سُخـرة المجنّـدين

سُخـرة المجنّـدين
الخميس 30 يناير 2014 - 10:38

يخّصِّص “المشرّع” المغربي أكثر من 2700 مليار سنتيم في كل سنة لأدارة الدفاع الوطني حسب قانون المالية لسنة 2013 والمنشور على الموقع الالكتورني لوزارة المالية، جزء يسير من هذه الميزانية يذهب للتّسليح والقضايا المتعلّقة بالدفاع (5 ملايير سنيتم)، لكن الجزء الأهم من الأموال المخصصة للدفاع الوطني تذهب لأجور عناصر الجيش وضبّاطه وجنارالاته (2200 مليار)، والمعلوم أن الميزانية العامة تتشكّل أساسا مما يدفعه المواطن المغربي من ضرائب ورسوم جبائية، بمعنى أن المواطن معنيّ بمعرفة مآلات ضرائبه وموارد بلاده، والإحاطة بطرق صرف أي درهمٍ يخرج من ميزانية الدولة. في هذا المقال سنترك جانبا كل ما يتّصل بهذه النقطة، وسنحاول إجلاء أحد المواضيع المسكوت عنها، ويتعلّق الأمر بالميزانية المخصصة لأجور عناصر الجيش المغربي، فرغم أن هذه الفئة ينبغي أن تنال كل التقدير والاحترام، كما ينبغي أن تتحصّل على أفضل الأجور، ورغم أن ميزانية الجيش تحتلّ الرتبة الثانية بعد ميزانية التعليم حسب القانون المالي المغربي، وأن الجانب الأكبر من هذه الميزانية مخصّص لأجور عناصر الجيش، إلا أن أسئلة مهمة ينبغي الإجابة عنها في هذا السيّاق من قبيل: هل هناك تفاوتا صارخا بين أجور عناصر الجيش؟ وهل يقتصر عمل المجنّدين الموجودين ضمن الفئات الدنيا في الجيش على المهام المخصصة لهم قانونا أم يقومون بأعمال لم يُجنّدوا أصلا للقيام بها؟ وهل الضبّاط الكبار في الجيش والجنرالات يمارسون أعمالا تجارية واستثمارية في تحد واضح للقوانين الجاري بها العمل؟

لا نروم من خلال هذا المقال معالجة كل هذه الأسئلة لمجموعة من الأسباب، أهمها نقص المعلومات المتعلقة بمؤسّسة الجيش التي توصف في الغالب بكونها “صامتة”، كما لا نتوفّر على أدلّة ملموسة حول ممارسة بعض جنرالات الجيش للتجارة وغيرها، وإن تواثرت تصريحات السّاسة حول امتلاك بعض هؤلاء الجنرالات للتجارة وامتلاكهم لرخص الصيد في أعالي البحار وغيرها من الأعمال التي تتنافى والوظيفة العسكرية. نقول أن نقص المعطيات وغياب الأدلة سيمنعنا في الخوض في كل حيثيات المؤسسة العسكرية، لكن هناك جانبا مهمّا ينبغي بحثه في هذا السياق، وهو المتعلّق بقضية رواتب المجندين الموجودين في أدنى الرّتب العسكرية. فواقع حال أغلب المتقاعدين من هؤلاء يدلّل بالملموس على أنهم يتقاضون أجورا زهيدة، كما أن معاشهم بعد التقاعد لا يتجاوز في الغالب ألف درهم. كما أن روايات هؤلاء حول الأوضاع التي قضوا فيها مهمتهم التجنيدية كانت جد مزرية، فمنهم من يروي كيف أن قائده كان يشغّله في بيته كطاهٍ ومنظّف للأواني وراعٍ للأطفال، ومنهم من يحكي أنه لم يكن يعمل في الجيش وإنما كان سائقا خاصّا لزوجة هذا الجنرال أو ذاك، ومنهم من يروي أنه وزملاءه كانوا يشتغلون كأقنان في ضيعة هذه القائد أو ذاك، ومنهم من يقول أنه كان يشتغل في سفن الصيد في أعالي البحار المملوكة لبعض جنرالات الجيش، وهناك الكثير من الروايات في هذا الموضوع التي تبين أن بعض مجندي الجيش كانوا (ورّبما مازالوا) يؤدّون أعمال السخرة في المحلات الخاصة لقائديهم ومسؤوليهم، ويمكن لمن أراد أن يسمع المزيد من هذه القصص أن يقصد أقرب تجمّع للعب الورق حيث يحتشد العديد من المتقاعدين ومنهم متقاعدي الجيش، لكي يستمع إلى أغرب القصص التي يرويها هؤلاء. لا نجزم بصدقية هذه الروايات وإن كان تواثرها يقرّبها من الحقيقة، لكن نسعى في هذا المقال تسليط الضوء على هذه الفئة من الشعب المغربي التي عانت ولا تزال تعاني الكثير من التهميش والاجحاف.

المشكلة الكبيرة في هذه القضية هو أن بعض من يقومون بأعمال السخرة في بيوت قائديهم، يعتقدون أن ذلك ينصّ عليه القانون، وأن من حق قيادات الجيش أن تحصل على من يقوم بأعمال السخرة في بيوتها وضيعاتها ومستغلاتها. لقد لا قتني الصدفة بأحد الذين لا يزالون يشتغلون في الجيش ولكنه يعمل بالموازاة مع ذلك سائقا لسيارة يحمل من خلالها المسافرين بشكل غير قانوني، قدّم الرجل نفسه كأحد عناصر الجيش وأنه حاصل على شهادة الباكلوريا، لكن أجرَه لا يكفيه، مما يدفعه إلى عمل موازٍ يكفل به رزق أبنائه. في الواقع لم أتأكّد من هوية الرجل، لكنه نبّهني إلى مسألة مهمة، وهي أنه يقول بأن الدستور هو من أعطى الحق لقيادات الجيش بأن يكون لها خدم من المجنّدين. سألته هل هذا هو رأي من يقوم بأعمال السخرة هذه، فأجاب نعم، فكل من يستدعيه قائده للعمل في بيته مثلا، يعتقد بأن ذلك من صميم مهمّته التجنيدية. حاولت أن أجادل الرجل لكنه كان يصرّ على قوله بأنه يوجد في الدستور ما يؤكّد كلامه، ولم يقتنع بكلامي ولو بعدما أخبرته بأني باحث في القانون الدستوري وأني أحفظ بنود الدستور عن ظهر قلب.

لا يهمّنا بشكل كبير صحة القصص التي يرويها مجنّدي الجيش المتقاعدين أو المزاولين لمهامهم، لكن ما نودّ التركيز عليه هنا، هو أنه ينبغي آلا تقتصر عملية التثقيف السياسي على مدنيي الشعب المغربي، ولا ينبغي أن يقتصر التكوين القانوني على ضباط الجيش وقياداته، وإنام ينبغي على الفئات الدنيا من الجيش المغربي أن تعرف واجباتها إلى جانب حقوقها، وأن تنال التكوين المستمر في مختلف المجالات، وأن يتم الحسم مع فكرة اختيار المجنّدين من غير المتحصّلين على مستوى دراسي عالٍ، فهناك الكثير من حاملي الشهادات يمكن فتج المجال أمامهم للمشاركة في مهمة حماية البلاد، لأن مهمة الدفاع عن سيادة الوطن ينبغي أن تطّلع بها، من باب أولى، الفئات التي نالت تعليما لا بأس به، وتعرف حقوقها وواجباتها، حتى لا يصار إلى تحويلها إلى “خدم” في بيوت القيادات، وحتى لا تضيع أموال الشعب المخصصة للجيش المغربي، إذ لا يمكن للشعب المغربي أن يصرف أمواله على مجنّد واحد لا يقوم بعمله الأصلي، فمن أراد أن يكون له خدم في ضيعته أو بيته أو سائق لزجته وا بنائه، فما عليه إلا أن يبحث عنه خارج دائرة مجّندي الجيش المغربي. الدفاع عن الوطن يحتاج رجالا ونساء أحرارا، يحرمون قياداتهم وياتمرون بأوامرهم المتعلقة بالمهمة العسكرية، لا أن يأتمروا بأوامر بعض زوجات الجنرالات، ومسيّري ضيعاتهم وسفنهم.

* باحث في العلوم السياسية

‫تعليقات الزوار

5
  • Ouassim
    الخميس 30 يناير 2014 - 19:01

    عزيزي كاتب المقال
    اشكرك على طرح هدا الموضوع الحساس جدا و الهام جدا جداا لانه يمس المجتمع بأكلمه فمن منا ليس له شخص قريب او صديق من الجيش
    المشكل لا يكمن في قرأة الدستور او غيره المشكل في من يحاسب كبار ضباط الجيش ولم يشكو اصحاب الرتب المتدنية….فهده الشريحة من الجيش لم تجد حلا سوى الاشتغال في المنازل عوض الدهاب الى الصحراء او المنفى كما يسمونه الاشتغال في فيلا في الاحياء الفاخرة في مدينة الرباط وغيرها رغم الذل افضل بكتير من الاشتغال في مناطق معزولة على بعد الاف الكيلومترات من الحياة الحديتة

  • النعماني
    الخميس 30 يناير 2014 - 21:35

    المواطنون سواسية أمام القانون….
    الحق والواجب….
    الرئيس والمرؤوس…….
    عناوين عريضة لبرك آسنة لايمكن توقع ما تخفيه غياهبها…
    تحقق من عدّتك للغوص… وغص حسب معداتك..
    بالتوفيق.

  • محسن
    الجمعة 31 يناير 2014 - 09:52

    مقال يتسحق التقدير والتنويه لتطرقه لموضوع مسكوت عنه،ويفتح الباب أمام عبودية من نوع آخر بدورها تكشف عن نقط معتمة يجب تسليط الضوء عليها.

  • محب للخير
    الجمعة 31 يناير 2014 - 10:53

    احسنت هذا كلام حقيقي فنحن نعرف ذلك من خلال عائلاتنا فمنهم من يشتغل في الجيش.وهو كذلك يعتقد أن ذلك من صميم اختصاصاته.
    شكرا لك لتنوير هذه الشريحة من المجتمع اذا أخذ هذا الكلام مأخد الجد و فتح بحث في ذلك.

  • سعاد
    الجمعة 31 يناير 2014 - 15:26

    شكرا لك، وأرجو مستقبلا أن تحدثنا عن أجور المسخرين من "الفنانين" و"المثقفين" من لدن الجيش ممن كشف عنهم مثلا انقلاب مصر الأخير: باسم يوسف ولميس و الحجار وشيرين والأسواني، وغيرهم…

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 2

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40 2

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36 8

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن

صوت وصورة
منع وقفة مهنيي الحمامات
الخميس 21 يناير 2021 - 16:39 15

منع وقفة مهنيي الحمامات

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32 11

احتجاج ضحايا باب دارنا

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 21

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية