سلطة الثورة

سلطة الثورة
الأحد 27 مارس 2011 - 14:17

بين شرعية السلطة ومشروعية الجماهير


” وهب أن الحرية قد سحقت و أن الناس قد أذلوا حتى لم يعودوا يجرؤون على الهمس إلا بأمر حكامهم رغم ذلك فمن المحال المضي في هذا إلى حد جعل تفكيرهم مطابقا لتفكير السلطة السائدة فتكون النتيجة الضرورية لذلك هي أن يفكر الناس كل يوم في شيء و يقولوا شيء آخر فتفسد بذلك طبيعتهم و ضمائرهم…و يكون في ذلك تشجيع لهم على النفاق و الغش” سبينوزا


لا قضية تشغل بال المحللين السياسسين والسوسيولوجيين هذه الأيام أكثر من هذه الثورات الشعبية المشتعلة في أكثر من قطر عربي، ويحتدم النقاش أكثر بين مختف المكونات الاجتماعية بكل أطيافها ومواقعها الطبقية في هذا المنعطف التاريخي للاستحواذ على ثمار هذه الثورات الشعبية المباركة ولوضع اليد على المجال الذي أفرز فعل الثورة من معطيات سوسيوثقافية ومن استعدادات مجتمعية لاكتساب الشرعية، وبقدر ما تشغل الثورة هذه الأيام العالم العربي وسرعة انتقالها من قطر عربي إلى آخر و تهاوي أكثر من نظام عربي بائد، فإن حدود العلاقة بين المجال ومنتوج السلطة تظل جزءا من الرهانات الملحة التي تدفع الباحث اللبيب إلى ضرورة استيعاب ماهية المجال في مقابل مقولة السلطة ورمزيتها، وفي هذا الإطار كيف يتم الصراع بين المكونات المجتمعية لكسب الشرعية وبالتالي استثمارها للالتفاف على نضالات الجماهير الشعبية، و أيضا استحواذها على حقل الدلالات والرموز لترسيخ نفسها الممثل الوحيد والشرعي للثورة، ولعل ما يدعونا لإثارة هذه القضية هو الاستهلاك المفضـوح و الدوغمائي لكل الوصوليين لانـجازات الـجماهير الشعبية و الركوب الغبي والانتهازي لنضالات الغير، فما أكثرهم هم مقتنصو اللحظات التاريخية وما أكثرهم هم المرتزقة السياسيون الذين يختبئون دهرا وعندما تتململ الجماهير لاسترداد حقوقها تراهم يطلون بأقنعة مزيفة و بخطابات جوفاء تخفي وراءها وهما مرضيا مزمنا يستبد بالساسة العرب والمسلمين يسمى بالنفاق والغش، وما على المتتبع الحصيف إلا أن يقوم بتحليل ولو بسيط لسيكولوجيا الحاكم العربي ومن خلاله النخب السياسية المتحالفة معه لرأى العجب العجاب، وحتى لا أكون مجحفا في حق بعض المكونات السياسية الوطنية التي لازالت ملتحمة بالجماهير الشعبية رغم كل أشكال التضييق والتحريض التي تطالها، فإن أغلب المكونات السياسية الأخرى لازالت تدور في مجال السلطة، ولازالت تدور في نمط الإنتاج السلطوي الذي تسوقه السلطة والذي يجلب لها مزيدا الامتيازات وكثيرا من الحظوة، وهي بالتالي مستعدة إلى الوقوف إلى جانب السلطة حتى أخر رمق، لكن ما يهمنا هنا ونحن نعيش ربيع الثورات العربية هو ذلك الوعي الكبير لدى شريحة الشباب الذين أعياهم الانتظار، وملت عيونهم من رؤية نخب سياسية بائدة لاتزال تتربع على كراسي منذ أمد طويل، كما ملت مسامع الشعب بكل أطيافه من خطاباتها المغلفة بالنفاق السياسي حتى أن أحدا لم يعد يقبل الاستمرار في اللعبة القذرة حتى النهاية، أما وقد هب الشباب إلى الساحات العمومية بعدما فطنوا أن عملية فك شفرة التغيير لم تعد ممكنة في ظل أحزاب متواطئة، أحزاب اسئصالية و انتهازية لا تتحرك إلا من خلال منطلقين، أولهما منطلق المكسب بما يعنيه ذلك من ركوب الأحزاب على نضالات الجماهير الشعبية واستثمارها لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة دون أن تكون هي المبادرة للمناداة بالإصلاح والتغيير، وثانيهما منطلق انتخابوي محض فالأحزاب أثبتت أنها ليست أكثر من دكاكين سياسية تفتح أبوابها آناء كل استحقاق انتخابي لتلميع وجهها القبيح وإعادة إنتاج خطابها الانتخابوي ثارة باستثمار الدين في مجال السياسة، وثارة أخرى باستثمار المشروعية التاريخية في تعبئة الجماهير دون أن تعلم هذه الكائنات الانتخابوية أن المشروعية اليوم هي أولا وقبل كل شيء مشروعية الجماهير بامتياز، وأن الجماهير هي التي تختار وتزكي مشروعية أي طرف أو تقصيه من دائرة الفعل السياسي، وأن عصر الجماهير الشعبية قد بدأ بالفعل يجتاح العالم العربي بعدما رزحت لأمد طويل تحت أنظمة فقدت صلاحيتها وشرعيتها وكفاءتها في تدبير الاختلاف السياسي نظرا لاستمرارها في الدوران في فلك السلطة التقليدية التي لازالت تعتقد أن التشبث بقشة الماضوية والقدامة هو السبيل في استمراريتها، أو إقامة السلطة حول مفهوم الطاعة والدوران بذلك في فلك شخصية كاريزمية تدعي قدرات خارقة على إظهار المعجزات وهي بهذا تنال مركز الزعامة الدينية فتأسر عواطف الأتباع وتسيطر بذلك على دواليب الدولة ومقدراتها، وخير مثال على ذلك هو الحاكم العربي اليوم الذي أصبح يعتقد أنه هو الكل في الكل وأنه لا يمكن أن تقام للدولة أركان و لا أن يتمتع الشعب بالحرية والكرامة إلا إذا كان هو في هرم السلطة هو و حاشيته، متناسيا أن الحداثة السياسية تقوم اليوم على الشرعية التي مبتدأها ومنتهاها الكفاءة والعقلانية والتداول السلمي على السلطة، فمتى يصحو العقل السياسي العربي من سباته ويصنع ثورة حقيقية لبناء المستقبل…


[email protected]

‫تعليقات الزوار

1
  • Anti Dictateurs Arabes
    الأحد 27 مارس 2011 - 14:19

    Toute révolution arabe qui ne donne pas naissance à une constitution imposant le terme du mandant présidentiel pour 4 ans renouvelable une seule fois, n’est pas une révolution.

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50

صبر وكفاح المرأة القروية