سي المهدي

سي المهدي
السبت 14 يونيو 2014 - 02:10

سألنا أستاذ اللغة الإنجليزية ذات عام بالسنة الأولى ثانوي، الأستاذ حسن عرباوي حفظه الله، عن الأشخاص الذين نتمنى لو أننا نراهم، فلم أتردد في جوابي: العربي باطما، والمهدي المنجرة..

كنت مهووسا ـ ولا أزال ـ بأغاني ناس الغيوان، وكانت حنجرة العربي رحمه الله، تربطنا كفقراء بمعان وقضايا لا يكاد يحس بها سوى أمثالنا..

توفي باطما رحمه الله..

أما سي المهدي فكان حكاية أخرى..

بدأت تفاصيلها معي لدى مشاهدتي للمحاضرة الأشهر له في المغرب على شريط فيديو استعرته من أستاذي وشاهدته على جهاز فيديو هو الآخر مستعار..

لأول مرة أرى شخصية مغربية تصرخ بالحق بكل وضوح دون أن تخشى في الله لومة لائم..

كنا اعتدنا على لغة أحمد سعيد المغربي، سي مصطفى العلوي، وعلى مصطلحات العام زين وكلشي بخير، قبل أن يمن الله علينا بنعمة آلة التحكم وتغيير القنوات.. بشرق المغرب، كنا لا نجد مهربا من القناة الرسمية سوى إلى القناة الجزائرية التي لم تكن أصيبت بعد بعدوى أحمد سعيد الجزائري.

سي المهدي لم يسكت، بل تكلم لدرجة دفعت شخصيات حضرت الندوة للمغادرة، وسجل ذلك بكلمات من ذهب في وسط اللقاء الذي شهد حضورا جماهيريا كبيرا بحيث ضاقت القاعة بالشباب..

لم تكد تمر سوى شهور قليلة، حتى انتقلت إلى الجامعة بمدينة وجدة، وهناك أقدمت على ارتكاب جريمة في حق المنحة عرضتني لتحقيق بشع أمام أمي..

اشتريت أجزاء في ظلال القرآن للشهيد، بإذن الله، سيد قطب، وLa premiere guerre civilisationnelle (الحرب الحضارية الأولى) لسي المهدي..

كلا الكتابين كفيلين بتغيير مجرى حياة أي شخص..

علمني سي المهدي من خلال كتابه شيئا مهما جدا: خطر الإعلام وقدرته الهائلة على تزييف الحقائق وترويج الأكاذيب على أنها عين الواقع، وعدم تفسير الأشياء الكبرى والخطيرة بطريقة سطحية ساذجة.

في كتابه، يؤكد أن حرب العراق لم تكن حربا تقليدية، بل تدشينا لحروب الحضارات..

يشرح كيف أن العراق صار رقما صعبا في معادلة مرتكزة على بناء علمي صحيح، وتطوير لشوؤن التعليم والاقتصاد والثقافة والفن. الكل يعترف أن صدام، رحمه الله، لم يكن أيقونة للديمقراطية، لكن بجانب خطاياه كانت له مزايا تحدث عن الراحل سي المهدي رحمه الله واستيقنتها من أصدقاء عراقيين تعرفت عليهم لاحقا..

أحد أولئك الأصدقاء أكد لي أن السلطات ظلت تبحث عن فرد من عائلته لم يكن متعلما، فعملت على إنجاح مسعاه في محو الأمية حتى تحقق له ذلك..

وشرح سي المهدي تفاصيل وخلفيات غزو العراق، وأكد أن ذلك كان قبل فترة طويلة من حدوث عملية الغزو نفسها، حيث ارتكب صدام أخطاء استراتيجية كان أهمها وثوقه في وعود العم سام التي ورطته في نهاية المطاف.. إلى جانب تسليمه البلاد لطغمة حاكمة ظالمة قهرت الشعب.

واسألوا العراقيين، وانظروا إلى العراق الآن، من قمة العطاء العلمي والاقتصادي إلى أسفل سافلين..

وبرز العظيم الراحل سي المهدي كذلك في التنبؤ بثورات الربيع العربي، في كتابه المثير “انتفاضات في زمن الذلقراطية”، متحدثا عن الجهلوقراطية، والفقرقراطية، والشيخوقراطية، والمخزنقراطية، وهي الآليات التي أنتجت التخلفقراطية، مشيرا إلى أن الوضع لا يمكن أن يستمر للأبد، وأن الذل الحياتي الذي نعيشه سيدفع حتما لانتفاضات شعبية ستغير المعادلة برمتها..

الذلقراطية، مصطلح مبدع رائع روعة كاتب اختار الانحياز لمبادئه وأفكاره..

كنت أتتبع ما أستطيع الوصول إليه من كتبه، وعندما وطأت أرض الرباط لأول مرة، وخلال أقل من أسبوع اشتريت كتابه عن التواصل.. وحواراته الصحفية كانت مثار اهتمام، وكم كان يؤسفني أن أسمع عن منع لقاءاته مع الطلبة والباحثين في مدن مختلفة، وكان السؤال المطروح دائما: ترى لماذا يمنعونه، ما الذي يقوله هو ويخيفهم هم؟

عام 2009، سيتحقق الحلم أخيرا، وسيسر الله تعالى اللقاء بسي المهدي بعد محاولات لم يكتب لها النجاح، حيث أجرينا دردشة صحفية معه..

بحثنا طويلا عن مقر سكناه وبعد أن وجدناه، فتحت لنا زوجته الكريمة الباب وهي في حالة نفسية صعبة بسبب الوضع الصحي الصعب لسي المهدي..

دلفنا إلى البيت المرتب الأنيق، وجلسنا ننظر إلى الفارس المقاتل..

كان يرتدي جلبابا مغربيا تقليديا ويمسك بعصا.. كانت آثار المرض واضحة عليه.. يتكلم بصعوبة ويتحرك بصعوبة، لكن روحه ومعنوياته في العلالي.

أفكاره هي هي، لامعة نظيفة قوية.. بدا مثل فارس نبيل أقعده المرض وتجاهل الأحباب..

خرجنا من المنزل، والألم يعتصرني على جبل شامخ يموت في صمت، والمجتمع لاه منشغل..

من غريب الصدف، أني قرأت خبر موته اليوم وأنا أطالع كتاب “مع الأئمة” لسلمان العودة، الذي يتحدث عن الأئمة العظام مالك وابن حنبل والشافعي وأبو حنيفة، وكيف ضربوا الأمثلة الرائعة في الحياة برغم ما عانوه من أذى الحساد والمتفذلكين والكسالى والانتهازيين..

أمثلة في حب البحث العلمي، وتواضع العلماء، وحب طلاب العلم ودعمهم، والتواضع للناس والبحث المستمر عن الحقيقة مهما كلفت من وقت ومال..

سي المهدي نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا..

لقي ربه بعد معاناة طويلة مع المرض، وفي يوم مبارك هو يوم الجمعة، ومن رثاه هم مريدوه وتلاميذه وأحباؤه من الشباب تحديدا على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت..

وأحسبها قلوبا محبة تدعوا للفقيد دون رغبة في مكافأة ولا مال ولا جاه..

لنقرأ كتب سي المهدي، ونفهم المبادئ والقيم التي كان يدعو لها وأفنى لبنائها حياته..

رحمك الله سي المهدي، وغفر لنا ولك، وحشرنا وإياك تحت لواء المصطفى صلى الله عليه وسلم، في يوم هو آت مهما ظننا أنه طال..

*صحفي

‫تعليقات الزوار

11
  • AnteYankees
    السبت 14 يونيو 2014 - 05:28

    رحمة الله على سي المهدي، وغفر لنا وله، وحشرنا وإياه تحت لواء المصطفى صلى الله عليه وسلم، في يوم هو آت مهما ظننا أنه طال..

  • aflatoun
    السبت 14 يونيو 2014 - 09:13

    السلام. شكرا اخي الكاتب المغرب كان لديه مفكرين و رجال شرفاء ولكن عوض ان يستفيد منهم النظام همشهم و ها نحن الان ﻻزلنا ندفع تمن التهميش .و السلام

  • Nassiri lotfallah
    السبت 14 يونيو 2014 - 09:59

    Je n'ai jamais eu le plaisir de le rencontrer en personne, mais cela n'est pas nécessaire pour s'assurer de sa lumière, sa loyauté et sa sincérité. C’était un homme tourmenté par les encombres et les périls qui menaçaient et qui menacent encore son peuple et toute la Oumma musulmane. C’est un Homme qui a fait touts ce qui était humainement possible de faire pour contribuer et aider du mieux qu’il pouvait sans jamais ambitionner ni de fortune ni renommée.
    Puisse Dieu le tout puissant et l’omniscient l’avoir dans sa miséricorde et sa clémence
    Amen.

  • HICHAM ESPAÑA
    السبت 14 يونيو 2014 - 10:21

    نطقت بشهادتك هاته والتي ستحسب لك في ميزان حسناتك مع قوة كلماتك جعلتني ابكي بكيت لكلماتك الصاعدة للسماء تنع بطلنا الان الان و كما كان الكلام نقمة او نعمة اما انت فكلامك نعمة لك و لي و في الاول و الاخر شهادة حق للانسان

  • marrueccos
    السبت 14 يونيو 2014 - 11:01

    " المنجرة " رحمه الله ! كان يدعو إلى الخروج من التبعية لأمريكا ! وهو يدرك ( أو يجهل ) إستحالة ذلك ! أوربا ؛ اليابان وكل دول العالم المتقدم تعي أن لا أمل في الخروج عن الهيمنة الأمريكية ! تعي أن لا غنى لسيارات الإسعاف عن تكنولوجيتها ! ولا غنى للجيوش والإقتصاد والتجارة والطب والزراعة والملاحة البحرية والطيران وعالم المال والأعمال والرياضة والإتصالات والبحث العلمي … على سبيل الذكر لا الحصر ؛ لا غنى لها عن التكنولوجيا الأمريكية !
    يعتقد الكثيرون أن نظام GPS أوكسوسوار ! ناسين أنه منظومة تكنولوجية رقمية بحواسيب وتيليسكوبات أرضية وأقمار صناعية تملأ الأرض والفضاء ! لا غنى للمجتمعات المعاصرة عنها !
    نظام " جاليليو" مشروع أوربي ياباني تعثر في الطريق كان الغرض منه الخروج من الهيمنة الأمريكية بعد ثلاثة عقود ! أدرك الأوربيون أن التحدي صعب تكنولوجيا ؛ تعجيزي ماليا ونتائجه غير مضمونة !
    أوربا واليابان أدركتا بعد عمل ميداني إستحالة الإنعتاق من أمريكا ! أما الفقي " قطب " والدكتور " المنجرة " فإستسهلا الأمر بالكلام ! بالكلام فقط ! يرفع التحدي لا غرابة أن ترتفع أسهم الحلايقية في نظر العامة !!!

  • alia
    السبت 14 يونيو 2014 - 12:34

    وا أسفاه على المغرب, ينبذ علماءه احياء ويكرمهم اموات, فالمهدي المنجرة كان مخلصا ونقيا في ما طرحه كعلاج لعاهات نعاني منها, وكان ينادي بقيم لو تبنيناها لكان ذلك بمثابة بداية و تصحيح لمصار معوج لا يطرح الا عاهات, ولن لا حياة لمن تنادي,
    رحم الله فقيدنا, والله اننا نحن الغافلين من نحتاج الى"الدعاء"…..
    غلبتني دموعي فلم استطع ان أكمل الكتابة .

  • الوجدي
    السبت 14 يونيو 2014 - 16:34

    اول مرة اقرا لك و وجدت مقالك رائع اخانا حموش .رحم الله الفقيد و غفر له.
    اظن ان الاستاذ المنجرة لم يقل كل ما كان يفكر نظرا للرقابة على الاعلام و تقنيات المخزنقراطية ;حين كانت مجرد كلمة السياسة تجر بقائلها الى مخفر الشرطة وبموته رحمه الله فقدنا ذاكرة تاريخية و تحاليل سياسية خاصة به لفترات من تاريخ المغرب و احداث كادت ان تغير مصير المغرب .اظن ان الفصل 19من الدستور القديم كان لجاما من نار بالنسبة للمرحوم .
    التعليق 5:وهل ترضى ان تبقى عبدا لامريكا?هل الحضارات السابقة قامت بمساعدة امريكا?ما لا يستغنى عنه هو العلم و العدل .اول اية من القران هي اقرا بسم ربك.غير ان المسلمين لم ينتبهو لها و حللو فقط انكحو ما طاب لكم مثنى و ثلاث …. فاجمعو على اربعة و فيهم من ذهب الى تسعة بدعوى واو العطف .اظن انه لو قلنا للشباب العربي ان كثرة الدراسة تقوي الغريزة الجنسية لاصبحت المطابع و المكتبات منتشرة مثل محطات الوقود .
    شكرا الاخ حموش و مرة اخرى رحم الله استاذنا المهدي المنجرة.

  • karim12345
    السبت 14 يونيو 2014 - 17:54

    Tu essais de nous montrer que les USA sont des êtres qui ne sont pas comme les autres. Je travailles avec leurs ingénieurs chaque jour, je ne vois pas ce que tu dis. c'est vrai, ils travaillent fort mais ils sont pas hors du commun. Ssi mehdi au moins il donne des pistes pour la solution, alors que toi tu ne sais que critiquer. Propose quelques choses oulla skout hsen lak. ça se voit bien que tu as rien à proposer juste du bla bla. Ssi El mehdi n'a pas besoin de ta reconnaissance, il est déjà reconnu et respecté à travers le monde incluant les américains que tu penses qu'ils inventent l'impossible.

  • le philosophe
    السبت 14 يونيو 2014 - 20:41

    En cette douloureuse circonstance, je prie dieu le Tout puissant de l’accueillir en sa sainte miséricorde
    Après 23 ans et juste le printemps 1991, Monsieur Manjra a été invité à l'école des mines de Rabat pour nous livrer une conférence sur son livre la1ere guerre civilisationnelle et aussi pour lui poser quelques questions sur son profil de visionnaire du devenir de l'humanité.
    sans verser dans la critique , je peux vous dire que le titre de philosophe que j'affiche ne tient de trait qu'aux pensées de ce grand homme qui a prédit un certain nombre d’événements majeurs ayant affectés la société arabe dans le fonds mais je doit aussi dire qu'il a insisté lors de cette conférence à travailler dur pour maîtriser les technologies avancées ainsi que la science exacte en général pas pour sortir de la dépendance mais juste pour avoir les leviers nécessaires de développement d'une société moderne efficace économiquement et ayant la maîtrise de son devenir
    Visionnaire ,il était, Que Dieu .

  • قلم صادق
    السبت 14 يونيو 2014 - 23:09

    قلم صادق يرثي رجل صادق، مصداقيته يشهد بها الروبيو و كل مثقف لا يراهن في شهادته على تحقيق مصلحة أو الحفاظ عليها. ما أجمل التعزية عندما يكون مصدرها الفئات الشعبية بتلقائية و الأقلام الحرة . و ما أقبحها عندما يرثيك المتملقون و يسير في جناتك من يقتنص الفرص لتصفية الملفات.

  • أم حسن
    الأحد 15 يونيو 2014 - 04:13

    الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته، نسأل له الثبات عند السؤال فإنه الآن يسأل ونشكر كاتب المقال السيد حموش عن هذا النعي الراقي للمرحوم الأستاذ المهدي المنجرة. إنا لله و إنا إليه راجعون ، تعازينا لأسرة الفقيد.

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 1

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 11

تحديات الطفل عبد السلام

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 115

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد