سلخ ممثل الأمّة أم سلح على الديمقراطية بالرّمة

سلخ ممثل الأمّة أم سلح على الديمقراطية بالرّمة
الخميس 3 يناير 2013 - 15:01

في سابقة خطيرة، تزامن الاعتداء الشنيع على السيد عبد الصمد الإدريسي المحامي، والنائب البرلماني، وعضو الأمانة العامة في حزب العدالة والتنمية، والعضو في منتدى الكرامة لحقوق الإنسان مع الهجوم على المقر المركزي لحزب العدالة والتنمية. وإذ يشهد المغرب هذه الواقعة في ظل الدستور الجديد فإن المتتبعين للوضع قد أصابتهم ارتجاجات في الميزان القيمي، وأصيبوا بالدوار لهول الصدمة التي فاقت كل التوقعات، وهتكت عرى كل الأعراف والقوانين والقيم.

ومنذ البداية يذهب ظني بأن هذا العمل الذي يضرب صميم العملية الديمقراطية، ويفرغ السياسة من محتواها لا دخل للدولة فيه على المستوى الرسمي؛ لكون هذه الممارسات، أولا، لا تخدم التوجه الحالي للدولة العصرية بل تضرب مصداقية الصفحة الجديدة للمغرب داخليا وخارجيا، وثانيا لأننا لم نخرج سالمين من موجة الربيع العربي بعد لكون الارتدادات الجانبية ما زالت تتداعى، ولا أحد يمكنه التكهن بآفاقها.

فأن يُسب ويُضرب ويُهان نائب برلماني في واضحة النهار أمام الملإ في أشهر شارع في العاصمة لهو فضيحة بكل المقاييس. وبطريقة حسابية بسيطة، فإن النائب البرلماني في المغرب يمثل حوالي ثمانين ألف شخص، و تعنيفه والحط من قيمته هو بمثابة ضرب للشعب واختياراته، واحتقار لمؤسسة هي مؤشر الديمقراطية، والقلب النابض للدول المتحضرة. كما يعتبر الحدث بمثابة توجيه ضربة قاصمة للحكومة المنبثقة عن الشعب في حال عدم قدرتها على وضع الإصبع على الداء واجتثاثه من جذوره، والانكباب على تنزيل الدستور، والضرب على أيادي كل من سولت له نفسه العبث بالمكتسبات التي كانت ثمرة لسنوات من النضال ونكران الذات، وما رافق ذلك من تنكيل وقمع وسجن واختفاءات ما زال المغاربة يتحملون تبعاتها.

ليس من المستبعد أن تكون للواقعة حسابات جانبية بين المعتدين والمعتدى عليه، أو خلافات في المرجعيات المؤطرة، أوالخلفيات السياسية آلت إلى التصفية العضلية ولكن ما نتمناه هو أن تكون الحادثة معزولة لأن الظرفية والحيثيات التي تمت فيها الحادثة لم تكن تسمح للمعتدين للاتصال برؤسائهم بقدر ما تصرفوا من تلقاء أنفسهم اللهم إلا إذا فصلت اللحظة التي أدلى فيها النائب ببطاقة التعريف مدة زمنية كافية لمهاتفة الباشا والعميد من هم في مراكز القرار لإعطائهم الأوامر بالضرب والإهانة وهذا ما ستكشف عنه التحقيقات وتغنيينا بتفاصيل الملابسات.

أما مداهمة مقر حزب العدالة والتنمية فبدوره لا يمكن اتهام الدولة بذلك لكون الحزب حزبا معترفا به، ويعمل في إطار من الشفافية والوضوح، ثم لكون الدولة تعلم كل أسرار الأحزاب بوسائلها الخاصة من دون اللجوء إلى مثل هذه الأساليب القديمة والمنحطة. وما هذا التصرف المتهور إلا عمل أشخاص فقدوا كل وسائلهم الديمقراطية المتمثلة في القلم واللسان وصناديق الاقتراع، وجنحوا في حال الانهزام والانكسار والفشل إلى أسلوب الترهيب والتجسس والتلصص عسى أن يجدوا ما يبتزوا به خصومهم.

وفي هذه العجالة لا يمكننا أن نتهم أشخاصا بعينهم ولا مؤسسات بيد أن نباهة الشعب المغربي، وذكاءه الفطري، وقدرته الخارقة على الرؤية الثاقبة من خلال تتبعه للشأن العام في البرلمان، وفي اللقاءات، وفي الشارع، يعلم الجهة التي يمكن أن تصدر عنها مثل هذه الأفعال، ولكنها قد تكون متعلقة بأشخاص لا بمؤسساتهم. والبحث النزيه هو وحده الكفيل برفع الغطاء عن هذه الهمجية والأسلوب المرفوض. وما دام أن الدستور الجديد يربط المسؤولية بالمحاسبة فإننا ننتظر من القضاء أن يقول كلمته ليعلم الشعب المغربي قاطبة ما محله من الإعراب في خريطة المستجدات؟

ونحن الآن أمام امتحان لا ندري نتائجه، ولكن العاقبة بإحقاق الحق وإيقاف المعتدين عند حدهم، ومصارحة الشعب المغربي إن كانت هاتان الحادثتان معزولتين أم أن الأمر خلاف ذلك. ويجب أن نقطع مع الشك في مؤسساتنا، وأن تكون الدولة وأجهزتها على مسافة واحدة من جميع المكونات السياسية، وأن تبين لنا بالملموس أن الماضي قد ولى بجميع سلبياته، وأنها عازمة على المضي قدما في تطبيق القانون تطبيقا لايستثني أحدا.

وكأننا بهؤلاء أرادوا بفعلهم هذا تجريب الحكومة، وجس نبض فعاليتها، ومعرفة مدى إمكانية تحملها مسؤولياتها كاملة أم أن الدستور في واد والحكومة في واد آخر. ومعرفة إن كان رئيس الحكومة رئيسا فعليا لكل القطاعات الحكومية أم ما زالت هناك وزارات تشذ عن القواعد الدستورية ومن بينها وزارة الداخلية التي كانت تسير بمنطق التوجيهات والتعليمات بدلا من القانون.

والأكيد أنه إذا سارت الأمور على هذا الشكل، وأفلت المفسدون ومحرضوهم من العقاب، فإن المسيرة الديمقراطية التي انطلقت بعد تفاعل الملك مع مطالب شعبه لن يكتب لها النجاح، وسوف تتحكم في مصير البلاد ”جيوب المقاومة” و”التماسيح والعفاريت” أو تتجه الأمور إلى دوامة لا أحد يستطيع التكهن بخاتمتها.

وبناء على هذا، يصعب على المرء أن يرى ما وقع ولا يشعر بعدم الرضى على مسيرة المغرب المتعثرة. ويعسر عليه أيضا العيش من دون توجس ورهبة من الحاضر والمستقبل لأن أمثال هؤلاء يريدون زرع بذور اليأس في نفوس الشعب، وتحسيسهم بالهزيمة، وفقدان الثقة ليس في الحكومة فحسب بل في المستقبل أيضا؛ إذ حين يرى المواطن البسيط ممثل الأمة يضرب في الشارع العام لن يثق في الأمن والدرك ولا في المؤسسات لأنه سيدور في خلده أنه إذا كان هذا الشخص بكل ما يحمل من صفات (المحامي، النائب البرلماني، المستشار في منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، عضو الأمانة العامة للحزب…) يتعرض للإهانة والضرب والسب في الشارع أمام الجمهور فما بالك بما يمكن أن يقع لشخص عاد أو ما وقع ويقع بالفعل في الدهاليز أو الأماكن المحاطة بالأسوار والأسرار.

يجب على الشعب المغربي أن يقف وقفة رجل واحد، وأن يتصدى لأمثال هؤلاء الذين يريدون اختطاف البسمة من على وجوه البسطاء والضعفاء، والذين يأملون في سد باب الأمل في آخر النفق، لا لشيء سوى لكونهم اندحروا في الانتخابات اندحارا لن تقوم لهم بعده قائمة إلا إذا تصالحوا مع الذات والآخر. لقد أرادوا أن يقايضوا واقعهم الميأوس منه بمستقبل المغرب والمغاربة، وهذه رهانات خاسرة لأسباب متعددة منها:

_ يقظة الشعب المغربي وحمايته لاختياراته بالشكل المناسب.

_ معرفة الأمة المسبقة بسجل هؤلاء الذين يؤثرون مصالحهم على مصلحة الشعب.

_ ملكنا سريع التجاوب مع شعبه ويمثل الحياد.

_ التشبث بالمكتسبات ومحاولة إثرائها وعدم الرجوع إلى الوراء.

وخلاصة القول: إن القافلة تسير والعصا لن توقف عجلتها لأن الشعب يقهر المعيقات، ويتحدى المثبطات، ويكسر كل الحواجز. والتاريخ شاهد على فتوحات الشعوب وإنجازاتها. أما من يقف في وجه التيار فإنه سوف يجد نفسه بعد هدوء العاصفة في الطمي منغمسا أو تتبعه اللعنات في مزبلة التاريخ.

‫تعليقات الزوار

3
  • أقبالا
    الخميس 3 يناير 2013 - 20:55

    اذا كانت المقاربة "الأمنية" للمطالب والاحتجاجات الشعبية لامفر منها تحت غطاء "هيبة الدولة", فنيل الذين وصلوا بأصوات الشعب نصيبهم منها لا يدعو للأستغراب وخاصة لما يتعلق الأمر بأحزاب تتباهى بالثقة التي نالتها في الانتخابات الأخيرة, هذا مع استحضار أن كل المدافعين عن الحريات العامة ما فتؤوا يثيرون الاسئلة حول منهجية وخيار قمع الاشكال المطلبية والاحتجاجية وتجلياته اليومية في ربوع الوطن , ويعبرون عن القلق ازاء ما تنحو اليه الاوضاع من ردة حقوقية خطيرة, بل هناك من يربطها بالمرجعية الفكرية الثقافية والطبيعة السياسية لحزب العدالة والتنمية كحزب محافظ ومتوجس من المعارضة والاحتجاج , ونستحضر هنا المواقف التبريرية للقمع والعنف وخندقة الاصوات المعارضة والمنتقدة لمنهجية واساليب تدبير الشأن العام في خانة العداء للاصلاح لتأليب الرأي العام ضدها وفرض الخنوع والاستسلام للأمر الواقع, ولنتأمل مثلا خلفيات وأهداف الاصرار على التضييق على الممارسة النقابية وضرب حق الاضراب بالاقتطاعات التعسفية من أجور المضربين لثنيهم عن الاضراب والالتزام النقابي عبر تأزيمهم وانهاكهم ماديا ومعيشيا هم وأسرهم وعائلاتهم التي يعيلونها.

  • smemou
    الخميس 3 يناير 2013 - 22:49

    لماذا هذا التباكي على ماوقع لهذا النائب والحامي والزعيم وو….أليس الرسف والضرب والتنكيل وجبات يتناولها اولاد الشعب يوميا على ابواب المؤسسات العمومية ولا احد يستنكر او يندد وما العيب ان يضرب نائب برلماني اليس مواطن مثلة مثل جميع المواطنين الدين يزروطون بما ان النائب ينتمي الى فريق برلماني يوجد على راس الحكومة الحالية وادن لماذا هذا التباكي من انصار هذا البرلماني وانصار الحكومة والدستور الجديد القديم . هنا يطرح السؤال هل نحن امام حكومة منتخبة لها جميع "الصلاحيات " المخولة لها دستوريا اما امام حكومة ظل تمارس علينا التصنطيح وسياسة العفرايت والتماسيح والتباكي

  • مزيل الضباب
    الجمعة 4 يناير 2013 - 09:32

    الرد على sememou رقم 2. ما أرى في المقال تباكيا.الكاتب يحاول ملامسة جوهر القضية. قلت لا فرق بين المواطن البسيط والنائب البرلماني وهذا رأي خاطئ لأنهما يختلفان في الصفة، فإهانة عبدالصمد الإدريسي إهانة لكل الدائرة التي انتخبته وللمؤسسة التشريعية وللدمقراطية وللدولة. فإذا اردت أن تتأكد أن الأشخاص لا يستوون في التمثيلية والمستوى والتفكير والقيمة … فانظر ماذا وقع في ليبيا وسوريا واليمن حين أراد الشعب تغيير الرؤساء وصدق الله تعالى إذ يقول " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ " "هل يستوي الأعمى والبصير؟" عمى القلب والبصيرة. أما تساؤلك هل نحن أمام حكومة لها كامل الصلاحيات فأظن أنك لا تفقه شيئا في أساليب العربية أو أنك تجاهلت الموضوع ودخلت إلى النوايا أو الخلفيات لأن الكاتب قد تطرق للأمر بما فيه الكفاية.

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 13

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 6

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 14

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق