيبة ( لعبة الفأر ولعبة السياسة )، عمن يكون اللاعب وأداة اللعب والملعوب به ؟ ومن هو الرابح في النهاية في هذه اللعبة ؟ اللاعبون أم الفأر ؟ هذا مع افتراض أن ” الفار الدايخ ” نفسه مثل ” خويا – خِيتي ” أو ” شطاحة لافوار ” ( الشخصية الأكثر حضورا وإثارة وتركيبا في فضاء ” السويرتي ” العجيب ) قد لا يكونان في النهاية بكل هذه البساطة السطحية والمخادعة التي نقنع بها أنفسنا أحيانا. إذ أكدت التجارب في واقع الحال أن العديد من الأدوار والأسماء والمواقف و المواقع و” المبادئ ” والمفاهيم قد يتم قلبها وتبديلها والتنصل منها أيضا في آخر لحظة، لا لكي تبدو متناسبة ومنسجمة مع رؤية وحاجة ومطمح المتفرجين المساكين، أو حتى مع أحلامهم وأوهامهم البسيطة و” قواعد ” و ” قوانين ” اللعب التي لا تُحترَم. بل لتكون هاته الأشياء كلها مجرد لحظة وهم عابر. يوحي ظاهرها بشيء وينطق باطنها بأشياء أخرى لا علاقة لها حتى بـ ” اللعب النظيف ” ووعود الغد أو الأفق الجميل.

ولطالما قمتُ أيضا ــ مع نفسي ــ عن عمد بقلب الصورة والمشهد وعكسهما تماما. إذ أجعل من ” فأر اللعبة ” أحيانا كائنا خارقا وأذكى مما نتصوره نحن الذين نبحث فقط عن فرجة هاربة أو عن ” ضربة حظ ” وعن معنى مباشر ووحيد للأشياء والوقائع والأحداث. بحيث يكون ” الفار الدايخ ” هذه المرة هو صاحب اللعبة نفسه والمتحكم في خيوطها و ” قواعدها ” بالأساس، وهو اللاعب الفائز الحقيقي والوحيد في اللعبة. خصوصا حين تكون مواهبه خارقة وذكاؤه ” السياسي ” مثل شهيته مفتوحة في وعلى كل الاتجاهات. فيصبح هو من يقوم بـ ” مخض ” الآخرين و” قلقلتهم ” في كل الاتجاهات. مما يجعله يختار أو يهتدي كل مرة بذكاء إلى ” رقمه ” الرابح و ” صندوقه الرابح ” ويتوكل على الله..

ربما يكون في هذا الأمر من الأسرار ما لا يعرفه غير ” النواقسية ” و ” الطرايرية ” و” الدقايقية ” وبعض ” الراسخين في العلم ” ؟ هؤلاء الذين ” يشمونها وهي طايرا ” ويعرفون دائما اتجاهات الرياح المؤاتية والأرقام الرابحة في كل لعبة، ويعرفون أيضا متى ” يدخل الفأر المطلوب في الصندوق المطلوب ” وكيف يصبح المرء ” لاعبا محترفا في سبعة أيام “. لكن اللعبة أحيانا قد لا تتطلب كل هذا المجهود الذكي ووجع الدماغ. تحتاج فقط إلى القليل من ” الورع ” المدهون بزيت ” التقوى ” كي تحصل البركة والحركة ويتحقق المطلوب. هذه الوصفة أيضا أكدت نجاعتها في المشهد السياسي المغربي المهجن حتى النخاع. والكثير من المتنفعين ببركاتها ومفعولها السحري ينصحون بها أقرب الأقرباء إليهم، ويصفونها لذويهم وأبناء عمومتهم وبني جلدتهم. أولائك الذين يتكلمون ” لغة العائلة ” أو القبيلة ويفهمون إشاراتها، ويجلسون على طرف البلاد وروابيها الجميلة ينتظرون ” خراج الغيمة ” ولو اتجهت بعيدا في الأفق.

هذه أشياء لا تحتاج إلى عناء كبير كي نفهمها ونجسدها أو نجد لها مقابلا رمزيا في فضائنا وواقعنا السياسي الوطني. فقط يحتاج المواطن أو القارئ إلى القليل من الفطنة والتأمل وبعد النظر وممارسة لعبة قلب الأدوار والمواقع كي تبدو له ألعاب ” السويرتي ” كلها واقعا مجسدا في مجاله السياسي. وحتى إذا افترضنا أن كل قارئ وكل مواطن تعرف أيضا في فضائه المحلي أو الوطني على ما يقابل في الواقع شخصيات وألعاب هذا ” السويرتي ” السياسي المغربي المتحول، فإن ” الربح ” أو ” المكاسب ” التي يمكن لهذا المواطن جنيها من ” اللعبة “، تظل ــ مع ذلك زهيدة ــ مقارنة مع ما يجنيه أصحاب اللعبة و” اللاعبون الكبار “.

لكن الشعار يظل دائما هو : ” سويرتي مولانا .. والربحا مُوس ولاَّ ماكانا “.

* شاعر وناقد فني مغربي

‫تعليقات الزوار

7
  • teachertaza
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 14:49

    اعتقد أن اهتمام الاستاد بالشعر و النقد و أشياء أخرى…. جعلته لا يفرق بين ما هو ادبي يعتمد على المخيال الفكري و بين السياسي الدي يعتمد على التحليل العميق و الاستشراف المستقبلي .فهل يستطيع الاستاد ان يحدثنا عن التلميد الدايخ عوض الفأر .هدا التلميد الدي المسكين الدي كان يقصد المؤسسة التعليمية لينهل من المعرفة الغزيرة لشاعرنا و ناقدنا الفني و لكن للاسف كان يرد على اعقابه نعتدر عن عدم تلبية طلبكم استادكم في رخصة مرضية او في مهمة فكرية .
    مشكلتنا في هدا البلد العزيز اننا نتكلم كثيرا عن الفضيلة و الخير الاسمى و ما يجب أن نكون و لكن أين نحن من كلا هدا
    ان لم تستحي فقل ما شئت

  • مهاجرة
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 18:37

    لقد اضحكتني هذه المقارنة، اضحكتني و انا اتصور احدهم هو الشطاحة ديال السويرتي، و الاخر هو الفار الدايخ ….انه فعلا فضاء تيدوخ مثله مثل فضاء سويرتي الذي كنا نلجه و نحن اطفال،شخصيا كنت الجه مرغمة، ابدا لم استلطفه، لانه بالنسبة لي فضاء فوضى، و سرقة و ضجيج و…
    كتاباتك جد رائعة، لكن هلا اختصرت شيئا ما

  • ولد الدرب
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 19:31

    مول الموطور ; ; مول القراعي ; مول الجفنة الى غيرهم من التجمعات للقمار او التسلية ..تلك احزاب السورتي التي تتنافس فقط على حساب جيب المواطن واستغلاله .
    شكرا استاذ فكرتيني فالفار الدايخ

  • zarouali
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 02:23

    و لكن الى متى ? التلاعب صار غير محتمل وغير مهضوم وخطيرجدا,بحيت اذا طلع العفريت من عنق الزجاجة فلا احد يستطيع رده اليها فلا الكذب ولا التبادل الادوار سيكون مجدي,والربحة ستكون الماء و الشطابة

  • تانكس
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 02:30

    فعلا إن اللعبة لا تتطلب كل هذا المجهود الذكي ووجع الدماغ، بل تحتاج فقط إلى القليل من " الورع " المدهون بزيت " التقوى " كي تحصل البركة والحركة ويتحقق المطلوب.
    فهذه الوصفة لم تؤكد فقط نجاعتها في المشهد السياسي المغربي المهجن، و إنما أكدت نجاعتها في المشهد السياسي العالمي. فإن فهمنا قوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر…) فهمنا الأزمة الاقتصادية العالمية، و من دون فهم للاقتصاد، لا يمكن فهم السياسة.

  • Al mohajir
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 10:57

    تربح موس ولا مكانا ولا تمشي ……عريانة.

  • مول الفرادى
    الخميس 19 شتنبر 2013 - 17:16

    ماذا لوكانت هنا الحكومة هي المتفرج و القاص ذلك الفار و هو يجري بين السماء و الارض.. حائرا بين اليسار و اليمين..دائخا بين الغناءو الرقص والشعر..ماذا لو انك ايها القاص ذلك النرد تتدحرج من مكان لاخر تنفث رائحة الكلس في شقلباتك البهلوانية بحثا عن عطر عبق تداري به عفن السجائر..وغبن التملق..ماذا لو انك تلك الشطاحة..تسحر بتموجات شعرك ابا جهل و هو على عرش الثقافة بلافوار الذي عرفته فيه وتبادلتما فيه كؤوس الخمر..واخيرا ماذا لو انك ملك ذلك الفضاء السحري المؤثث بجهل الواقفين و شذوذ المتلصصين و افواج الخريجين من ابناء الشعب-الفاشلين-من مدرسة ابطالها مثلك قافزين شعارهم الغاية تبرر الوسيلة و انا ومن بعدي الطوفان..ستكون سعيدا بلا شك فجمهورك في تكاثر عظيم و اعداءك قليلون لانه في الاخير الكل يعرف انها لعبة السويرتي العجيبة..(سويرتي مولانا…والربحا ….مانظة..ولا..قهيوة وانا هنا..)

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 11

تحديات الطفل عبد السلام

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 116

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد